أُعِدَّت قُصُورُ الجَنةِ، وأماكِنُ الجُلُوسِ في حَدائِقِها وبَساتينِها بألوانٍ فاخِرةٍ رائِعةٍ مِنَ الفُرُشِ لِلجُلُوسِ والِاتِّكاءِ ونَحو ذَلِكَ؛ فالسُّرُرُ كَثيرةٌ راقيةٌ والفُرُشُ عَظيمةُ القَدْرِ بطائِنُها مِنَ الإستَبرَقِ، فكيفَ بظاهِرِها؟ وهناكَ تَرى النَّمارِقَ مَصفُوفةً على نَحوٍ يَسُرُّ الخاطِرَ، ويُبهِجُ النَّفسَ، والزَّرابيَّ مَبثُوثةً على شَكلٍ مُنَسَّقٍ مُتَكامِلٍ 4836.
قال اللهُ تعالى: فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: 13-16] .
قال البَغَويُّ: (فِيهَا سُرُرٌ مَرفُوعَةٌ قال ابنُ عَبَّاس: ألواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلةٌ بالزَّبرجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ، مُرتَفِعةٌ ما لَم يَجيءْ أهلُها، فإذا أرادَ أن يَجلِسَ عليها تَواضَعَت لَه حَتَّى يَجلِسَ عليها ثُمَّ تَرتَفِعُ إلى مَواضِعِها. وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ عِندَهم، جَمعُ كُوبٍ، وهو الإبريقُ الَّذي لا عُروةَ لَه. ونَمَارِقُ وسائِدُ ومَرافِقُ مَصفُوفةٌ بَعضُها بجَنب بَعضٍ، واحِدَتِها نُمرُقةٌ بضَمِّ النُّونِ.
وَزَرَابِيُّ يَعني البُسُطَ العَريضةَ، قال ابنُ عَبَّاس: هي الطَّنافِسُ الَّتي لَها حَملٌ، واحِدَتُها زَرَبيةٌ مَبثُوثةٌ مَبسُوطةٌ، وقيلَ: مُتَفَرِّقةٌ في المَجالِسِ) 4837.
وقال ابنُ القيِّمِ: (تَأمَّل كيفَ وصَفَ اللهُ سُبحانَه وتعالى الفُرُشَ بأنَّها مَرفُوعةٌ، والزَّرابيَّ بأنَّها مَبثُوثةٌ، والنَّمارِقَ بأنَّها مَصفُوفةٌ؟!
فرَفْعُ الفُرُشِ دالٌّ على سُمكِها ولِينِها، وبَثُّ الزَّرابيِّ دالٌّ على كَثرَتِها وأنَّها في كُلِّ مَوضِعٍ، لا يَختَصُّ بها صَدرُ المَجْلِسِ دُونَ مُؤَخَّرِه وجَوانِبه، وصفُّ المَسانِدِ يَدُلُّ على أنَّها مُهيَّأةٌ لِلِاستِنادِ إليها دائِمًا ليسَت مُخَبَّأةً تُصَفُّ في وقتٍ دُونَ وقتٍ. واللهُ أعلَمُ) 4838.
وقال اللهُ سُبحانَه: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن: 54].
قال البيضاويُّ: (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ مِن ديباجٍ ثَخينٍ، وإذا كانَتِ البَطائِنُ كَذَلِكَ فما ظَنُّكَ بالظَّهائِرِ؟!) 4839.
وقال السَّعْديُّ: (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ هذه صِفةُ فُرُشِ أهلِ الجَنَّةِ وجُلُوسِهم عليها، وأنَّهم مُتَّكِئُونَ عليها... وتِلكَ الفُرُشُ لا يَعلَمُ وصْفَها وحُسْنَها إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، حَتَّى إنَّ بطائِنَها الَّتي تَلي الأرضَ مِنها، مِن إستَبرَقٍ، وهو أحسَنُ الحَريرِ وأَفخَرُه، فكيفَ بظَواهرِها الَّتي تَلي بَشَرَتَهم؟!) 4840.
