أخبَرَ اللهُ تعالى بأنَّ أهلَ النَّارِ خالِدُونَ فيها خُلُودًا مُؤَبَّدًا.
قال اللهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: 168-169] .
وقال اللهُ سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: 64] .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: 23] .
قال ابنُ كَثيرٍ عَنِ الآياتِ السَّابقةِ: (هذه ثَلاثُ آياتٍ، فيهنُّ الحُكمُ عليهم بالخُلُودِ في النَّارِ أبَدًا، ليسَ لَهنَّ رابعةٌ مِثلُهنَّ في ذَلِكَ) 5261.
وقال ابنُ عُثيمين: (إنَّ النَّارَ مُؤَبَّدةٌ دائِمًا وأبَدًا؛ لِقَولِ اللهِ تباركَ وتعالى في آياتٍ ثَلاثٍ في كِتابِه: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النِّساءُ: 169] ، فقال جَلَّ وعلا في سُورةِ النِّساءِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَم يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النِّساءُ: 168- 169] ، وتَأبيدُ الخالِدِ يَدُلُّ على تَأبيدِ مَكانِ الخُلُودِ ضَرُورةً، وإلَّا فكيفَ يَكُونُ خالِدًا في غيرِ مَحَلٍّ؟! هذا مُستَحيلٌ، وقال تعالى في سُورةِ الأحزابِ: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: 64] وقال في سُورةِ الجِنِّ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: 23] ) 5262.
وقد وصفَهم اللهُ تعالى بعدَمِ الخُروجِ مِنَ النَّارِ
قال اللهُ سُبحانَه: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: 167] .
قال ابنُ جَريرٍ: (يَعني تعالى ذِكرُه بذَلِكَ: وما هَؤُلاءِ الَّذينَ وصَفْتُهم مِنَ الكُفَّارِ وإن نَدِمُوا بَعدَ مُعايَنَتِهم ما عايَنُوا مِن عَذابِ اللهِ، فاشتَدَّتْ نَدامَتُهم على ما سَلَفَ مِنهم مِن أعمالِهمُ الخَبيثةِ، وتَمَنَّوا إلى الدُّنيا كَرَّةً ليُنيبُوا فيها، ويَتَبَرَّؤوا مِن مُضِلِّيهم وسادَتِهمُ الَّذينَ كانُوا يُطيعُونَهم في مَعصيةِ الله فيها، بخارِجينَ مِنَ النَّارِ الَّتي أصلاهمُوها اللهُ بكُفْرِهم به في الدُّنيا، ولا نَدَمُهم فيها بمُنجِيهم مِن عَذابِ اللهِ حينَئِذٍ، ولَكِنَّهم فيها مُخلَّدُونَ. وفي هذه الآيةِ الدَّلالةُ على تَكذيبِ اللهِ الزَّاعِمينَ أنَّ عَذابَ اللهِ أهلَ النَّارِ مِن أهلِ الكُفرِ مُنقَضٍ، وأنَّه إلى نِهايةٍ، ثُمَّ هو بَعدَ ذَلِكَ فانٍ؛ لِأنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه أخبَر عَن هَؤُلاءِ الَّذينَ وصَفَ صِفَتَهم في هذه الآيةِ، ثُمَّ خَتَم الخَبَرَ عَنهم أنَّهم غيرُ خارِجينَ مِنَ النَّارِ بغيرِ استِثناءٍ مِنه وقتًا دُونَ وقتٍ، فذَلِكَ إلى غيرِ حَدٍّ ولا نِهايةٍ) 5263.
ومِن أقوالِ أهلِ العِلمِ في مَسألةِ بَقاءِ الجَنَّةِ والنَّارِ دُونَ فَناءٍ وأنَّ أهلَها الَّذينَ هم أهلُها مُخَلَّدُونَ فيها بلا انقِطاعٍ:
1- قال أبُو حاتِمٍ وأبُو زُرعةَ الرَّازيَّان: (أدرَكْنا العُلَماءَ في جَميعِ الأمصارِ -حِجازًا وعِراقًا وشامًا ويَمَنًا- فكانَ مِن مَذْهَبِهم... الجَنَّةُ حَقٌّ والنَّارُ حَقٌّ، وهما مَخلُوقانِ لا يَفنيانِ أبَدًا) 5264.
