عَن أنسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: يُؤتى بأنعَمِ أهلِ الدُّنيا مِن أهلِ النَّارِ يَومَ القيامةِ، فيُصبَغُ في النَّارِ صَبغةً، ثُمَّ يُقالُ: يا ابنَ آدَمَ، هَل رَأيتَ خيرًا قَطُّ؟ هَل مَرَّ بكَ نَعيمٌ قَطُّ؟ فيَقُولُ: لا واللهِ يا رَبِّ
5200.
قال ابنُ عُثيمين: ( يُؤتى بأنعَمِ أهلِ الدُّنيا في الدُّنيا
يَعني: أشَدَّهم نَعيمًا في بَدنِه وثيابِه وأهلِه ومَسكَنِه ومَركُوبِه وغيرِ ذَلِكَ، فيُصبَغُ في النَّارِ صَبغةً
يَعني: يُغمَسُ فيها غَمسةً واحِدةً، ويُقالُ لَه: يا ابنَ آدَمَ هَل رَأيتَ خيرًا قَطُّ؟ هَل مَرَّ بكَ نَعيمٌ قَطُّ؟ فيَقُولُ: لا واللَّهِ يا رَبِّ ما رَأيتُ
لِأنَّه يَنسى كُلَّ هذا النَّعيمِ، هذا وهو شيءٌ يَسيرٌ، فكيفَ بمَن يَكُونُ مُخَلَّدًا فيها -والعياذُ باللهِ- أبَدَ الآبدِينَ) 5201.
وعَن أنسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: يَقُولُ اللهُ تباركَ وتعالى لِأهوَنِ أهلِ النَّارِ عَذابًا: لَو كانَت لَكَ الدُّنيا وما فيها أكُنتَ مُفتَديًا بها؟ فيَقُولُ: نَعَم، فيَقُولُ: قَد أرَدتُ مِنكَ أهونَ مِن هذا، وأنتَ في صُلبِ آدَمَ، أنْ لا تُشرِكَ «أحسَبُه قال:» ولا أُدخِلُكَ النَّارَ، فأَبَيتَ إلَّا الشِّركَ!
5202.
قال المظهَريُّ: (يَعني: يَقُولُ اللهُ سُبحانَه لِمَن لَه تَخفيفٌ في العَذابِ يَومَ القيامةِ: لَو حَصَلَ لَكَ ما في الأرضِ جَميعًا هَل كُنتَ تَفتَدي بها لِخَلاصِ نَفسِكَ عَنِ النَّارِ؟ فيَقُولُ: نَعَم يا رَبِّ. فيَقُولُ الله تعالى: أرَدتُ مِنكَ أهونَ مِن هذا
أي: أمرْتُكَ بأسهَلَ مِن هذا وأخَفَّ عَليكَ، وهو الإيمانُ والتَّصديقُ بي وبجَميعِ كُتبي ورُسُلي وما هو في الآخِرةِ مِنَ الغيبِ، وأنتَ في صُلبِ آدَمَ، فأبيتَ إلَّا أن تُشرِكَ بي، أي: فامتَنَعْتَ عَنِ الإيمانِ والإسلامِ وأشرَكْتَ بي، والإرادةُ هاهنا بمَعنى: الأمرِ، والفَرقُ بينَ الأمرِ والإرادةِ: أنَّ ما يَجري في العالَمِ لا مَحالةَ كائِنٌ بإرادَتِه ومَشيئَتِه، وأمَّا الأمرُ فقَد يَكُونُ مُخالِفًا لِإرادَتِه ومَشيئَتِهـ) 5203.
وقال علي القاري: (عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ تعالى عليه وسَلَّم قال: يَقُولُ اللهُ لِأهوَنِ أهلِ النَّارِ عَذابًا يَومَ القيامةِ: لَو أنَّ لَكَ
أي: لَو فُرِضَ الآنَ أن تَملِكَ ما في الأرضِ مِن شيءٍ
مِن زائِدةٌ لِلِاستِغراقِ، أي: جَميعَ ما فيها وطُلِبَ مِنكَ أن تَفتَديَ به وتُخَلِّصَ نَفسَكَ مِنَ النَّارِ...وأنتَ في صُلب آدَم
أي: تَعَلَّقَ بكَ الأمرُ، والحالُ أنَّكَ في صُلبِ آدَمَ، وفيه إيماءٌ إلى قَضيَّةِ الميثاقِ المُشتَمِلِ على قَولِه: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعرافِ: 172] أوِ المُرادُ مِنه التَّوحيدُ والعِبادةُ على وَجهِ التَّفريدِ، وإليه أشارَ بقَولِه: أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا
وهو بَدَلٌ أو بيانٌ لِقَولِه: أهونَ. فأبيتَ
أي: كُلَّ شيءٍ إلَّا أن تُشرِكَ بي
أي: فلا جَرمَ لا أقبَلُ مِنكَ ولَوِ افتَديتَ بجَميعِ ما في الأرضِ كَما قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ [المائدة: 36] ) 5204.