1- الأنبياءُ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
قال اللهُ تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: 6] .
قال الرَّازي: (الآيةُ تَدُلُّ على أنَّه تعالى يُحاسِبُ كُلَّ عِبادِه لأنَّهم لا يَخرُجونَ عن أن يَكونوا رُسُلًا أو مُرسَلًا إليهم، ويَبطُلَ قَولُ مَن يَزعُمُ أنَّه لا حِسابَ على الأنبياءِ والكُفَّارِ) 3696.
وقال أيضًا: (الذينَ أُرسِلَ إليهم همُ الأمَّةُ، والمُرسَلونُ همُ الرُّسُلُ، فبيَّنَ تعالى أنَّه يَسألُ هَذينَ الفَريقينِ. ونَظيرُ هذه الآيةِ قَولُه: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93]...
فإنْ قيلَ: فما الفائِدةُ في سُؤالِ الرُّسُلِ مَعَ العِلمِ بأنَّه لَم يَصدُرْ عنهم تَقصيرٌ البَتَّةَ؟
قُلنا: لأنَّهم إذا أثبَتوا أنَّه لَم يَصدُرْ عنهم تَقصيرٌ البَتَّةَ التَحَقَ التَّقصيرُ بَكُلِّيَّةٍ بالأمَّةِ فيَتَضاعَفُ إكرامُ الله في حَقِّ الرُّسُلِ لظُهورِ براءَتِهم عن جَميعِ موجِباتِ التَّقصيرِ، ويَتَضاعَفُ أسبابُ الخِزيِ والإهانةِ في حَقِّ الكُفَّارِ لَمَّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ التَّقصيرِ كان منهم) 3697.
وقال ابنُ كثيرٍ: (الرَّبُّ تَبارَك وتعالى يَومَ القيامةِ يَسألُ الأُمَمَ عَمَّا أجابوا رُسُلَه فيما أرسَلَهم به، ويَسألُ الرُّسُلُ أيضًا عن إبلاغِ رِسالاتِه؛ ولِهذا قال عليُّ بنُ أبي طَلحةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ في تَفسيرِ هذه الآيةِ: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ قال: يَسألُ الله النَّاسَ عَمَّا أجابوا المُرسَلينَ، ويَسألُ المُرسَلينَ عَمَّا بَلَّغوا) 3698.
وقال السَّفارينيُّ: (لا حِسابَ على الأنبياءِ عليهمُ السَّلامُ على سَبيلِ المُناقَشةِ والتَّقريعِ... وعُمومُ الآياتِ الكَريمةِ مَخصوصٌ بأحاديثِ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ؛ ولِهذا قال عُلَماؤُنا في عَقائِدِهم: ويُحاسَبُ المُسلِمونَ المُكَلَّفونَ إلَّا من شاءَ اللهُ أن يُدخِلَ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ، وكُلٌّ مُكَلَّفٌ مَسؤولٌ، يَسألُ من شاءَ من الرُّسُلِ عن تَبليغِ الرِّسالةِ، ومن شاءَ من الكُفَّارِ عن تَكذيبِ الرُّسُلِ) 3699.
وقال النَّسَفيُّ: (إنَّ الأنبياءَ ليس عليهم حِسابٌ ولا عَذَابٌ ولا سُؤالُ القَبرِ، وكَذلك أطفالُ المُؤمِنينَ ليس عليهم حِسابٌ ولا عَذَابٌ ولا سُؤالُ القَبرِ، وكَذلك العَشَرةُ الذينَ بشَّرهمُ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالجَنَّةِ ليس عليهم حِسابٌ، هذا كُلُّه حِسابُ المُناقَشةِ. أمَّا حِسابُ العَرضِ للأنبياءِ والصَّحابةِ جَميعًا يُقالُ: فعَلتَ كذا وعَفَوْتُ عنك. وحِسابُ المُناقَشةِ يُقالُ: لمَ فعَلتَ كذا؟) 3700.
وقال الشِّنقيطيُّ: (سُؤالُ اللهِ للرُّسُلِ مَاذَا أُجِبْتُمْ [المائِدةُ: 109] لتَوبيخِ الذينَ كذَّبوهم، كسُؤالِ المَوءودةِ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ لتَوبيخِ قاتِلِها) 3701.
