يُوصَفُ اللهُ جلَّ وعلا بالأحَدِيَّةِ، وهي صِفةٌ ذاتيَّةٌ له، والأحَدُ اسمٌ له سُبحانَه وتعالى.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
قولُه تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1] .
قال السَّمعانيُّ: (أي: قُلْ: هو اللهُ الواحِدُ. أحَدٌ: بمعنى الواحِدِ، وقد فُرِّق بيْن الأحَدِ والواحِدِ. وقيل: إنَّ الأحَدَ أبلَغُ مِنَ الواحِدِ، يقالُ: فلانٌ لا يُقاوِمُه أحدٌ، نفيًا للكُلِّ، ويقالُ: لا يقاوِمُه واحِدٌ، ويجوزُ أن يقاوِمَه اثنانِ، وأيضًا فإنَّ الواحِدَ يكونُ الذي يليه الثَّاني والثَّالِثُ في العَدَدِ، والأحَدُ لا يكونُ بمعنى هذا الحالِ، وأكثَرُ المفَسِّرينَ أنَّه بمعنى الواحِدِ) 1473.
وقال ابنُ كثير: (يعني: هو الواحِدُ الأحَدُ، الذي لا نظيرَ له ولا وَزيرَ، ولا نَدِيدَ ولا شَبيهَ ولا عديلَ، ولا يُطلَقُ هذا اللَّفظُ على أحَدٍ في الإثباتِ إلَّا على اللهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لأنَّه الكامِلُ في جميعِ صِفاتِه وأفعالِهـ) 1474.
الدَّليلُ مِن السُّنَّةِ:
الحديثُ القُدسيُّ: ... وأمَّا شَتْمُه إيَّايَ، فقَولُه: اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا، وأنا اللهُ الأحَدُ الصَّمَدُ، لم ألِدْ ولم أُولَدْ، ولم يكُنْ لي كُفُوًا أحَدٌ
1475.
قال الأزهريُّ: (وأمَّا اسمُ اللهِ جلَّ ثناؤه أَحَدٌ، فإنَّه لا يُوصَفُ شَيءٌ بالأحَدِيَّةِ غيرُه؛ لا يُقالُ: رَجُلٌ أَحَدٌ، ولا دِرْهَمٌ أَحَدٌ، كما يقالُ: رَجلٌ وَحَدٌ، أي: فَرْدٌ؛ لأنَّ أحَدًا صفةٌ من صِفات اللهِ التي استأثَرَ بها، فلا يَشْرَكُه فيها شَيءٌ) 1476.
ومعناه: (الَّذي لا نظيرَ له، ولا وزيرَ، ولا نديدَ، ولا شبيهَ، ولا عديلَ، ولا يُطلَقُ هذا اللَّفظُ على أحَدٍ في الإثباتِ إلَّا على اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه الكاملُ في جميعِ صِفاته وأفعالِهـ) 1477.
والفَرْقُ بيْن الواحِدِ والأحَدِ في صِفات اللهِ: أنَّ (الواحِدَ في صِفةِ اللهِ معناه: أنَّه لا ثانيَ له، ويجوزُ أن يُنْعَتَ الشَّيءُ بأنَّه واحِدٌ، فأمَّا أَحَدٌ فلا يوصَفُ به غيرُ الله؛ لِخُلوصِ هذا الاسمِ الشَّريفِ له جَلَّ ثَنَاؤُهـ) 1478.
قال البَيهقيُّ: (الأحَدُ: الذي لا شَبيهَ له ولا نظيرَ. والواحِدُ: الذي لا شَريكَ له ولا عَديلَ، وعَبَّرَ عنه بعبارةٍ أُخرى فقيل: الأحَدُ، وهو المنفَرِدُ بالمعنى لا يُشارِكُه فيه أحدٌ، والواحِدُ المنفَرِدُ بالذَّاتِ لا يُضامُّه أحَدٌ، وهما من الصِّفاتِ التي يَستَحِقُّها بذاتِهـ) 1479.
وقال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (الأحَدُ في أسمائِه تعالى مُشعِرٌ بوجودِه الخاصِّ به، الذي لا يُشارِكُه فيه غَيرُهـ) 1480.
وقال أبو عبدِ الله القُرْطبيُّ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1] أي: الواحِدُ الوِتْرُ، الذي لا شبيهَ له، ولا نظيرَ ولا صاحِبةَ، ولا وَلَدَ ولا شَريكَ) 1481.
وقال ابنُ رجبٍ: (إنَّ الأحَدَ هو الذي لا كُفُوَ له ولا نظيرَ، فيمتَنِعُ أن يكونَ له صاحبةٌ. والتوَلُّدُ إنما يكونُ بيْن شيئينِ، وكونُه تعالى أحدًا ليس أحَدٌ كُفُوًا له، يستلزِمُ أنَّه لم يَلِدْ ولم يُولَدْ؛ لأنَّ الوالِدَ والوَلَدَ متماثلانِ مُتَكافئانِ، وهو تعالى أحَدٌ لا كفُوَ له، وأيضًا فالتولُّدُ يحتاجُ إلى زوجةٍ، وهي مكافِئةٌ لزَوجِها مِن وَجْهٍ، وذلك أيضًا ممتَنِعٌ) 1482.