2- قال حَربُ بنُ إسماعيلَ الكرمانيُّ: (قَد خُلِقَتِ الجَنَّةُ وما فيها، وخُلِقَتِ النَّارُ وما فيها، خَلقَهما اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ خَلقَ الخَلقَ لَهما، لا يَفنيانِ ولا يَفنى ما فيهما أبَدًا. فإنِ احتَجَّ مُبتَدِعٌ أو زِنْديقٌ بقَولِ اللهِ تباركَ وتعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88] ، وبنَحوِ هذا مِن مُتَشابِهِ القُرآنِ، فقُلْ لَه: كُلُّ شيءٍ مِمَّا كَتَبَ اللهُ عليه الفَناءَ والهلاكَ هالِكٌ، والجَنَّةُ والنَّارُ خُلِقَتا لِلبَقاءِ لا لِلفَناءِ ولا لِلهَلاكِ، وهما مِنَ الآخِرةِ لا مِنَ الدُّنيا) 5265.
3- قال الطَّحاويُّ: (الجَنَّةُ والنَّارُ مَخلُوقَتانِ لا تَفنيانِ أبَدًا ولا تَبيدانِ) 5266.
4- قال البَربَهاريُّ: (الإيمانُ بأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ والنَّارَ حَقٌّ، والجَنَّةَ والنَّارَ مَخلُوقَتانِ... قَد عَلِمَ اللهُ عَدَدَ أهلِ الجَنَّةِ ومَن يَدخُلُها، وعَدَدَ أهلِ النَّارِ ومَن يَدخُلُها، لا تَفنيانِ أبَدًا، هما مَعَ بَقاءِ اللهِ تباركَ وتعالى أبَدَ الآبدينَ، في دَهرِ الدَّاهِرينَ) 5267.
5- قال الآجُريُّ: (الإيمانُ والتَّصديقُ بأنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مَخلُوقَتانِ وأنَّ نَعيمَ الجَنَّةِ لا يَنقَطِعُ عَن أهلِها أبَدًا، وأنَّ عَذابَ النَّارِ لا يَنقَطِعُ عَن أهلِها أبَدًا) 5268.
6- قال ابنُ بَطَّةَ العُكْبَريُّ: (نَحنُ الآنَ ذاكِرُونَ شَرْحَ السُّنَّةِ ووَصْفَها وما هي في نَفسِها، وما الَّذي إذا تَمَسَّكَ به العَبدُ ودانَ اللهَ به سُمِّيَ بها واستَحَقَّ الدُّخُولَ في جُملةِ أهلِها، وما إنْ خالَفَه أو شيئًا مِنه دَخلَ في جُملةِ مَن عِبْناه وذَكَرْناه، وحَذَّرْنا مِنه مِن أهلِ البِدَعِ والزَّيغِ مِمَّا أجمَعَ على شَرحِنا لَه أهلُ الإسلامِ وسائِرُ الأُمَّةِ مُذ بَعثَ الله نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى وقْتِنا هذا... -فذَكَر جُملةً مِن مُعتَقَدِ أهلِ السُّنَّةِ إلى أنْ قال-.. وأمَّا عَذابُ النَّارِ فدائِمٌ أبَدًا بدَوامِ اللهِ، وأهلُها فيها مُخَلَّدُونَ خالِدُون) 5269.