2- المؤمِنون:
يُحاسِبُ اللهُ تعالى المُؤمِنينَ مُحاسَبةَ من تُوزَنُ حَسَناتُه وسيِّئاتُه، وبِالحِسابِ يَمتازُ بَعضُهم على بَعضٍ بالدَّرَجاتِ؛ تَبَعًا لثِقلِ مَوازينِهم وخِفَّتِها.
قال اللهُ تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7 - 8] .
قال ابنُ جَريرٍ: (وقَولُه: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: 7] يَقولُ: فمَن عَمِلَ في الدُّنيا وزنَ ذَرَّةٍ من خَيرٍ، يَرى ثَوابَه هنالِك، وقَولُه: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 8] يَقولُ: ومَن كان عَمِلَ في الدُّنيا وزنَ ذَرَّةٍ من شَرٍّ يَرى جَزاءَه هنالِك) 3702.
قال ابنُ جُزَي: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ المِثقالُ هو الوَزنُ، والذَّرَّةُ هيَ النَّملةُ الصَّغيرةُ... وهذه الآيةُ هيَ في المُؤمِنينَ؛ لأنَّ الكافِرَ لا يُجازى في الآخِرةِ على حَسَناتِه؛ إذ لَم تُقبَلْ منه... وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ هذا على عُمومِه في حَقِّ الكافِرِ، وأمَّا المُؤمِنونَ فلا يُجازَونَ بذُنوبِهم إلَّا بسِتَّةِ شُروطٍ: وهيَ أن تَكونَ ذُنوبُهم كبائِرَ، وأن يَموتوا قَبلَ التَّوبةِ منها، وألَّا تَكونَ لهم حَسَناتٌ أرجَحُ في الميزانِ منها، وألَّا يُشفَعُ فيهم، وألَّا يَكونَ مِمَّنِ استَحَقَّ المَغفِرةَ بعَمَلٍ كأهلِ بَدرٍ، وألَّا يَعفوَ اللهُ عنهم، فإنَّ المُؤمِنَ العاصيَ في مَشيئةِ الله؛ إنْ شاءَ عَذَّبَه، وإن شاءَ غَفرَ لهـ) 3703.
ويُستَثْنَى منهم سبعون ألفًا مع زيادة عظيمة ورَدَ النصُّ بأنهم لا يُحاسَبون.
قال السَّفارينيُّ: (ثبَت في عِدَّةِ أخبارٍ عن النَّبيِّ المُختارِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -ما كَرَّ الليلُ على النَّهارِ- أنَّ طائِفةً من هذه الأمَّةِ بلا ارتيابٍ يَدخُلونَ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ، فيَدخُلونَ جَناتِ النَّعيمِ قَبلَ وضعِ المَوازينِ، وأخْذِ الصُّحُفِ بالشِّمالِ واليَمينِ) 3704.
عن أبي أُمامةَ الباهليِّ رَضِيَ الله عنه أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ اللهَ وعَدَني أن يُدخِلَ من أمَّتي الجَنَّةَ سَبْعينَ ألفًا بغَيرِ حِسابٍ
، فقال يَزيدُ بنَ الأخنَسِ السُّلَميُّ: واللهِ ما أولَئِك في أمَّتِك إلَّا كالذُّبابِ الأصهَبِ 3705 في الذُّبَّانِ 3706 ! فقال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإنَّ رَبِّي قد وعَدني سَبْعينَ ألفًا مَعَ كُلِّ ألفٍ سَبعونَ ألفًا، وزادَني ثَلاثَ حَثَيَاتٍ 3707 ...
3708.
قال ابنُ بازٍ: (هذه الحَثَيَّاتُ لا يَعلَمُ مِقدارَها إلَّا الله سُبحانَه وتعالى. والجامِعُ في هذا أنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ استِقامٍ على أمرِ الله وعلى تَركِ مَحارِمِ الله ووَقِفَ عِندَ حُدودِ الله هو داخِلٌ في السُّبعينَ، داخِلٌ في حُكمِهم بأنَّه يَدخُلُ الجَنةَ بغَيرِ حِسابٍ ولا عَذَاب) 3709.