قال اللهُ تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: 1] .

عن أبي عُبيدةَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ أنَّه سَأل عائِشةَ رَضِيَ الله عنها عن قَولِه تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: 1] فقالت: نَهرٌ أُعطِيَه نَبيُّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، شاطِئاه عليه دُرٌّ مُجَوَّفٌ، آنيَتُه كعَدَدِ النُّجومِ 4226.

وعن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: بَينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يَومٍ بينَ أظهُرِنا إذ أغفى إغفاءةً ثُمَّ رَفعَ رَأسَه مُتَبَسِّمًا، فقُلنا: ما أضحَكَك يا رَسولَ اللهِ؟! قال: أُنزِلَتْ عليَّ آنِفًا سورةٌ، فقرَأَ: بسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: 1 - 3] ، ثُمَّ قال: أتدْرُونَ ما الكوثَرُ؟ فقُلْنا: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّه نَهرٌ وعَدَنِيه رَبِّي عزَّ وجَلَّ، عليه خَيرٌ كثيرٌ، هو حَوضٌ تَرِدُ عليه أمَّتي يَومَ القيامةِ، آنيَتُه عَدَدُ النُّجومِ 4227.

وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما قال: لَمَّا أُنزِلَت: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هو نَهرٌ في الجَنَّةِ، حافَتاهٌ من ذَهَبٍ، يَجري على جَنادِلِ الدُّرِّ والياقوتِ، شَرابُه أحلى من العَسَلِ، وأشَدُّ بَياضًا من اللبَنِ، وأبرَدُ من الثَّلجِ، وأطيبُ من ريحِ المِسكِ 4228.

وفي رِوايةٍ: الكوثَرُ نَهرٌ في الجَنَّةِ حافَتاه من ذَهَبٍ، والماءُ يَجري على اللُّؤلُؤِ، وماؤُه أشَدُّ بَياضًا من اللبَنِ، وأحلى من العَسَلِ 4229.

وعن أنسٍ رَضِيَ الله عنه قال: سُئِلَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما الكوثَرُ؟ قال: ذاك نَهرٌ أعطانيه اللهُ، يَعني في الجَنةِ، أشَدُّ بَياضًا من اللبَنِ وأحلى من العَسَلِ، فيها طَيرٌ أعناقُها كأعناقِ الجُزُرِ، قال عُمرُ: إنَّ هذه لناعِمةٌ! قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أكَلَتُها أحسَنُ منها! 4230.

قال ابنُ حَجَرٍ: (الكوثَرُ فَوْعَلٌ من الكَثرةِ، سُمِّيَ بها النَّهرُ لكَثرةِ مائِه وآنيَتِه، وعِظَمِ قَدْرِه وخَيرِهـ) 4231.

وعن عَطاءِ بْنِ السَّائِبِ قال: قال لي مُحارِبُ بنُ دِثارٍ: ما سَمِعتَ سَعيدَ بنَ جُبَيرٍ يَذكُرُ عن ابنِ عَباسٍ في الكوثَرِ؟ فقُلتُ: سَمِعتُه يَقولُ: قال ابنُ عَبَّاسٍ: هذا الخَيرُ الكَثيرُ ، فقال مُحارِبٌ: سُبحانَ اللهِ! ما أقَلَّ ما يَسقُطُ لابنِ عَباسٍ قَولٌ! سَمِعتُ ابنُ عُمرَ يَقولُ: لَمَّا أُنزِلتْ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرُ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هو نَهرٌ في الجَنَّةِ، حافَتَاهُ من ذَهَبٍ، يَجري على جَنادِلِ الدُّرِّ والياقوتِ 4232.

قال ابنُ حَجَرٍ: (حاصِلُ ما قاله سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ أنَّ قَولَ ابنِ عَباسٍ: إنَّه الخَيرُ الكَثيرُ، لا يُخالِفُ قَولَ غَيرِه: إنَّ المُرادَ به نَهرٌ في الجَنةِ؛ لأنَّ النَّهرَ فردٌ من أفرادِ الخَيرِ الكَثيرِ، ولَعَلَّ سَعيدًا أومَأ إلى أنَّ تَأويلَ ابنِ عَبَّاسٍ أولى لعُمومِه، لَكِن ثَبَتَ تَخصيصُه بالنَّهرِ من لَفظِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلا مَعْدِلَ عنهـ) 4233.

