يُوصَفُ اللهُ عزَّ وجلَّ بالصَّبرِ، كما هو ثابتٌ في السُّنَّةِ الصَّحيحةِ، أمَّا (الصَّبورُ) ففي إثباتِ أنَّه اسمٌ للهِ تعالى نَظَرٌ 2362.

الدَّليلُ:

حديثُ أبي موسى رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ما أَحدٌ أصبَرَ على أذًى سَمِعَه من اللهِ؛ يَدَّعون له الولدَ، ثم يُعافيهم ويَرزُقُهم! 2363.

قال الزَّجَّاجُ: (الصَّبُورُ: فَعولٌ في معنى فاعِلٍ، وأصلُ الصَّبرِ في الكلامِ: الحَبسُ، يقالُ: صَبَرْتُه على كذا صَبرًا: إذا حبَسْتَه، ومعنى الصَّبرِ والصَّبورِ في اسمِ اللهِ تعالى قريبٌ مِن معنى الحَليمِ) 2364.

وقال الخطَّابيُّ: (معنى الصَّبُورِ في صِفةِ اللهِ سُبحانَه قريبٌ من معنى الحَليمِ، إِلَّا أنَّ الفرقَ بيْن الأمرينِ أنَّهم لا يَأمَنونَ العُقوبةَ في صِفةِ الصَّبورِ، كما يَسْلَمُون منها في صِفةِ الحليمِ. واللهُ أعلمُ بالصَّوابِ) 2365.

وقال أبو القاسِمِ الأصبهانيُّ: (قال بعضُ أهلِ النَّظرِ: لا يُوصَفُ اللهُ بالصَّبرِ، ولا يُقالُ: صَبورٌ، وقال: الصَّبر تَحمُّلُ الشَّيءِ. ولا وجهَ لإنكارِ هذا الاسمِ؛ لأنَّ الحديثَ قد ورد به، ولولا التَّوقيفُ لم نَقُلْهـ) 2366.

وقال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه في الحديثِ: أصبَرُ أفعَلُ تفضيلٍ مِنَ الصَّبرِ، ومِن أسمائِه الحُسنى سُبحانَه وتعالى الصَّبورُ، ومعناه: الذي لا يُعاجِلُ العُصاةَ بالعُقوبةِ، وهو قريبٌ مِن معنى الحليمِ، والحليمُ أبلَغُ في السَّلامةِ مِنَ العُقوبةِ) 2367.

قال ابنُ القَيِّم: (صَبْرُه تعالى يفارِقُ صَبْرَ المَخلوقِ ولا يُماثِلُه؛ من وجوهٍ متعدِّدةٍ،… والفرقُ بيْن الصَّبرِ والحِلمِ: أنَّ الصَّبرَ ثمرةُ الحِلمِ ومُوجِبُه، فعلى قَدْرِ حِلْمِ العبدِ يكونُ صبرُه، فالحلمُ في صِفاتِ الرَّبِّ تعالى أوسَعُ من الصَّبرِ… وكونُه حليمًا من لوازمِ ذاتِه سُبحانَه، وأمَّا صَبرُه سُبحانَه فمتعلِّقٌ بكُفرِ العباد وشِرْكهم ومَسَبَّتِهِم له سُبحانَه، وأنواعِ معاصيهم وفُجورِهم) 2368.

وقال الغُنيمان-تعليقًا على كلام المازريِّ الذي نقَلَه النوويُّ في شرْح حديثِ أبي موسى رَضِيَ اللهُ عنه؛ حيث قال المازريُّ: (حقيقةُ الصَّبرِ: منْعُ النَّفْسِ من الانتقامِ أو غيرِه؛ فالصَّبْرُ نتيجةُ الامتِناعِ، فأَطلَقَ اسمَ الصَّبْرِ على الامتناعِ في حقِّ اللهِ تعالى)- قال الغنيمانُ: (قلتُ: قَولُه: «فأطلق اسمَ الصَّبْرِ على الامتناعِ في حقِّ اللهِ تعالى» فيه نظرٌ؛ وذلك أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أطلَقَ على ربِّه الصَّبْرَ، وأنَّه ما أحدٌ أصبرَ منه، وهو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعلمُ الخلقِ باللهِ تعالى، وأخشاهم له، وأَقدَرُهم على البيانِ عن الحقِّ، وأنصحُهم للخَلقِ؛ فلا استدراكَ عليه؛ فيجب أنَّ يبقَى ما أطلَقَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على اللهِ تعالى بدونِ تأويلٍ، إِلَّا إذا كان يُريدُ بذلك تفسيرَ معنى الصَّبْرِ، ولكنَّ الأَوْلَى أنْ يبقى كما قال؛ لأنَّه واضِحٌ، ليس بحاجةٍ إلى تفسيرٍ) 2369.