7- قال ابنُ أبي زمنين: (أهلُ السُّنَّةِ يُؤمِنُونَ بأنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ لا يَفنيانِ، ولا يَمُوتُ أهلُوها... ثُمَّ سَردَ أدِلَّةً قُرآنيَّةً، ثُمَّ قال: ولَو لَم يَذكُرِ اللهُ تباركَ وتعالى الخُلُودَ إلَّا في آيةٍ واحِدةٍ لَكانَت كافيةً لِمَن شَرحَ اللهُ صَدْرَه لِلإسلامِ، ولَكِن رَدَّدَ ذَلِكَ ليَكُونَ لَه الحُجَّةُ البالِغةُ. ثُمَّ أتى بالأدِلَّةِ النَّبَويَّةِ) 5270.
8- قال أبُو عُثمانَ الصَّابُونيُّ: (يَشهَدُ أهلُ السُّنَّةِ أنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مَخلُوقَتانِ وأنَّهما باقيَتانِ لا يَفنيانِ أبَدًا، وأنَّ أهلَ الجَنةِ لا يَخرُجُونَ مِنها أبَدًا، وكَذَلِكَ أهلُ النَّارِ الَّذينَ هم أهلُها خُلِقُوا لَها، لا يَخرُجُونَ مِنها أبَدًا، وأنَّ المُناديَ يُنادي يَوْمَئِذٍ: يا أهلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ ولا مَوتَ، ويا أهلَ النَّارِ خُلُودٌ ولا مَوتَ
5271 على ما ورَدَ به الخَبَرُ الصَّحيحُ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) 5272.
9- قال أبُو الحَسَنِ الأشعَريُّ: (قال أهلُ الإسلامِ جَميعًا: ليسَ لِلجَنَّةِ والنَّارِ آخِرٌ، وأنَّهما لا تَزالانِ باقيَتينِ، وكَذَلِكَ أهلُ الجَنةِ لا يَزالُونَ في الجَنةِ يَتَنَعَّمُونَ، وأهلُ النَّارِ لا يَزالُونَ في النَّارِ يُعَذَّبُونَ، وليسَ لِذَلِكَ آخِرٌ) 5273.
10- قال ابنُ حَزْمٍ: (اتَّفَقُوا... أنَّ النَّارَ حَقٌّ، وأنَّها دارٌ عَذابٍ أبَدًا لا تَفنى ولا يَفنى أهلُها أبَدًا بلا نِهايةٍ) 5274.
وقال أيضًا: (الجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، داران مَخلُوقَتانِ... مُخَلَّدَتانِ هما ومَن فيهما بلا نِهايةٍ... كُلُّ هذا إجماعٌ مِن جَميعِ أهلِ الإسلامِ، ومَن خَرجَ عَنه خَرجَ عَنِ الإسلامِ) 5275.
وقال أيضًا: (لا تَفنى الجَنَّةُ ولا النَّارُ ولا أحَدٌ مِمَّن فيهما أبَدًا. بُرهانُ ذَلِكَ: قَولُ الله عَزَّ وجَلَّ مُخبِرًا عَن كُلِّ واحِدةٍ مِن هاتينِ الدَّارينِ ومَن فيهما: «خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا») 5276.
11- قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (قال أهلُ السُّنَّةِ: إنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مَخلُوقَتانِ، وأنَّهما لا تبيدانِ) 5277.
12- قال أبُو القاسِمِ الأصبهانيُّ: (أهلُ السُّنَّةِ يَعتَقِدُونَ أنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ خُلِقَتا لِلبَقاءِ ولا يَفنيانِ أبَدًا) 5278.
13- قال نَجمُ الدِّينِ النَّسَفيُّ السَّمَرقَنديُّ: (الجَنَّةُ حَقٌّ والنَّارُ حَقٌّ، وهما مَخلُوقَتانِ الآنَ مَوجُودَتانِ باقيَتانِ، لا تَفنيانِ، ولا يَفنى أهلُهما) 5279.
