يوصَفُ اللهُ عزَّ وجلَّ بأنَّه الحَسِيبُ والحاسِبُ، والحَسيبُ: اسمٌ له ثابتٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [النساء: 86] .
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا يعني بذلك جَلَّ ثناؤُه: إنَّ اللهَ كان على كُلِّ شَيءٍ ممَّا تَعمَلونَ -أيُّها النَّاسُ- مِن الأعمالِ مِن طاعةٍ ومعصيةٍ، حفيظًا عليكم؛ حتى يجازيَكم بها جزاءَهـ) 1918.
وقال الزَّجَّاجُ: (قَولُه جَلَّ وعَزَّ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا أي: يُعطي كُلَّ شَيءٍ من العِلمِ والحِفظِ والجزاءِ مِقدارَ ما يَحسِبُه، أي: يَكْفيه، تقول: حَسْبُك بهذا، أي: اكتَفِ بهذا. وقَولُه تعالى: عَطَاءً حِسَابًا [النباء: 36] أي: كافِيًا، وإنَّما سُمِّيَ الحِسابُ في المعاملاتِ حِسابًا؛ لأنَّه يُعلَمُ ما فيه كفايةٌ، ليس فيها زيادةٌ على المقدارِ ولا نُقصانٌ) 1919.
وقال ابنُ الأنباريِّ: (مِنَ الحَسيبِ قَولُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا قال أبو بكرٍ: فيه أربعةُ أقوالٍ: يُقالُ: عالِمًا، ويقالُ: مُقتَدِرًا، ويقالُ: كافيًا، ويقال: مُحاسِبًا. قال أبو بكرٍ: سَمِعتُ أبا العبَّاسِ أحمدَ بن يحيى يَقولُ في قَولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 64] يجوزُ في (مَن) الرَّفعُ والنَّصبُ، فالرَّفعُ على النَّسَقِ على اللَّهُ، والنَّصبُ على معنى: يكفيك اللهُ ويكفي مَنِ اتَّبَعَك من المؤمِنينَ) 1920.
2- قَولُه: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [النساء: 6، والأحزاب: 39].
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا يَقولُ تعالى ذِكْرُه: وكفاكَ -يا محمَّدُ- باللهِ حافِظًا لأعمالِ خَلْقِه، ومحاسِبًا لهم عليها) 1921.
وقال الأزهريُّ: (قال أبو إسحاقَ النَّحْويُّ في قَولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [النساء: 6] يكونُ بمعنى محاسِبًا، ويكونُ بمعنى كافيًا، أي: يُعطي كُلَّ شَيءٍ من العِلمِ والحِفظِ والجزاءِ مِقدارَ ما يَحسِبُه، أي: يَكْفيه، تقولُ: حَسْبُك هذا، أي: اكتَفِ بهذا) 1922.
3- قَولُه: وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: 47] .
قال السَّمعانيُّ: (قَولُه: وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ أي: مُحاسِبينَ، وقيل: حافِظينَ عالِمينَ. وقيل: مُحصِينَ) 1923.
وقال البَغَويُّ: (وكفى بنا حاسِبينَ. قال السُّدِّيُّ: مُحصِينَ، والحَسْبُ معناه: العَدُّ. وقال ابنُ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: عالِمينَ حافِظينَ؛ لأنَّ مَن حَسَب شيئًا عَلِمَه وحَفِظَهـ) 1924.
وقال الشَّوكانيُّ: (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ أي: كفى بنا مُحصِينَ، والحَسْبُ في الأصلِ معناه العَدُّ، وقيل: كفى بنا عالِمينَ؛ لأنَّ مَن حَسَب شيئًا عَلِمَه وحَفِظَه. وقيل: كفى بنا مجازِينَ على ما قَدَّموه مِن خيرٍ وشَرٍّ) 1925.
وقال السَّعْديُّ: (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ يعني بذلك نَفْسَه الكريمةَ، فكفى به حاسِبًا، أي: عالِمًا بأعمالِ العِبادِ، حافِظًا لها، مُثبتًا لها في الكِتابِ، عالِمًا بمقاديرِها ومقاديرِ ثوابِها وعقابِها واستِحقاقِها، مُوصِلًا للعُمَّالِ جَزاءَها) 1926.
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
1- حديثُ أبي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ... إن كان أحَدُكم مادحًا لا محالةَ، فليقُلْ: أحسَبُ كذا وكذا -إن كان يرى أنَّه كذلك- وحَسِيبُه اللهُ، ولا يُزكَّى على اللهِ أحَدٌ
1927.
2- قولُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه: (... فمَن أظهَرَ لنا خيرًا أمَّنَّاه وقرَّبْناه، وليس لنا مِن سريرتِه شيءٌ، اللهُ يُحاسِبُه في سَريرتِه...) 1928.
ومعنى الحَسِيب: الحفيظُ، والكافي، والشَّهيدُ، والمُحاسِبُ 1929.
ومعنى الحاسِبِ: المُحصي، والعالِمُ، والمجازي النَّاسَ على أعمالِهم، والحافِظُ لها 1930.
وممَّن أثبتَ اسمَ (الحَسِيب) للهِ تعالى: الخَطَّابيُّ 1931 ، وابنُ مَنْدَه 1932 ، والبيهقيُّ 1933 ، وابنُ العربيِّ 1934 ، وابنُ القيِّم 1935 ، وابنُ حَجَرٍ 1936 ، والسَّعْديُّ 1937 ، وابنُ عُثَيمين 1938.