قَد ثَبَت طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ؛ فمِنَ الكِتابِ:

قَولُ اللهِ تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام: 158] .

قال ابنُ جَريرٍ: (أَولى الأقوالِ بالصَّوابِ في ذلك ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ذلك حينَ تَطلُعُ الشَّمسُ من مَغرِبِها) 2893.

وقال البَغَويُّ: (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَعني: طُلوعَ الشَّمسِ من مَغرِبِها، عليه أكثَرُ الْمُفَسِّرين، وأخرجه أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ مَرفوعًا 2894 2895.

وقال السَّعديُّ: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ الخارِقةِ للعادةِ، الَّتي يُعلَمُ بها أنَّ السَّاعةَ قَد دَنَت، وأنَّ القيامةَ قَدِ اقتَرَبَت. لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا أي: إذا وُجِدَ بَعضُ آياتِ اللهِ لَم يَنفَعِ الكافِرَ إيمانُه أنْ آمَنَ، ولا الْمُؤمِنَ الْمُقَصِّرَ أن يَزدادَ خَيرُه بَعدَ ذلك، بَل يَنفَعُه ما كان مَعَه مِنَ الإيمانِ قَبلَ ذلك، وما كان لَه مِنَ الخَيرِ الْمَرجوِّ قَبلَ أن يَأتيَ بَعضُ الآياتِ.

والحِكْمةُ في هذا ظاهِرةٌ، فإنَّه إنَّما كان الإيمانُ يَنفَعُ إذا كان إيمانًا بالغَيبِ، وكان اختيارًا مِنَ العَبدِ؛ فأمَّا إذا وُجِدَتِ الآياتُ صارَ الأمرُ شَهادةً، ولَم يَبْقَ للإيمانِ فائِدةٌ؛ لأنَّه يُشبِهُ الإيمانَ الضَّروريَّ، كإيمانِ الغَريقِ والحَريقِ ونَحوِهما، مِمَّن إذا رَأى الْمَوتَ أقلَعَ عَمَّا هو فيه، كما قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ [غافر: 84، 85].

وقَد تَكاثَرَتِ الأحاديثُ الصَّحيحةُ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الْمُرادَ ببَعضِ آياتِ اللهِ طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وأنَّ النَّاسَ إذا رَأَوها آمَنوا فلَم يَنفَعْهم إيمانُهم، ويُغلَقُ حينَئِذٍ بابُ التَّوبةِ) 2896.

ومِنَ الأدِلَّةِ في السُّنةِ على ثُبوتِ طُلوعِها:

1- عَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ من مَغرِبِها، فإذا طَلَعَت فرآها النَّاسُ آمَنوا أجمَعونَ، فذاكَ حينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158] 2897.

2- عن أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ يَوْمًا: أتَدْرُونَ أيْنَ تَذْهَبُ هذِه الشَّمْسُ؟ قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّ هذِه تَجْرِي حتَّى تَنْتَهيَ إلى مُسْتَقَرِّها تَحْتَ العَرْشِ، فَتَخِرُّ ساجِدَةً، فلا تَزالُ كَذلكَ حتَّى يُقالَ لَها: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي من حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طالِعَةً من مَطْلِعِها، ثُمَّ تَجْرِي حتَّى تَنْتَهيَ إلى مُسْتَقَرِّها تَحْت العَرْشِ، فَتَخِرُّ ساجِدَةً، ولا تَزالُ كَذلكَ حتَّى يُقالَ لَها: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي من حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طالِعَةً من مَطْلِعِها، ثُمَّ تَجْرِي لا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْها شيئًا حتَّى تَنْتَهيَ إلى مُسْتَقَرِّها ذاكَ تَحْت العَرْشِ، فيُقالُ لَها: ارْتَفِعِي أصْبِحِي طالِعَةً من مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طالِعَةً من مَغْرِبِها، فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أتَدْرُونَ مَتَى ذاكُمْ؟ ذاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158] 2898.

3- عَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنه أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَقتَتِلَ فِئَتانِ فذَكرَ الحَديثَ، وفيه وحَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ من مَغرِبِها، فإذا طَلَعَت فرآها النَّاسَ آمَنوا أجمَعونَ فذاكَ حينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158] 2899.

4- عَن حُذَيفةَ بنِ أُسَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: اطَّلَعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقالَ: ما تَذَاكَرُونَ؟ قالوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قالَ: إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ من مَغْرِبِهَا... 2900.

5- عَن عَبدِ الله بن عَمرٍو رَضِيَ الله عَنهما قال: حَفِظْتُ من رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَديثًا لَم أنسَه بَعدُ، سَمِعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُروجًا طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وخُروجُ الدَّابَّةِ على النَّاسِ ضُحًى، وأيُّهما ما كانت قَبلَ صاحِبَتِها فالأخرى على إثرِها قَريبًا 2901.

