قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180] .

وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لله تِسعةٌ وتِسعونَ اسمًا؛ مائةٌ إلَّا واحِدًا، لا يَحفَظُها أحَدٌ إلَّا دَخَل الجنَّةَ، وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ 976. وفي روايةٍ: مَن أحصاها دَخَل الجَنَّةَ 977.

قال ابنُ تَيميَّةَ: (الصَّوابُ الذي عليه جُمهورُ العُلَماءِ أنَّ قَولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ للهِ تِسعةً وتِسعينَ أسمًا من أحصاها دَخَل الجَنَّةَ معناه أنَّ من أحصى التِّسعةَ والتِّسعينَ مِن أسمائِه دَخَل الجنَّةَ، ليس مرادُه أنَّه ليس له إلَّا تسعةٌ وتِسعونَ اسمًا) 978.

وقال أيضًا: (إنَّ التِّسعةَ والتِّسعينَ اسمًا لم يَرِدْ في تعيينِها حديثٌ صَحيحٌ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأشهَرُ ما عندَ النَّاسِ فيها حديثُ التِّرمذيِّ الذي رواه الوَليدُ بنُ مُسلمٍ عن شُعَيبٍ عن أبي حمزةَ 979 ، وحُفَّاظُ أهلِ الحديثِ يقولونَ: هذه الزِّيادةُ مِمَّا جمَعَه الوَليدُ بنُ مُسلِمٍ عن شُيوخِه مِن أهلِ الحَديثِ. وفيها حديثٌ ثانٍ أضعَفُ من هذا، رواه ابنُ ماجَهْ) 980.

وقال ابنُ كثيرٍ: (الذي عوَّل عليه جماعةٌ مِن الحُفَّاظِ أنَّ سَرْدَ الأسماءِ في هذا الحديثِ مُدرَجٌ فيه، وإنَّما ذلك كما رواه الوَليدُ بنُ مُسلمٍ وعبدُ المَلِكِ بنُ محمَّدٍ الصَّنعانيُّ، عن زُهيرِ بنِ محمَّدٍ: أنَّه بَلَغَه عن غيرِ واحدٍ مِن أهلِ العِلْم أنَّهم قالوا ذلك، أي: أنَّهم جَمَعوها مِن القُرآنِ، كما ورد عن جَعفرِ بنِ محمَّدٍ وسُفيانَ بنِ عُيَينةَ وأبي زَيدٍ اللُّغَويِّ. واللهُ أعلَمُ. ثمَّ ليُعلَمْ أنَّ الأسماءَ الحُسْنى ليست مُنحَصِرةً في التِّسعةِ والتِّسعينَ) 981.

وقد اختَلَف أهلُ العِلْم في المرادِ بإحصائِها.

قال الخَطَّابيُّ: (الإحصاءُ في هذا يحتَمِلُ وُجوهًا؛ أظهَرُها العَدُّ لها حتى يستوفِيَها، يريدُ أنَّه لا يَقتَصِرُ على بَعْضِها، لكِنْ يدعو اللهَ بها كُلِّها، ويُثني على اللهِ بجَميعِها، فيَستوجِبُ بذلك الموعودَ عليها من الثَّوابِ) 982.

وقال عِياضٌ: (قَولُه: (من أحصاها): قيل: مَن حَفِظَها، وقد جاء مُفَسَّرًا في حديثٍ (مَن حَفِظَها) 983. وقيل: من عَدَّها ليدعوَ بها، كقَولِه: وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا وقيل: (من أحصاها): من وَحَّد اللهَ بها ودعا بها، يريدُ توحيدَه وتعظيمَه والإخلاصَ له. وقيل: (أحصاها) بمعنى: أطاقها. كقَولِه: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي: تُطيقُوه، وإطاقتُها: حُسنُ المراعاةِ لها، والمحافَظةُ لحُدودِها، والتَّصديقُ بمعانيها، والعِلْمُ بها، ومُقتَضى كُلِّ اسمٍ وصِفةٍ يُستفادُ منها، وتحقيقُها. وقيل: إحصاؤُها: العَمَلُ بها، والتعَبُّدُ للهِ بمعنى كُلِّ اسمٍ منها، والإيمانُ بها لا يَقتَضي تعَبُّدًا ولا عَمَلًا. وقيل: معنى ذلك خَتْمُ القُرآنِ وتِلاوتُه كُلِّه؛ لأنَّه مُستَوفٍ لهذه الأسماءِ) 984.

وقال النَّوويُّ: (قال البُخاريُّ وغَيرُه مِن المحَقِّقينَ: معناه: حِفْظُها، وهذا هو الأظهَرُ؛ لأنَّه جاء مُفَسَّرًا في الرِّوايةِ الأُخرى: (مَن حَفِظَها). وقيل: أحصاها: عَدَّها في الدُّعاءِ بها. وقيل: أطاقَها، أي: أحسَنَ المراعاةَ لها والمحافَظةَ على ما تَقتَضيه، وصَدَّقَ بمعانيها. وقيل: معناه: العَمَلُ بها والطَّاعةُ بكُلِّ اسمِها، والإيمانُ بها لا يقتَضي عَمَلًا. وقال بَعضُهم: المرادُ: حِفْظُ القُرآنِ وتِلاوتُه كُلِّه؛ لأنَّه مُستَوفٍ لها. وهو ضعيفٌ، والصَّحيحُ الأوَّلُ) 985.

وقال ابنُ عُثَيمين: (إحصاءُ أسْماءِ اللهِ معناه:

1- الإحاطةُ بها لفظًا ومعنًى.

2- دُعاءُ اللهِ بها؛ لِقَولِه تعالى: فَادْعُوهُ بِهَا، وذلك بأن تجعَلَها وَسيلةً لك عند الدُّعاءِ، فتَقولَ: يا ذا الجَلالِ والإكرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، وما أشبَهَ ذلك.

3- أن تتعبَّدَ لله بمُقتَضاها، فإذا عَلِمْتَ أنَّه رحيمٌ، تتعَرَّضُ لرَحمتِه، وإذا عَلِمتَ أنَّه غفورٌ، تتعَرَّضُ لمغفرتِه، وإذا عَلِمتَ أنَّه سميعٌ، اتَّقَيتَ القَولَ الذي يُغضِبُه، وإذا عَلِمتَ أنَّه بصيرٌ، اجتَنبْتَ الفِعلَ الذي لا يرضاهـ) 986.