الأصلُ في هذا قَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّنْ دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 8] .

وعن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قالت: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ إذْ عَاهَدَهم، فَاستَفْتَيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهي رَاغِبَةٌ، أفأَصِلُ أُمِّي؟ قال: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ 934.

قال ابنُ جريرٍ: (أَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قَولُ من قال: عُنِيَ بذلك: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة: 8] من جميعِ أصنافِ المِلَل ِوالأديانِ: أن تَبَرُّوهم وتَصِلوهم، وتُقْسِطوا إليهم. إنَّ الله عزَّ وجَلَّ عَمَّ بقَولِه: الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ جميعَ من كان ذلك صِفَتَه، فلم يَخصُصْ به بَعضًا دونَ بَعضٍ، ولا معنى لقَولِ من قال: ذلك منسوخٌ؛ لأنَّ بِرَّ المؤمِنِ مِن أهلِ الحَربِ مِمَّن بيْنه وبيْنه قَرابةُ نَسَبٍ، أو مِمَّن لا قرابةَ بينْه وبيْنه ولا نَسَبَ- غيرُ مُحَرَّمٍ، ولا منهيٍّ عنه، إذا لم يكُنْ في ذلك دَلالةٌ له أو لأهل ِالحَربِ على عَورةٍ لأهلِ الإسلامِ، أو تقويةٌ لهم بكُراعٍ أو سِلاحٍ، قد بَيَّن صِحَّةَ ما قُلْنا في ذلك الخَبَرُ الذي ذكَرْناه عن ابنِ الزُّبَيرِ في قِصَّةِ أسماءَ وأُمِّها) 935.

قال ابنُ القَيِّمِ: (الذي يقومُ عليه الدَّليلُ وُجوبُ الإنفاقِ، وإن اختَلَف الدِّينانِ؛ لِقَولِه تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا [العنكبوت: 8] ، وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: 15] ، وليس مِنَ الإحسانِ ولا من المعروفِ تَرْكُ أبيه وأمِّه في غايةِ الضَّرورةِ والفاقةِ، وهو في غايةِ الغِنى، وقد ذَمَّ اللهُ تبارك وتعالى قاطِعِي الرَّحِمِ، وعَظَّمَ قطيعَتَها، وأوجَبَ حَقَّها وإن كانت كافِرةً؛ قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ [النساء: 1] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: 25] ، وفي الحديثِ: لا يَدخُلُ الجنَّةَ قاطِعُ رَحِمٍ 936 ... وصِلةُ الرَّحِمِ واجِبةٌ وإن كانت لكافِرٍ؛ فله دِينُه، وللواصِلِ دينُهـ) 937.

وقال ابنُ حَجَرٍ: (البِرُّ والصِّلةُ والإحسانُ لا يَستلزِمُ التَّحابُبَ والتَّوادُدَ المنهيَّ عنه في قَولِه تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... الآية [المجادلة: 22] ؛ فإنها عامَّةٌ في حَقِّ مَن قاتَلَ، ومَن لم يُقاتِلْ، واللهُ أعلَمُ) 938.

وقال ابنُ باز: (اللهُ سُبحانَه حَرَّم مُوالاةَ الكُفَّارِ ونهى عن اتِّخاذِهم بِطانةً في الآياتِ المحكَماتِ، ولم يَفْصِلْ بيْن أجناسِهم، ولا بيْن مَن قاتَلَنَا ومَن لم يُقاتِلْنا... وإنَّما معنى الآيةِ المذكورةِ عِندَ أهْلِ العِلْمِ: الرُّخصةُ في الإحسانِ إلى الكُفَّارِ، والصَّدقةِ عليهم إذا كانوا مُسالِمينَ لنا بمُوجِبِ عَهدٍ أو أمانٍ أو ذِمَّةٍ) 939.

وقال ابنُ عُثَيمين: (الصَّدَقةُ على غَيرِ المُسلِمينَ جائِزةٌ إذا كانوا ليسُوا حَربًا لنا، في حالِ أمانٍ وهُدْنةٍ ومُعاهَدةٍ ونحوِ ذلك، فلا بأسَ؛ لِقَولِ الله عزَّ وجَلَّ: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 8] ) 940.

وعن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: كانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَمَرِضَ، فأتَاهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعُودُه، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأسِه، فقال له: أسْلِمْ، فَنَظَرَ إلى أبِيهِ وهو عِنْدَه، فقال له: أطِعْ أبا القاسِمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يقولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أنْقَذَه مِنَ النَّارِ 941.

قال ابنُ حَجَرٍ: (قال ابنُ بطَّالٍ: إنَّما تُشرَعُ عِيادتُه إذا رُجِيَ أن يُجيبَ إلى الدُّخولِ في الإسلامِ، فأمَّا إذا لم يطمَعْ في ذلك فلا. انتهى. والذي يَظهَرُ أنَّ ذلك يختَلِفُ باختِلافِ المقاصِدِ، فقد يقَعُ بعيادتِه مَصلحةٌ أُخرى) 942.

وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ على رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَقالوا: السَّامُ عَيكم، قالت عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُها، فَقُلتُ: وعليكم السَّامُ واللَّعْنةُ، فقال رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَهْلًا يا عَائِشةُ، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأمْرِ كُلِّه فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أوَلم تَسْمَعْ ما قالوا؟! قال رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قد قُلتُ: وعليكم 943. وفي روايةٍ: (فَفَطِنَتْ بهم عائِشةُ فَسَبَّتْهم، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَهْ يا عَائِشَةُ، فإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ والتَّفَحُّشَ فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ: وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة: 8] إلى آخِرِ الآيةِ( 944.