14- قال القُرطُبيُّ: (مَن قال: إنَّهم يَخرُجُونَ مِنها، وأنَّ النَّارَ تَبقى خاليةً بجُملَتِها خاويةً على عُرُوشِها، وإنَّها تَفنى وتَزُولُ؛ فهو خارِجٌ عَن مُقتَضى المَعقُولِ، ومُخالِفٌ لِما جاءَ به الرَّسولُ، وما أجمَعَ عليه أهلُ السُّنَّةِ والأئِمَّةُ العُدولُ) 5280.
وقال أيضًا: (أجمَعُ عُلَماءُ أهلِ السُّنَّةِ على أنَّ أهلَ النَّارِ مُخَلَّدُونَ فيها غيرُ خارِجينَ مِنها؛ كَإبليسَ وفِرْعَونَ، وهامانَ، وقارُونَ، وكُلُّ مَن كَفرَ وتَكبَّرَ، وطَغى وتَجبَّرَ، فإنَّ لَه نارَ جَهَنَّم لا يَمُوتُ فيها ولا يَحيا، وقَد وعَدَهمُ اللهُ عَذابًا أليمًا، فقال عَزَّ وجَلَّ: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ وأجمَعَ أهلُ السُّنَّةِ أيضًا على أنَّه لا يَبقى فيها مُؤمِنٌ، ولا يُخلَّدُ فيها إلَّا كافِرٌ جاحِدٌ) 5281.
15- قال البيضاويُّ في قَولِ اللهِ تعالى عَن أهلِ النَّارِ: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ: (ليسَ لِارتِباطِ دَوامِهم في النَّارِ بدَوامِهما؛ فإنَّ النُّصُوصَ دالَّةٌ على تَأبيدِ دَوامِهم وانقِطاعِ دَوامِهما، بَلِ التَّعبيرُ عَنِ التَّأبيدِ والمُبالَغةِ بما كانَتِ العَرَبُ يُعَبِّرُونَ به عَنه على سَبيلِ التَّمثيلِ) 5282.
16- قال مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوهَّابِ: (أؤمِنُ بأنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مَخلُوقَتانِ، وأنَّهما اليَومَ مَوجُودَتانِ، وأنَّهما لا يَفنيانِ) 5283.
17- قال ابنُ باز: (ابنُ تيميَّةَ وغيرُه مِنَ السَّلَفِ، كُلُّهم يَقُولُونَ: إنَّ أهلَ الكُفرِ مُخَلَّدُونَ في النَّارِ، وأهلَ الجَنَّةِ مُخَلَّدُونَ في الجَنَّةِ، هذا بإجماعِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ: أنَّ أهلَ الجَنَّةِ مُخَلَّدُونَ أبَدَ الآبادِ، ولا مَوتَ فيها ولا فَناءَ، بَل هي دائِمةٌ وأهلُها دائِمُون، وذَهَبَ بَعضُ السَّلَفِ إلى أنَّ النَّارَ لَها نِهايةٌ، وأنَّها بَعدَ مُضيِّ الأحقابِ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا لَها نِهايةٌ تَفنى، ولَكِنَّه قَولٌ ضَعيفٌ ساقِطٌ مَردُودٌ، والَّذي عليه جُمهورُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أنَّ النَّارَ باقيةٌ ومُستَمِرَّةٌ ولا تَفنى أبَدًا، وأهلُها كَذَلِكَ أهلُها مِنَ الكَفَرةِ، مُعذَّبُونَ فيها دائِمًا، نَسألُ اللهَ العافيةَ، كَما قال اللهُ جَلَّ وعلا في كِتابه العَظيمِ، في سُورةِ البَقرةِ: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ، وقال عَزَّ وجَلَّ: يُريدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ، وقال تعالى: لَاِبِثينَ فِيهَا أَحْقَابًا إلى أنْ قال: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا يَعني أحقابًا، كُلَّما مَضى أحقابٌ جاءَ بَعدَها أحقابٌ، قال تعالى: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا فهي مُستَمِرَّةٌ نَسألُ اللهَ العافيةَ، وأهلُها كَذَلِكَ يُقيمُونَ فيها أبَدًا وهمُ الكُفَّارُ، أمَّا العُصاةُ فلَهم أمَدٌ، عُصاةُ المُوحِّدينَ لَهم أمَدٌ، إذا دَخَلُوها يَخرُجُونَ مِنها بَعدَما يُطَهَّرُونَ، العُصاةَ مِنهم مَن يُعفى عَنه ولا يَدخُلُها، ومِنهم مَن يَدخُلُها وإذا طُهِّرَ أَخرَجَه اللهُ مِنها، وصارَ إلى الجَنَّةِ، ولا يَبقى في النَّارِ ويُخلَّدُ فيها أَبَدَ الآبادِ إلَّا الكُفَّارُ الَّذينَ ماتُوا على الكُفرِ باللهِ، نَسألُ اللهَ العافيةَ) 5284.