وقال ابنُ جَريرٍ بَعدَ ذِكرِ أقوالِ العُلَماءِ في مَعنى الكوثَرِ: (أَولى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ عِندي قَولُ من قال: هو اسمُ النَّهرِ الذي أُعطِيَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الجَنةِ؛ وصَفَه اللهُ بالكَثرةِ لعِظَمِ قَدْرِه، وإنَّما قُلْنا ذلك أَولى الأقوالِ في ذلك؛ لتَتابُعِ الأخبارِ عن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنَّ ذلك كذلك) 4234.

وقال الشَّوكانيُّ: (هذه الأحاديثُ تَدُلُّ على أنَّ الكوثَرَ هو النَّهرُ الذي في الجَنةِ، فيَتَعَيَّنُ المَصيرُ إليها، وعَدَمُ التَّعويلِ على غَيرِها، وإن كان مَعنى الكوثَرِ: هو الخَيرُ الكَثيرُ في لُغةِ العَربِ، فمَن فسَّرَه بما هو أعَمُّ مِمَّا ثَبتَ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فهو تَفسيرٌ ناظِرٌ إلى المَعنى اللُّغَويِّ) 4235.

وعن أنسٍ رَضِيَ الله عنه قال: لَمَّا عُرِجَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى السَّماءِ قال: أتيتُ على نَهرٍ حافَتاه قِبابُ اللُّؤلُؤِ مُجَوَّفًا، فقُلتُ: ما هذا يا جِبريلُ؟ قال: هذا الكوثَرُ 4236.

وعن أنسٍ رَضِيَ الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: بينَما أنا أسيرُ في الجَنَّةِ إذ أنا بنَهرٍ حافَتاه قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قُلتُ: ما هذا يا جِبريلُ؟ قال: هذا الكوثَرُ الذي أعطاك رَبُّك، فإذا طِينُه -أو طِيبُه- مِسكٌ أذفَرُ شَكَّ هُدْبةُ 4237.

قال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: بَينا أنا أسيرُ في الجَنةِ تقَدَّمَ تَفسيرُ سورةِ الكوثَرِ أنَّ ذلك كان لَيلةَ أُسْرِيَ به، وفي أواخِرِ الكَلامِ على حَديثِ الإسراءِ في أوائِلِ التَّرجَمةِ النَّبَويَّةِ. وظَنَّ الدَّاوُديُّ أنَّ المُرادَ أنَّ ذلك يَكونُ يَومَ القيامةِ فقال: إن كان هذا مَحفوظًا دَلَّ على أنَّ الحَوضَ الذي يُدفَعُ عنه أقوامٌ غَيرُ النَّهرِ الذي في الجَنَّةِ أو يَكونُ يَراهمُ وهو داخِلُ الجَنَّةِ وهم من خارِجِها فينادِيهم فيُصرَفونَ عنه. وهو تَكَلُّفٌ عَجيبٌ يُغني عنه أنَّ الحَوضَ الذي هو خارِجَ الجَنَّةِ يُمَدُّ من النَّهرِ الذي هو داخِلَ الجَنَّةِ، فلا إشكالَ أصلًا) 4238.

عن ثَوبانَ رَضِيَ الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُئِلَ عن شَرابِ الحَوضِ، فقال: أشَدُّ بَياضًا من اللَّبَنِ، وأحلى من العَسَلِ ، يَغُتُّ فيه ميزابانِ يَمُدَّانِه من الجَنَّةِ 4239 أحَدُهما من ذَهَبٍ، والآخَرُ من وَرِقٍ 4240.

وعن أبي ذَرٍّ رَضِيَ الله عنه قال: قَلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما آنيَةُ الحَوضِ؟ قال: والذي نَفسي بيَدِه لآنيَتُه أكثَرُ من عَدَدِ نُجومِ السَّماءِ وكَواكِبِها، ألَا في الليلةِ المُظلِمةِ المُصحيَةِ آنيَةُ الجَنَّةِ 4241 ، من شَرِبَ منها لَم يَظمَأ آخِرَ ما عليه، يَشخَبُ 4242 فيه ميزابانِ 4243 من الجَنَّةِ مَن شَرِبَ منه لَم يَظمَأْ، عَرضُه مِثلُ طُولِه ما بينَ عُمَان إلى أيلَةَ، ماؤُه أشَدُّ بَياضًا من اللَّبَنِ، وأحلى من العَسَلِ 4244.