وقال ابنُ عُثيمين: (قال تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ أي: يَتَنَعَّمُونَ بهذه الفاكِهةِ حالَ كَونِهم مُتَّكِئينَ، وعلى هذا فكَلِمةُ مُتَّكِئينَ تَكُونُ حالًا مِن فاعِلِ الفِعلِ المَحذُوفِ، أي: يَتَنَعَّمُونَ أو يَتَفَكَّهونَ مُتَّكِئينَ... على فُرُشٍ أي: جالسين على فُرُشِ بطائِنُها مِن إستَبرَقٍ أي: بطانةُ الفِراشِ وهو ما يُحابيه الفِراشُ مِن إستَبرَقٍ وهو غَليظُ الدِّيباجِ، وأمَّا أعلى هذه الفُرُشِ فهو مِن سَندُسٍ، وهو رَقيقُ الدِّيباجِ، وكُلُّه مِنَ الحَريرِ) 4841.
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الطور: 20].
قال البَغَويُّ: (مُتَّكِئينَ عَلَى سُرُرٍ مَصفُوفةٍ مَوضُوعةٍ بَعضُها إلى جَنبِ بَعضٍ) 4842.
وقال ابنُ كَثيرٍ: (ومَعنى مَصفُوفةٍ أي: وُجُوهُ بَعضِهم إلى بَعضٍ، كَقَولِه: عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِليِنَ [الصافات: 44] ) 4843.
وقال ابنُ عُثيمين: (مُتَّكِئينَ حالٌ، أي: حالَ كَونِهم مُتَّكِئينَ، والمُتَّكِئُ تَدُلُّ هيئَتُه على أنَّه في سُرُورٍ وانشِراحٍ وطُمَأنينةٍ؛ لِأنَّ الِاتِّكاءَ يَدُلُّ على ذَلِكَ. والسُّرُرُ جَمعُ سَريرٍ، وهي: الكَراسيُّ الفَخمةُ المُهيَّأةُ أحسَنَ تَهيِئةٍ لِلجالِس عليها. مَصفُوفةٌ أي: مَصفُوفٌ بَعضُها إلى بَعضٍ، يَصُفُّها الخَدَمُ والوِلْدانُ) 4844.
وقال اللهُ تعالى: ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة: 13-16] .
قال ابنُ الجَوزي: (أمَّا المَوضُونةُ فقال ابنُ قُتيبةَ: هي المَنسُوجةُ، كَأنَّ بَعضَها أُدخِلَ في بَعضٍ، أو نُضِّدَ بَعضُها على بَعضٍ، ومِنه قيلَ لِلدِّرعِ: مَوضُونةٌ، ومِنه قيلَ: وَضينُ النَّاقةِ، وهو بِطانٌ مِن سُيُورٍ يَدخُلُ بَعضُه في بَعضٍ. قال الفَرَّاءُ: سَمِعتُ بَعضَ العَرب يَقُولُ: الآجُرُّ مَوضُونٌ بَعضُه على بَعضٍ، أي: مَسرُوجٌ، ولِلمُفَسِّرينَ في مَعنى مَوضُونةٍ قَولانِ: أحَدُهما: مَرمُولةٌ بالذَّهَب، أخرجه مُجاهِدٌ عَنِ ابنِ عَبَّاس، وقال عِكرِمةُ: مُشبَكةٌ بالدُّرِّ والياقُوتِ، وهذا مَعنى ما ذَكَرناه عَنِ ابنِ قُتيبةَ، وبه قال الأكثَرُون. والثَّاني: مَصفُوفةٌ، أخرجه ابنُ أبي طَلحةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) 4845.
وقال ابنُ عُثيمين: (عَلَى سُرُرٍ مَوضُونةٍ سُرُرٌ جَمعُ سَريرٍ، وهو ما يَتَّخِذُه الإنسانُ لِلجُلُوسِ والنَّومِ، مَوضُونةٌ قال العُلَماءُ: مَنسُوجةٌ مِنَ الذَّهَبِ) 4846.
وقال اللهُ سُبحانَه: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: 47] .
قال البَغَويُّ: (ونَزَعْنا أخرَجْنا، ما في صُدُورِهم مِن غِلٍّ هو الشَّحناءُ والعَداوةُ والحِقدُ والحَسدُ، إِخْوَانًا نُصِبَ على الحالِ، عَلَى سُرُرٍ جَمعُ سَريرٍ مُتَقابِلِينَ يُقابلُ بَعضُهم بَعضًا لا يَنظُرُ أحَدٌ مِنهم إلى قَفا صاحِبه. وفي بَعضِ الأخبارِ: إنَّ المُؤمِن في الجَنَّةِ إذا ودَّ أن يَلقى أخاه المُؤمِن سارَ سَريرُ كُلِّ واحِدٍ مِنهما إلى صاحِبه، فيَلتَقيانِ ويَتَحَدَّثانِ!) 4847.
