قال اللهُ تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: 3].

قال الماوَرديُّ: (وإذا البِحارُ فُجِّرَت فيه ثَلاثةُ أقاويلَ: أحَدُها: يَبِسَتْ، قاله الحَسَنُ. الثَّاني: خُلِطَت فصارَت بَحرًا واحِدًا، وهذا مَعنى قَولِ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: وهو سَبعةُ أبحُرٍ فتَصيرُ بَحرًا واحِدًا. الثَّالِثُ: فُجِّر عَذبُها في مالِحِها، ومالِحُها في عَذبِها، قاله قتادةُ. ويُحتَمَلُ رابِعًا: أي: فاضَت) 3267.

وقال ابنُ عاشور: (تَفجيرُ البِحارِ انطِلاقُ مائِها من مُستَواه وفَيضانُه على ما حَولها من الأرَضِينَ، كما يَتَفَجَّرُ ماءُ العينِ حينَ حَفْرِها لفَسادِ كُرةِ الهَواءِ التي هيَ ضاغِطةٌ على مياه البِحارِ، وبِذلك التَّفجيرِ يَعُمُّ الماءُ على الأرضِ، فيَهلِكُ ما عليها ويَختَلُّ سَطحُها) 3268.

وقال اللهُ سُبحانَه: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير: 6] .

قال الواحِديُّ: (وإذا البِحارُ سُجِّرَت أوقِدَتْ فصارَت نارًا) 3269.

وقال ابنُ القَيِّمِ: (أقوى الأقوالِ في المَسجورِ أنَّه المُوقَدُ، وهذا هو المَعروفُ في اللُّغةِ. مِن: السَّجْرِ، ويَدُلُّ عليه قَولُه تعالى: وَإِذَا البِحارُ سُجِّرَت [التَّكوير: 6] ، قال عليُّ بن أبي طالِبٍ، وابنُ عَبَّاسٍ: أوقِدَتْ فصارَت نارًا. ومن قال: يَبِسَت وذَهَبُ ماؤُها، فلا يُناقِضُ كونَها نارًا موقَدةً. وكَذا من قالَ: مُلِئَت؛ فإنَّها تُملَأ نارًا. وإذا اعتَبَرْتَ أسلوبَ القُرآنِ ونَظْمَه ومُفرَداتِه رَأيتَ اللفظةَ تَدُلُّ على ذلك كُلِّه؛ فإنَّ البَحرَ مَحبوسٌ بقُدرةِ الله عزَّ وجَلَّ، ومَملوءٌ ماءً، ويَذهَبُ ماؤُه يَومَ القيامةِ ويَصيرُ نارًا. فكُلٌّ من المُفَسِّرينَ أخذُ مَعنًى من هذه المَعاني. واللهُ أعلَمُ) 3270.

وقال ابنُ عُثَيمين: (وإذا البِحارُ سُجِّرَت البِحارُ جَمعُ بَحرٍ، وجُمِعَت لعَظَمَتِها وكَثرَتِها؛ فإنَّها تُمَثِّلُ ثَلاثةَ أرباعِ الأرضِ تَقريبًا أو أكثَرَ. هذه البِحارُ العَظيمةُ إذا كان يَومُ القيامةِ فإنَّها تُسَجَّرُ، أي: تُوقَدُ نارًا، تَشتَعِلُ نارًا عَظيمةً، وحينَئِذٍ تَيبَسُ الأرضُ ولا يَبقى فيها ماءٌ؛ لأنَّ بحارَها المياهَ العَظيمةَ تُسَجَّرُ حَتَّى تَكونَ نارًا) 3271.

وقال عُمرُ الأشقَرُ: (أمَّا هذه البِحارُ التي تُغَطِّي الجُزءَ الأعظَمَ من أرضِنا، وتَعيشُ في باطِنِها عَوالِمُ هائِلةٌ من الأحياءِ، وتَتَهادى فوقَها السُّفُنُ ذاهبةً آيبةً، فإنَّها تُفَجَّرُ في ذلك اليَومِ، وقد عَلِمنا في هذا العَصرِ الهولَ العَظيمَ الذي يُحدِثُه انفِجارُ الذَّرَّاتِ الصَّغيرةِ التي هيَ أصغَرُ من ذَرَّاتِ الماءِ، فكَيفَ إذا فُجِّرتْ ذَرَّاتُ المياهِ في هذه البِحارِ العَظيمةِ، عِندَ ذلك تُسْجَرُ البِحارُ، وتَشتَعِلُ نارًا، ولَك أن تَتَصَوَّرَ هذه البِحارَ العَظيمةَ الهائِلةَ وقد أصبَحَت مادَّةً قابِلةً للِاشتِعالِ، كيفَ يَكونُ مَنظَرُها، واللهَبُ يَرتَفِعُ منها إلى أجوازِ الفَضاءِ، قال تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: 3]، وقال: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير: 6] . وَقد ذَهَبَ المُفَسِّرونَ قَديمًا إلى أنَّ المُرادَ بتَفجيرِ البِحارِ تَشَقُّقُ جَوانِبِها وزَوالُ ما بينَها من الحَواجِزِ، واختِلاطُ الماءِ العَذبِ بالماءِ المالِحِ، حَتَّى تَصيرَ بَحرًا واحِدًا، وما ذَكَرناه أوضَحُ وأقرَبُ؛ فإنَّ التَّفجيرَ بالمَعنى الذي ذَكَرناه مُناسِبٌ للتَّسجيرِ. والله أعلَمُ بالصَّوابِ) 3272.