قال أبو العَبَّاس القُرطُبيُّ: (قَولُه: إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُروجًا طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وخُروجُ الدَّابَّةِ على النَّاسِ ضُحًى يَعني -والله أعلَمُ- أوَّلُ الآياتِ الكائِنةِ في زَمانِ ارتِفاعِ التَّوبةِ والطَّبعِ على كُلِّ قَلبٍ بما فيه؛ لأنَّ ما قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها التَّوبةُ فيه مَقبولةٌ، وإيمانُ الكافِرِ يَصِحُّ فيه، بدَليلِ ما أخرجه أبو داوُدَ من حَديثِ أبي هُرَيرةَ قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ من مَغرِبِها، فإذا طَلَعت ورَآها النَّاسُ آمَنَ مَن عليها، فذلك حينَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَت من قَبلُ أو كسَبت في إيمانِها خَيْرًا 2902. ومَعنى قَولِه: إذا طَلَعت ورَآها النَّاسُ آمَنَ من عليها، أي: حَصَلَ لجَميعِ من على الأرضِ التَّصديقُ الضَّروريُّ بأمورِ القيامةِ الذي لا يُكلَّفُ به ولا يَنفَعُ صاحِبَه؛ لكَونِ أمورِ الآخِرةِ مُعايَنةً، وإنَّما كان طُلوعُ الشَّمسِ مَخصوصًا بذلك؛ لأنَّه أوَّلُ تَغييرِ هذا العالَمِ العُلويِّ الذي لَم يُشاهَدْ فيه تَغييرٌ مُنذُ خَلقَه اللهُ تعالى، وإلى ذلك الوَقتِ، وأمَّا ما قَبلَه مِنَ الآياتِ فقَد شُوهِدَ ما يَقرُبُ من نَوعِه، فإذا كان ذلك وطُبِعَ على كُلِّ قَلبٍ بما فيه من كُفرٍ أو إيمانٍ، أخرَجَ اللهُ الدَّابَّةَ مُعَرِّفةً لِما في بواطِنِ النَّاسِ من إيمانٍ أو كُفرٍ، فتُكَلِّمُهم بذلك. أي: تعرفُ الْمُؤمِنَ مِنَ الكافِرِ بالكَلامِ، وتَسِمُ وُجوهَ الفَريقينِ بالنَّفحِ، فيَنتَقِشُ وصفُه في جَبهَتِه مُؤمِنٌ أو كافِرٌ، حَتَّى يَتَعارَفَ النَّاسُ بذلك، فيَقولُ الْمُؤمِنُ للكافِرِ: بكَم سِلعَتُكَ يا كافِرُ؟ ويَقولُ الكافِرُ: بكَذا يا مُؤمِنُ، ثُمَّ يَبقى النَّاسُ على ذلك ما شاءَ الله، ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ ريحًا بارِدةً من قِبَلِ الشَّامِ، فلا يَبقى أحَدٌ على وَجهِ الأرضِ في قَلبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ من إيمانٍ إلَّا قَبَضَتْه، على ما جاءَ في حَديثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو الآتي بَعدَ هذا، وغَيرِه 2903. وقَد تَقَدَّم في كِتابِ الإيمانِ حَديثُ أبي هُرَيرةَ الذي قال فيه: ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنت من قَبلُ، أو كسَبت في إيمانِها خَيْرًا: طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، ودابَّةُ الأرضِ، وذَكَرَ من جُملةِ الثَّلاثِ: الدَّجَّالَ 2904. ويَلزَمُ عليه أن يَرتَفِعَ التَّكليفُ بالإيمانِ وبِالتَّوبةِ عِندَ خُروجِه. والأحاديثُ الآتيةُ في صِفةِ الدَّجَّالِ تَدُلُّ على خِلافِ ذلك على ما سَنُبَيِّنُه، فدَلَّ على أنَّ ذِكرَ الدَّجَّالِ مَعَ الطُّلوعِ والدَّابَّةِ وَهمٌ من بَعضِ الرُّواةِ. واللهُ تعالى أعلَمُ.

وقَدِ اختَلَفتُ الآثارُ والأقوالُ في أوَّلِ الآياتِ الْمَذكورةِ، وما ذَكَرتُه أشبَهُها وأوْلاها، إن شاءَ الله تعالى) 2905.

وقال ابنُ حَجَرٍ: (الذي يَتَرَجَّحُ من مَجموعِ الأخبارِ أنَّ خُروجَ الدَّجَّالِ أوَّلُ الآياتِ العِظامِ الْمُؤذِنُ بتَغَيُّرِ الأحوالِ العامَّةِ في مُعظَمِ الأرضِ، ويَنتَهي ذلك بمَوتِ عيسى بن مَريَمَ، وأنَّ طُلوعَ الشَّمسِ مِنَ الْمَغرِبِ هو أوَّلُ الآياتِ العِظامِ الْمُؤذِنُ بتَغَيُّرِ أحوالِ العالَمِ العُلويِّ، ويَنتَهي ذلك بقيامِ السَّاعةِ، ولَعَلَّ خُروجَ الدَّابَّةِ يَقَعُ في ذلك اليَومِ الذي تَطلُعُ فيه الشَّمسُ من الْمَغرِبِ، وقَد أخرَجَ مُسْلِمٌ أيضًا من طَريقِ أبي زُرعةَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَفَعَه: أوَّلُ الآياتِ طُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وخُروجُ الدَّابَّةِ على النَّاسِ ضُحًى، فأيُّهما خَرَجَت قَبلَ الأُخرى، فالأُخرى مِنها قَريبٌ 2906 2907.