صفةٌ فِعليَّةٌ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجلَّ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.

الدَّليلُ مِن الكِتابِ:

1- قولُه تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] .

2- قَولُه: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54، يونس: 3، الرعد: 2، الفرقان: 59، السجدة: 4، الحديد: 4].

عن أبي العاليةِ في قَولِه: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة: 29] : (يَقولُ: ارتَفَع) 1559.

وعن مجاهِدٍ في قَولِه تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54] قال: (علا على العَرْشِ) 1560.

قال السَّمعانيُّ: (أهلُ السُّنَّةِ يَقولُون: إنَّ الاستواءَ على العَرْشِ صِفةٌ لله تعالى بلا كَيفٍ، والإيمانُ به واجِبٌ، كذلك يُحكى عن مالِكِ بنِ أنَسٍ وغَيرِه مِنَ السَّلَفِ أنَّهم قالوا في هذه الآيةِ: الإيمانُ به واجِبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدعةٌ) 1561.

وقال البَغَويُّ: (ثمَّ استوى على العَرْشِ، قال الكَلبيُّ ومُقاتِلٌ: استقَرَّ. وقال أبو عُبَيدةَ: صَعِدَ. وأوَّلت المُعتَزِلةُ الاستواءَ بالاستيلاءِ، فأمَّا أهلُ السُّنَّةِ يَقولُون: الاستواءُ على العَرْشِ صِفةٌ لله تعالى بلا كَيفٍ، يجِبُ على الرَّجُلِ الإيمانُ به، ويَكِلُ العِلمَ فيه إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وسأل رجُلٌ مالِكَ بنَ أنَسٍ عن قَولِه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] كيف استوى؟ فأطرَقَ رأسَه مَلِيًّا وعَلاه الرُّحَضاءُ ثمَّ قال: الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، والإيمانُ به واجِبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدعةٌ، وما أظنُّك إلَّا ضالًّا، ثمَّ أمَرَ به فأُخرِجَ. ورُوِيَ عن سُفيانَ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ، وسُفيانَ بنِ عُيَينةَ، وعبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ، وغَيرهِم من عُلَماءِ السُّنَّةِ، في هذه الآياتِ التي جاءت في الصِّفاتِ المتشابِهاتِ: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كَيفٍ. والعَرشُ في اللُّغةِ: هو السَّريرُ. وقيل: هو ما علا فأظَلَّ، ومنه عَرشُ الكُرومِ) 1562.

وقال ابنُ رشدٍ: (أمَّا من قال: إنَّ الاستواءَ بمعنى الاستيلاءِ فقد أخطَأَ؛ لأنَّ الاستيلاءَ لا يكونُ إلَّا بعد المغالَبةِ والمقاهَرةِ، واللهُ يتعالى عن أن يُغالِبَه أحَدٌ. وحَمْلُ الاستواءِ على العُلُوِّ والارتفاعِ أَولى ما قيلَ، كما يقالُ: استَوَت الشَّمسُ في كَبِدِ السَّماءِ، أي: عَلَت) 1563.

وقال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54] للنَّاسِ في هذا المقامِ مقالاتٌ كثيرةٌ جِدًّا، ليس هذا مَوضِعَ بَسْطِها، وإنما يُسلَكُ في هذا المقامِ مَذهَبُ السَّلَفِ الصَّالحِ: مالِكٍ، والأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ، والشَّافعيِّ، وأحمَدَ بنِ حَنبلٍ، وإسحاقَ بنِ راهَوَيهِ، وغَيرِهم مِن أئِمَّةِ المسلِمينَ قديمًا وحديثًا، وهو إمرارُها كما جاءت مِن غيرِ تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تعطيلٍ. والظَّاهِرُ المتبادِرُ إلى أذهانِ المشَبِّهينَ مَنفيٌّ عن اللهِ؛ فإنَّ اللهَ لا يُشبِهُه شَيءٌ من خَلْقِه، و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] ، بل الأمرُ كما قال الأئِمَّةُ -منهم نعيمُ بنُ حَمَّادٍ الخُزاعيُّ؛ شيخُ البُخاريِّ-: «مَن شَبَّه اللهَ بخَلْقِه فقد كَفَر، ومن جَحَد ما وَصَف اللهُ به نَفْسَه فقد كَفَر. وليس فيما وَصَف اللهُ به نَفْسَه ولا رَسولُه تشبيهٌ»، فمن أثبَتَ للهِ تعالى ما ورَدَت به الآياتُ الصَّريحةُ والأخبارُ الصَّحيحةُ على الوَجهِ الذي يَليقُ بجَلالِ اللهِ تعالى، ونفى عن اللهِ تعالى النَّقائِصَ، فقد سَلَك سبيلَ الهُدى) 1564.

ومِن أقوالِ العُلَماءِ في إثباتِ صِفةِ الاستواءِ للهِ عزَّ وجَلَّ:

قال أبو حنيفةَ: (نُقِرُّ بأنَّ اللهَ تعالى على العَرْشِ استوى من غيرِ أن يكونَ له حاجةٌ) 1565.

وقال الشَّافعيُّ في وصيَّتِه: (هذه وصيَّةُ محمَّدِ بنِ إدريسَ الشَّافعيُّ، أوصى أنَّه يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَبدُه ورَسولُه... وأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ يُرى في الآخرةِ، يَنظُرُ إليه المؤمنون عِيانًا جِهارًا، ويَسمَعونَ كَلامَه، وأنَّه فوقَ العَرشِ...) 1566.

وقال أيضًا: (القَولُ في السُّنَّةِ التي أنا عليها، ورأيتُ أصحابَنا عليها أهلَ الحديثِ الذين رأيتُهم فأخذتُ عنهم؛ مِثلُ: سُفيانَ ومالكٍ وغَيرِهما: الإقرارُ بشَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رَسولُ اللهِ، وأنَّ اللهَ على عَرْشِه في سمائِه يَقرُبُ مِن خَلْقِه كيف شاء) 1567.

وقال أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: (وقد عَرَف أهلُ العِلمِ أنَّه فوقَ السَّمَواتِ السَّبعِ: الكُرسيِّ، والعَرشِ، واللَّوحِ المحفوظِ، والحُجُبِ، وأشياءَ كثيرةٍ لم يُسَمِّها) 1568.

وقال الدارمي: (انتَدَبْتَ أيُّها المِرِّيسيِّ مُكَذِّبًا بعَرشِ اللهِ وكُرسيِّه، مُطنِبًا في التكذيبِ بجَهْلِك، متأوِّلًا في تكذيبِه بخِلافِ ما تعقِلُه العُلَماءُ، فرَوَيتَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما قال: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: 255] : عِلْمُهـ) 1569 ، قلتَ: فمعنى الكُرسيِّ: العِلمُ، فمن ذهب إلى غيِر العِلمِ أكذَبَه كتابُ اللهِ تعالى.

فيقالُ لهذا المِرِّيسيِّ: أمَّا ما رويتَ عن ابنِ عَبَّاسٍ فإنَّه من روايةِ جَعفَرٍ الأحمَرِ، وليس جعفَرٌ ممَّن يُعتَمَدُ على روايتهِ؛ إذ قد خالفَتْه الرُّواةُ الثِّقاتُ المتقِنون، وقد روى مسلِمٌ البطينُ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ في الكُرسيِّ خِلافَ ما ادَّعَيتَ على ابنِ عَبَّاسٍ.

حَدَّثَنا يحيى وأبو بكرِ بنُ أبي شَيبةَ، عن وكيعٍ، عن سُفيانَ، عن عَمَّارِ الدهنيِّ، عن مسلمٍ البطينِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما قال: (الكرسيُّ مَوضِعُ القَدَمينِ، والعَرشُ لا يَقدُرُ قَدرَه إلَّا اللُهـ) 1570 ، فأقرَّ المرِّيسي بهذا الحديثِ وصَحَّحه، وزعم أنَّ وكيعًا رواه، إلَّا أنَّ تفسيرَ القَدَمينِ هاهنا في دعواه: الثَّقَلينِ، قال: يضَعُ اللهُ عِلْمَه وقضاءَه للثَّقَلينِ يومَ القيامةِ، فيَحكُمُ به فيهم، فهل سَمِع سامِعٌ من العالَمينَ بمِثلِ ما ادَّعى هذا المِرِّيسي؟ وَيْلَك! عَمَّن أخَذْتَه؟ ومن أيِّ شيطانٍ تلقَّيْتَه؟ فإنَّه ما سبقك إليها آدميٌّ نَعلَمُه. أيحتاجُ الرَّبُّ عزَّ وجَلَّ أن يَضَعَ محاسبةَ العبادِ على كِتابِ عِلْمِه وأقضِيَتِه يحكُمُ بما فيه بينهم؟ ولا أراك مع كثرةِ جَهْلِك إلَّا وستَعلَمُ أنَّك احتجَجْتَ بباطِلٍ جعَلْتَه أغلوطةً تغالِطُ بها أغمارَ النَّاسِ وجُهَّالَهم) 1571.

وقال أبو حاتمٍ الرازيُّ: (مَذهَبُنا واختيارُنا اتِّباعُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه والتَّابعين ومَن بَعْدَهم بإحسانٍ، وتَرْكُ النَّظَرِ في موضِعِ بِدَعِهم، والتمسُّكُ بمذهَبِ أهلِ الأثَرِ؛ مِثلُ أبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ، وإسحاقَ بنِ إبراهيمَ، وأبي عبيدٍ القاسِمِ بنِ سَلَّامٍ، والشَّافعيِّ، ولُزومُ الكتابِ والسُّنَّةِ، والذَّبُّ عن الأئمَّةِ المتَّبِعةِ لآثارِ السَّلَفِ، واختيارُ ما اختاره أهلُ السُّنَّةِ مِن الأئمَّةِ في الأمصارِ؛ مِثلُ: مالكِ بنِ أنَسٍ في المدينةِ، والأوزاعيِّ بالشَّامِ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ بمصرَ، وسُفيانَ الثَّوريِّ وحمَّادِ بن زيادٍ بالعراقِ... أنَّ اللهَ على عرشِه بائنٌ مِن خَلْقِه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] ) 1572.

