الرُّؤيةُ صِفةٌ ذاتيَّةٌ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجلَّ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قولُه تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: 46] .
2- قَولُه: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق: 14] .
قال ابنُ جريرٍ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة: 265] : (يَقولُ: إنَّ اللهَ يرى ما تَعمَلونَ مِن خيرٍ وشَرٍّ) 2109.
وقال ابنُ بطَّةَ: (بابُ الإيمانِ بأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَسمَعُ ويرى، وبيانِ كُفرِ الجَهميَّةِ في تكذيبِهم الكِتابَ والسُّنَّةِ) 2110.
وقال ابنُ عُثَيمين في قَولِه: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق: 14] : (في هذه الآيةِ: إثباتُ صفةِ الرُّؤيةِ لله عَزَّ وجَلَّ. والرُّؤيةُ المضافةُ إلى اللهِ لها معنيانِ.
المعنى الأوَّلُ: العِلمُ.
المعنى الثَّاني: رُؤيةُ المبصَراتِ، يعني: إدراكَها بالبصَرِ.
فمِن الأوَّلِ: قَولُه تعالى عن القيامةِ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج: 6، 7]، فالرُّؤيةُ هنا رؤيةُ العِلمِ؛ لأنَّ اليومَ ليس جِسمًا يُرى، وأيضًا هو لم يكُنْ بَعْدُ، فمعنى: وَنَرَاهُ قَرِيبًا، أي: نعلَمُه قريبًا. وأمَّا قَولُه: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى فهي صالِحةٌ لأن تكونَ بمعنى العِلمِ وبمعنى الرُّؤيةِ البَصَريَّةِ، وإذا كانت صالحةً لهما، ولا منافاةَ بينهما، وجَبَ أن تُحمَلَ عليهما جميعًا، فيقالَ: إنَّ اللهَ يَرى، أي: يَعلَمُ ما يَفعَلُه هذا الرَّجُلُ وما يَقولُه، ويراه أيضًا) 2111.
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
1- حديثُ جِبريلَ المشهورُ، وفيه: ... قال: ما الإحسانُ؟ قال: أن تعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تراه، فإن لم تكُنْ تراه فإنَّه يَراكَ ...
2112.
2- قولُ أنسِ بنِ النَّضْرِ رَضِيَ اللهُ عنه بعدَ أنْ فاتَه القِتالُ في بَدْرٍ: (... لئِنِ اللهُ أشهَدَني قتالَ المُشرِكينَ، لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنَعُ ) 2113.
قال أبو القاسم الأصبهانيُّ: (قال اللهُ تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود: 37]، وقال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [البقرة: 14] ، وقال: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39] ، وقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: 48]؛ فواجبٌ على كُلِّ مؤمنٍ أن يُثبِتَ مِن صِفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ ما أثبَته اللهُ لنَفْسِه، وليس بمؤمنٍ مَن يَنفي عنِ اللهِ ما أثبَته اللهُ لنَفْسِه في كِتابه؛ فرؤيةُ الخالقِ لا تكونُ كرؤيةِ المخلوقِ، وسَمْعُ الخالقِ لا يكونُ كسَمْعِ المخلوقِ؛ قال اللهُ تعالى: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 105] ، وليس رؤيةُ اللهِ تعالى أعمالَ بني آدَمَ كرؤيةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُؤمنينَ، وإن كان اسمُ الرُّؤيةِ يقَعُ على الجميعِ، وقال تعالى: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ [مريم: 42] ، جلَّ وتعالى عن أن يُشبِهَ صفةُ شيءٍ مِن خَلْقِه صفتَه، أو فِعلُ أحَدٍ مِن خَلْقِه فِعْلَه؛ فالله تعالى يرَى ما تحتَ الثَّرى، وما تحتَ الأرضِ السَّابعةِ السُّفلى، وما في السَّمواتِ العُلا، لا يَغيبُ عن بَصَرِه شيءٌ مِن ذلك ولا يخفَى؛ يرى ما في جوفِ البِحارِ ولُجَجِها كما يرى ما في السَّمواتِ، وبنو آدَمَ يرَوْنَ ما قرُبَ مِن أبصارِهم، ولا تُدرِكُ أبصارُهم ما يبعُدُ منهم، لا يُدرِكُ بصَرُ أحَدٍ مِن الآدَميِّينَ ما يكونُ بينَه وبينَه حجابٌ، وقد تتَّفِقُ الأسامي وتختلِفُ المعاني) 2114.