والتَّعامُلُ مع الكُفَّارِ بالبَيعِ والشِّراءِ والهَدِيَّةِ ونحوِ ذلك لا يَدخُلُ في مُسَمَّى الموالاةِ، بل يُباحُ للمُسلِمِ البَيعُ والشِّراءُ مع الكُفَّارِ، ودليلُ ذلك حديثُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: كُنَّا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ 945 طَوِيلٌ بغَنَمٍ يَسُوقُها، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَيْعًا أمْ عَطِيَّةً؟ -أوْ قالَ:- أمْ هِبَةً؟ ، قال: لَا، بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى منه شَاةً 946.

قال ابنُ بَطَّالٍ: (الشِّراءُ والبَيعُ مِنَ الكُفَّارِ كُلِّهم جائِزٌ، إلَّا أنَّ أهلَ الحَربِ لا يبُاعُ منهم ما يَستعينونَ به على إهلاكِ المُسلِمينَ مِن العِدَّةِ والسِّلاحِ، ولا ما يَقْوَونَ به عليهم) 947.

وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: (اشترى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من يَهوديٍّ طَعامًا، ورَهَنه دِرْعَه ) 948.

قال ابنُ القَيِّمِ: (فيه دليلٌ على جوازِ مُعامَلتِهم) 949.

وقال ابنُ تَيميَّةَ: (أمَّا مُعاملةُ التَّتَرِ فيجوزُ فيها ما يجوزُ في مُعامَلةِ أمثالِهم، ويَحرُمُ فيها ما يَحرُمُ في مُعامَلةِ أمثالِهم، فيجوزُ أن يَبتاعَ الرَّجُلُ مِن مَواشيهم وخَيْلِهم ونَحوِ ذلك، كما يبتاعُ مِن مَواشي الأعرابِ والتُّركماِن والأكرادِ وخَيْلِهم، ويجوزُ أن يبيعَهم مِن الطَّعامِ والثِّيابِ ونحوِ ذلك ما يَبيعُه لأمثالِهم، فأمَّا إن باعهم أو باع غَيرَهم ما يُعِينُهم به على المحَرَّماتِ، كبَيعِ الخَيلِ والسِّلاحِ لِمن يُقاتِلُ به قِتالًا مُحَرَّمًا، فهذا لا يجوزُ... وإذا عَلِمَ أنَّ في أموالِهم شَيئًا مُحَرَّمًا لا تُعرَفُ عَينُه، فهذا لا تَحرُمُ مُعاملتُهم فيه، كما إذا عَلِمَ أنَّ في الأسواقِ ما هو مَغصوبٌ أو مَسروقٌ، ولم يَعلَمْ عَينَهـ) 950.

وقال ابنُ تَيميَّةَ أيضًا: (إنَّ الرَّجُلَ لو سافَرَ إلى دارِ الحَربِ لِيَشتريَ منها، جاز عندنا، كما دَلَّ عليه حديثُ تجارةِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه في حياةِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أرضِ الشَّامِ، وهي دارُ حَربٍ، وحَديثُ عُمَرَ رَضِي اللهُ عنه وأحاديثُ أُخَرُ بَسَطْتُ القَولَ فيها في غيرِ هذا الموضِعِ، مع أنَّه لا بُدَّ أن تَشتَمِلَ أسواقُهم على بَيعِ ما يُستعانُ به على المعصيةِ، فأمَّا بيعُ المُسلِمينَ لهم في أعيادِهم ما يَستعينونَ به على عِيدِهم؛ مِنَ الطَّعامِ واللِّباسِ، والرَّيحانِ ونحوِ ذلك، أو إهداءُ ذلك لهم- فهذا فيه نوعُ إعانةٍ على إقامةِ عِيدِهم المحَرَّمِ، وهو مبنيٌّ على أصلٍ، وهو: أنَّ بَيعَ الكُفَّارِ عِنبًا أو عَصيرًا يتَّخِذونَه خَمرًا: لا يجوزُ، وكذلك لا يجوزُ بيعُهم سِلاحًا يُقاتِلونَ به مُسلِمًا) 951.

وقال ابنُ باز: (الوَلاءُ والبَراءُ مَعناه مَحَبَّةُ المؤمِنينَ ومُوالاتُهم، وبُغضُ الكافِرينَ ومُعاداتُهم، والبَراءةُ منهم ومِن دينِهم، هذا هو الوَلاءُ والبَراءُ، كما قال اللهُ سُبحانَه في سورةِ المُمتحَنةِ: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ الآية [الممتحنة: 4] ، وليس معنى بُغْضِهم وعَداوتِهم أن تَظلِمَهم أو تتعَدَّى عليهم إذا لم يكونوا مُحارِبينَ، وإنَّما معناه: أن تُبغِضَهم في قَلْبِك، وتُعاديَهم بقَلْبِك، ولا يكونوا أصحابًا لك، لكِنْ لا تُؤذِهم، ولا تَضُرَّهم، ولا تَظْلِمْهم، فإذا سَلَّموا تَرُدُّ عليهم السَّلامَ، وتنصَحُهم، وتوَجِّهُهم إلى الخيرِ، كما قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ الآية [العنكبوت: 46] ، وأهلُ الكِتابِ هم اليَهودُ والنَّصارى، وهكذا غَيرُهم مِنَ الكُفَّارِ الذين لهم أمانٌ أو عَهدٌ أو ذِمَّةٌ، لكِنْ مَن ظَلَم منهم يُجازى على ظُلْمِه، وإلَّا فالمشروعُ للمؤمِنِ الجِدالُ بالتي هي أحسَنُ مع المُسلِمينَ والكُفَّارِ، مع بُغْضِهم في اللهِ) 952.