قال اللهُ تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: 73] .

قال ابنُ كَثيرٍ: (حَتَّى إذا جَاءَوهَا أي: وصَلُوا إلى أبواب الجَنةِ بَعدَ مُجاوزةِ الصِّراطِ حُبِسُوا على قَنطَرةٍ بينَ الجَنةِ والنَّارِ، فاقتَصَّ لَهم مَظالِم كانَت بينَهم في الدُّنيا، حَتَّى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِنَ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ، وقَد ورَدَ في حَديثِ الصُّورِ أنَّ المُؤمِنينَ إذا انتَهَوا إلى أبوابِ الجَنةِ تَشاوَرُوا فيمَن يَستَأذِنُ لَهم بالدُّخُولِ، فيَقصِدُونَ آدَمَ ثُمَّ نُوحًا ثُمَّ إبراهيمَ، ثُمَّ مُوسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ مُحَمَّدًا، صَلَواتُ الله وسَلامُه عليهم أجمَعينَ، كَما فعَلُوا في العَرَصاتِ عِندَ استِشَفاعِهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أن يَأتيَ لِفَصلِ القَضاءِ؛ ليَظهَرَ شَرفُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على سائِرِ البَشَرِ في المَواطِنِ كُلِّها 4293 4294.

وقال ابنُ عُثيمين في قَولِ اللهِ تعالى: وَفُتِحَتْ: (قيلَ: الواوُ: حَرفُ عَطفٍ، والجَوابُ مَحذُوفٌ مُقَدَّرٌ قَبلَها، والتَّقديرُ: حَتَّى إذا جاؤُوها هُذِّبُوا ونُقُّوا وفُتِحَت أبوابُها، وهذا القَولُ أصَحُّ الأقوالِ أنَّ الواو لِلعَطفِ وليسَت لِلحالِ، وأنَّ الجَوابَ مَحذُوفٌ مُقَدَّرٌ قَبلَ الواو. وهذا القَولُ هو الرَّاجِحُ لِدَلالةِ الأحاديثِ عليه؛ فإنَّه قَد ورَدَ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ أنَّهم إذا عَبَرُوا الجِسرَ -الصِّراطَ المَمدُودَ على جَهَنَّم- وقَفُوا على قَنطَرةٍ بينَ الجَنةِ والنَّارِ، فيُقتَصُّ لِبَعضِهم مِن بَعضٍ، حَتَّى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِنَ لَهم في دُخُولِ الجَنةِ، ثُمَّ إنَّهم أيضًا إذا وصَلُوا الجَنَّةَ لا يَجِدُونَ أبوابَها مَفتُوحةً بَل يَجِدُونَها مُغلَقةً حَتَّى يَشفَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَفتَحَ اللهُ تعالى أبوابَها، هذا القَولُ هو الرَّاجِحُ المُتَعيَّنُ بدَلالةِ السُّنَّةِ عليهـ) 4295.

عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: يَخلُصُ المُؤمِنونَ من النَّارِ، فيُحبَسونَ على قَنطَرةٍ بينَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فيُقَصُّ لبَعضِه من بَعضٍ مَظالِمُ كانت بينَهم في الدُّنيا حَتَّى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دُخولِ الجَنةِ، فوالذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِه لأَحَدُهم أهَدى بمَنزِلِه في الجَنَّةِ منه بمَنزِلِه كان في الدُّنيا 4296

قال ابنُ عُثيمين: (إذا عَبَروا على الصِّراطِ وُقِفوا على قَنطَرةٍ بينَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فيُقتَصُّ من بَعضِهم لبَعضٍ، وهذا القِصاصُ غَيرُ القِصاصِ الذي يَكونُ في عَرَصاتِ يَومِ القيامةِ، هذا القِصاصُ -والله أعلَمُ- يُرادُ به أن تَتَخَلَّى القُلوبُ من الأضغانِ والأحقادِ والغِلِّ، حَتَّى يَدخُلوا الجَنةَ وهم على أكملِ حالٍ، وذلك أنَّ الإنسانَ وإنِ اقتُصَّ له مِمَّنِ اعتَدى عليه فلا بُدَّ أن يَبقى في قَلبَه شَيءٌ من الغِلِّ والحِقدِ على الذي اعتَدى عليه، ولَكِنَّ أهلَ الجَنةِ لا يَدخُلونَ الجَنةَ حَتَّى يُقتَصَّ لهمُ اقتِصاصًا كامِلًا، فيَدخُلونَها على أحسَنِ وجهٍ، فإذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دُخولِ الجَنَّةِ) 4297.