وقال السَّعْديُّ: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ فتَبقى قُلُوبُهم سالِمةً مِن كُلِّ دَغلٍ وحَسدٍ، مُتَصافيةً مُتَحابَّةً إِخْوَانًا على سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ دَلَّ ذَلِكَ على تَزاوُرِهم واجتِماعِهم وحُسنِ أدَبِهم فيما بينَهم في كَونِ كُلٍّ مِنهم مُقابلًا لِلآخَرِ لا مُستَدبِرًا لَه، مُتَّكِئينَ على تِلكَ السُّرُرِ المُزيَّنةِ بالفُرُشِ واللُّؤلُؤِ وأنواعِ الجَواهرِ) 4848.
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن: 76].
قال البيضاويُّ: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ وسائِدَ أو نَمارِقَ، جَمعُ رَفرَفةٍ. وقيلَ: الرَّفرَفُ: ضَربٌ مِنَ البُسُطِ، أو ذيلُ الخيمةِ، وقَد يُقالُ لِكُلِّ ثَوبٍ عَريضٍ... وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ العَبقَريُّ مَنسُوبٌ إلى عَبقَرٍ، تَزعُمُ العَربُ أنَّه اسمُ بَلَدٍ لِلجِنِّ فيَنسُبُونَ إليه كُلَّ شيءٍ عَجيبٍ، والمُرادُ به الجِنسُ؛ ولِذَلِكَ جُمِعَ حِسَانٌ حَملًا على المَعنى) 4849.
وقال السَّعْديُّ: (مُتَّكِئِينَ على رَفرَفٍ خُضْرٍ أي: أصحابُ هاتينِ الجَنَّتينِ، مُتَّكَؤُهم على الرَّفرَفِ الأخضَرِ، وهي الفُرُشُ الَّتي فوقَ المَجالِسِ العاليةِ، الَّتي قَد زادَت على مَجالِسِهم، فصارَ لَها رَفرَفةٌ مِن وراءِ مَجالِسِهم؛ لِزيادةِ البهاءِ وحُسنِ المَنظَرِ، وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ العَبْقَريُّ: نِسبةٌ لِكُلِّ مَنسُوجٍ نَسجًا حَسَنًا فاخِرًا؛ ولِهذا وصفَها بالحُسنِ الشَّامِلِ، لِحُسنِ الصَّنعةِ وحُسنِ المَنظَرِ، ونُعُومةِ المَلمَسِ) 4850.
وقال ابنُ عُثيمين: (عَلَى رَفْرَفٍ أي: على مَسانِدَ تُرفْرِفُ مِثلَ ما يَكُونُ على أطرافِ المَسانِدِ، ويَكُونُ في الأَسِرَّةِ، هَكَذا يُرفْرِفُ. مُتَّكِئينَ على رَفرَفٍ خُضْرٍ؛ لِأنَّ اللَّونَ الأخضَرَ أنسَبُ ما يَكُونُ لِلنَّظَرِ، وأشَدُّ ما يَكُونُ بهجةً لِلقَلب. وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ العَبْقَريُّ هو الفُرُشُ الجيِّدةُ جِدًّا؛ ولِهذا يُسَمَّى الجيِّدُ مِن كُلِّ شيءٍ عَبقَريًّا، كَما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الرُّؤيةِ الَّتي رَآها حينَ نَزعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: «فما رَأيتُ عَبقَريًّا يَفْرِي فَرْيَه » 4851 أي: يَنزِعُ نَزعَه: مِن قُوَّتِه رَضِيَ اللهُ عَنهـ) 4852.
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ [الكهف: 31] .
قال البيضاويُّ: (مُتَّكِئينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ على السُّرُرِ، كَما هو هيئةُ المُتَنَعِّمينَ. نِعْمَ الثَّوَابُ الجَنَّةُ ونَعيمُها. وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا مُتَّكَأً) 4853.