وقال أيضًا: (أهلُ النَّارِ يُخَلَّدُونَ فيها أبَدَ الآبادِ، ولا يَخرُجُونَ مِنها، كَما قال عَزَّ وجَلَّ في حَقِّهم: لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ والآياتُ في هذا المَعنى كَثيرةٌ. أمَّا قَولُه عَزَّ وجَلَّ في حَقِّهم: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ فقيلَ: إنَّ المُرادَ بذَلِكَ مُقامُهم في القُبُورِ، وقيلَ: مُقامُهم في المَوقِفِ، وهم بَعدَ ذَلِكَ يُساقُونَ إلى النَّارِ ويُخلَّدُونَ فيها أبَدَ الآبادِ، كَما قال تعالى في حَقِّهم في سُورةِ البَقرةِ: كَذَلِكَ يُريهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ، وقال سُبحانَه في سُورةِ المائِدةِ: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) 5285.
18- قال الألبانيُّ: (اعلَمْ أنَّ النَّارَ في الآخِرةِ نارانِ: نارٌ تَفنى، ونارٌ تَبقى أبَدًا لا تَفنى؛ فالأُولى هي نارُ العُصاةِ المُذنِبينَ مِنَ المُسلِمينَ، والأُخرى نارُ الكُفَّارِ والمُشرِكينَ، هذا خُلاصةُ ما حَرَّرُه ابنُ القيِّمِ في الوابلِ الصَّيِّب، وهو الحَقُّ الَّذي لا ريبَ فيه، وبه تَجتَمِعُ الأدِلَّةُ) 5286.
19- قال ابنُ عُثيمين في بَقاءِ النَّارِ: (ذَكَر بَعضُ العُلَماءِ إجماعَ السَّلَفِ على أنَّها تَبَقى ولا تَفنى، وذَكَرَ بَعضُهم خِلافًا عَن بَعضِ السَّلَفِ أنَّها تَفنى، والصَّوابُ أنَّها تَبقى أبَدَ الآبدِينَ؛ والدَّليلُ على هذا مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في ثَلاثِ آياتٍ مِنَ القُرآنِ: في سُورةِ النِّساءِ، وسُورةِ الأحزاب، وسُورةِ الجِنِّ؛ فأمَّا الآيةُ الَّتي في النِّساءِ فهي قَولُه تعالى: إنَّ الَّذينَ كَفَّرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: 168، 169]، والَّتي في سُورةِ الأحزابِ قَولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: 64، 65]، والَّتي في سُورةِ الجِنِّ قَولُه تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: 23] ، وليسَ بَعدَ كَلامِ اللهِ كَلامٌ... والصَّوابُ الَّذي لا شَكَّ فيه، وهو عِندي مَقطُوعٌ به، أنَّ النَّارَ باقيةٌ أبَدَ الآبدينَ؛ لِأنَّه إذا كانَ يُخلَّدُ فيها تَخليدًا أبَديًّا لَزِمَ أن تَكُونَ هي مُؤَبَّدةً؛ لِأنَّ ساكِنَ الدَّارِ إذا كانَ سُكُونُه أبَديًّا لا بُدَّ أن تَكُونَ الدَّارُ أيضًا أبَدِيَّةً) 5287.