مِن الصِّفاتِ الفِعليَّةِ الثَّابتةِ للهِ عزَّ وجلَّ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قولُه تعالى: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: 8] .
قال ابنُ جريرٍ: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: 8] : يعني: أنَّهم يَقولُون رغبةً منهم إلى رَبِّهم في أن يَصرِفَ عنهم ما ابتَلى به الذين زاغت قلوبُهم من اتِّباعِ مُتشابِهِ آيِ القُرآنِ؛ ابتغاءَ الفِتنةِ، وابتغاءَ تأويلِه الذي لا يَعلَمُه غيرُ الله: يا رَبَّنا لا تجعَلْنا مِثلَ هؤلاء الذين زاغت قُلوبُهم عن الحَقِّ، فصَدُّوا عن سَبيلِك، لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا لا تُمِلْها فتَصرِفَها عن هُداك) 1539.
وقال البَغَويُّ: (قَولُه تعالى: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا، أي: ويَقولُ الرَّاسِخونَ في العِلمِ: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلوبَنا، أي: لا تُمِلْها عن الحَقِّ والهدى كما أزَغْتَ قلُوبَ الذين في قُلوبِهم زَيغٌ، فضَلُّوا وأضَلُّوا) 1540.
2- قَولُه: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5] .
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ يَقولُ: فلمَّا عَدَلوا وجاروا عن قَصْدِ السَّبيلِ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ يَقولُ: أمال اللهُ قُلوبَهم عنهـ) 1541.
وقال السَّعْديُّ: (في قَولِه عن المنافقينَ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة: 10] بيانٌ لحِكمتِه تعالى في تقديرِ المعاصي على العاصينَ، وأنَّه بسَبَبِ ذُنوبِهم السَّابقةِ يبتليهم بالمعاصي اللَّاحِقةِ المُوجِبةِ لعُقوباتِها، كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: 110] ، وقال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5] ، وقال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: 125] فعقوبةُ المعصيةِ المعصيةُ بَعْدَها، كما أنَّ مِن ثوابِ الحَسَنةِ الحَسَنةَ بَعْدَها؛ قال تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم: 76] ) 1542.
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
عن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه
وكان رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك
1543.
قال ابنُ منظورٍ: (الزَّيْغُ: المَيْلُ، زاغَ يَزِيغُ زَيْغًا وزَيَغانًا وزُيُوغًا وزَيْغُوغةً، وأَزَغْتُه أَنا إِزَاغَةً) 1544.
فالزَّيغُ: المَيلُ عنِ الحقِّ.
وقال أبو هِلالٍ العَسكريُّ: (الفَرقُ بيْن الزَّيغِ والمَيلِ: أنَّ الزَّيغَ مُطلَقًا لا يكونُ إلَّا المَيلَ عنِ الحقِّ، يُقالُ: فلانٌ مِن أهلِ الزَّيغِ، ويُقالُ أيضًا: زاغَ عنِ الحقِّ، ولا أعرِفُ زاغَ عنِ الباطلِ) 1545.
والإزاغةُ: مصدرُ أزاغَ، وأزاغَه: أي: أمالَه.
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5] يَقولُ: فلمَّا عدَلوا وجارُوا عن قصدِ السَّبيلِ أزاغَ اللهُ قلوبَهم، يَقولُ: أمالَ اللهُ قلوبَهم عنهـ) 1546.
فالزَّيغُ مِن العبدِ، والإزاغةُ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ.