من تكَلَّم بشَيءٍ فقد شَهِدَ به وإنْ لم يتلفَّظْ بالشَّهادةِ، أي: وإنْ لم يَقُلْ: أشهَدُ.

قال اللهُ تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: 19] ، فجَعَل ذلك منهم شهادةً وإن لم يتلَفَّظوا بلَفظِ الشَّهادةِ، ولم يؤَدُّوها عند غَيرِهم.

قال السَّمعانيُّ: (ليس الجَعْلُ هاهنا بمعنى الخَلْقِ، إنَّما هو بمعنى الوَصفِ والتَّسميةِ، كما يقولُ القائِلُ: جَعَل فُلانٌ زَيدًا أعلَمَ النَّاسِ، أي: وصَفَه به، وحَكَم له بذلك) 662.

وسَمَّى اللهُ تعالى إقرارَ العَبدِ على نَفْسِه شهادةً؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء: 135] ، فشهادةُ المرءِ على نَفْسِه هي إقرارُه على نَفْسِه 663.

قال القُرطبي: (قَولُه تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ) (قَوَّامِينَ) بناءُ مُبالَغةٍ، أي: ليتكَرَّرْ منكم القيامُ بالقِسطِ، وهو العَدلُ في شهادتِكم على أنفُسِكم، وشهادةُ المرءِ على نَفْسِه إقرارُه بالحقوقِ عليها. ثمَّ ذَكَر الوالِدَينِ لوُجوبِ بِرِّهما وعِظَمِ قَدْرِهما، ثمَّ ثَنَّى بالأقربينَ؛ إذْ هم مَظِنَّةُ المودَّةِ والتعَصُّبِ، فكان الأجنبيُّ من النَّاس أحرى أن يقامَ عليه بالقِسْطِ ويُشهَدَ عليهـ) 664.

وقال ابنُ أبي زيدٍ القيرواني: (بابُ ما تنطِقُ به الألسِنَةُ وتعتَقِدُه الأفئدةُ من واجِبِ أمورِ الدِّياناتِ؛ من ذلك: الإيمانُ بالقَلبِ، والنُّطقُ باللِّسانِ؛ أنَّ اللهَ إلهٌ واحِدٌ لا إلهَ غَيرُهـ) 665.

وقال ابنُ القَيِّمِ: (أجمع المُسلِمونَ على أنَّ الكافِرَ إذا قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، محمَّدٌ رَسولُ اللهِ، فقد دخَلَ في الإسلامِ، وشَهِدَ شَهادةَ الحَقِّ، ولم يتوقَّفْ إسلامُه على لَفظِ الشَّهادةِ... وهذا أكثَرُ مِن أن تُذكَرَ شَواهِدُه مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ فليس مع من اشتَرَط لفظَ الشَّهادةِ دَليلٌ يُعتَمَدُ عليه، واللهُ أعلَمُ) 666.