وقال الطَّحاويُّ: (العَرشُ والكُرسيُّ حَقٌّ، وهو مُستغنٍ عن العَرشِ وما دونَه، محيطٌ بكُلِّ شَيءٍ وفوقَهـ) 1573.

وقال أبو بكرٍ الإسماعيليُّ: (اعلَموا -رَحِمنا اللهُ وإيَّاكم- أنَّ مَذهَبَ أهلِ الحَديثِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ:... يَعتَقِدون أنَّ اللهَ مَدعوٌّ بأسمائِه الحُسنى، وموصوفٌ بصِفاتِه التي سمَّى ووَصَف بها نَفْسَه، ووصَفَه بها نبيُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم... وأنَّه عزَّ وجَلَّ استوى على العَرشِ، بلا كيفٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى انتهى من ذلك إلى أنَّه استوى على العَرشِ ولم يذكُرْ كيف كان استواؤُهـ) 1574.

وقال ابنُ أبي زيد القيروانيُّ: (إنَّ اللهَ إلهٌ واحدٌ، لا إلهَ غيرُه، ولا شبيهَ له، ولا نظيرَ له، ولا وَلَدَ له، ولا والِدَ له، ولا صاحِبةَ له، ولا شريكَ له... وأنَّه فوقَ عَرشِه المجيدِ بذاتِهـ) 1575.

وقال أيضًا: (ممَّا أجمعت عليه الأئمَّةُ مِن أمورِ الدِّيانةِ، ومن السُّنَنِ التي خلافُها بدعةٌ وضَلالةٌ... أنَّه فوقَ سماواتِه على عَرْشِه دونَ أَرْضِه، وأنَّه في كُلِّ مكانٍ بعِلْمِه، وأنَّ للهِ سُبحانه وتعالى كرسِيًّا كما قال عزَّ وجَلَّ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: 255] . وممَّا جاءت به الأحاديثُ أنَّ اللهَ سُبحانَه يَضَعُ كُرسِيَّه يومَ القيامةِ لفَصلِ القَضاءِ. قال مجاهِدٌ: كانوا يقولون: ما السَّمَواتُ والأرضُ في الكُرسيِّ إلَّا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ في فَلاةٍ... وكُلُّ ما قَدَّمْنا ذِكْرَه فهو قَولُ أهلِ السُّنَّةِ وأئمَّةِ النَّاسِ في الفِقهِ والحديثِ على ما بَيَّنَّاه، وكُلُّه قَولُ مالكٍ؛ فمنه منصوصٌ من قَولِه، ومنه معلومٌ مِن مَذهَبِهـ) 1576.

وقال ابنُ أبي زمنين: (من قَولِ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ خَلَق العَرشَ واختَصَّه بالعُلُوِّ والارتفاعِ فَوقَ جميعِ ما خَلَق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبَرَ عن نَفْسِه في قَولِه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] ... ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا [الحديد: 4] ) 1577.

وقال أبو عَمرٍو الدَّاني: (مِن قَولِهم: إنَّ اللهَ سُبحانه خَلَق العَرْشَ، واختَصَّه بالعُلُوِّ والارتفاعِ فَوقَ جميعِ ما خَلَق، ثمَّ استوى عليه كيف شاء، من غيرِ أن يُحدِثَ تَغيُّرًا في ذاتِه، لا إلهَ إلَّا هو الكَبيرُ، وأنَّه تباركَ وتعالى خَلَق الكُرسيَّ، وهو بين يَدَيِ العَرْشِ) 1578.

وقال أبو يَعْلى: (نصُّ القُرآنِ والأخبارِ الصِّحاحِ أنَّه في السَّماءِ، مُستوٍ على عَرْشِه، بائنٌ مِن خَلْقِهـ) 1579.

وقال ابنُ عبدِ البَرِّ في شرحِ حديثِ النُّزولِ: (فيه دليلٌ على أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ في السَّماءِ على العَرشِ مِن فوقِ سَبعِ سَماواتٍ، كما قالت الجماعةُ، وهو من حُجَّتِهم على المعتَزِلةِ والجَهميَّةِ في قَولِهم: إنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ في كُلِّ مكانٍ، وليس على العَرشِ) 1580.

ومعنى الاستواءِ: العُلوُّ، والارتفاعُ، والاستقرارُ، والصُّعودُ، كما قال ابنُ القيِّمِ:

(فَلَهُمْ عِبَارَاتٌ عَلَيْهَا أَرْبَعٌ قَدْ حُصِّلَتْ لِلْفَارِسِ الطَّعَّانِ

وَهِيَ اسْتَقَرَّ وَقَدْ عَلَا وَكَذَلِكَ ارْ تَفَعَ الَّذِي مَا فِيهِ مِنْ نُكْرَانِ

وَكَذَاكَ قَدْ صَعِدَ الَّذِي هُوَ رابِعٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ الشَّيْبَانِي

يَخْتَارُ هَذَا القَوْلَ فِي تَفْسِيرِهِ أَدْرَى مِنَ الجَهْمِيِّ بِالقُرْآنِ) 1581.