أوَّلُ مَن يُحشَرُ من النَّاسِ هو مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَومَ القِيامَةِ، وأَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عنْه القَبْرُ، وأَوَّلُ شافِعٍ، وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ
3201.
قال علي القاري: ( وأوَّلُ مَن يَنشَقُّ عنه القَبرُ
، أي: فهو أوَّلُ مَن يُبعَثُ من قَبرِه ويَحضُرُ في المَحشَرِ) 3202.
وعن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رَضِيَ الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لي خَمسةُ أسماءٍ: أنا مُحَمَّدٌ، وأحمَدُ، وأنا الماحي الذي يَمحو اللهُ بي الكُفرَ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمي، وأنا العاقِبُ
3203.
وفي رِوايةٍ: وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على عَقِبي
3204.
قال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمي
أي: على أثري، أي: إنَّه يُحشَرُ قَبلَ النَّاسِ، وهو موافِقٌ لقَولِه في الرِّوايةِ الأخرى: يُحشَرُ النَّاسُ على عَقِبي
، ويُحتَمَلُ أن يَكونَ المُرادُ بالقَدَمِ الزَّمانَ، أي: وقت قيامي على قَدَمي بظُهورِ عَلاماتِ الحَشرِ؛ إشارةً إلى أنَّه ليس بَعدَه نَبيٌّ ولا شَريعةٌ، واستُشكِلَ التَّفسيرُ بأنَّه يَقضي بأنَّه مَحشورٌ، فكَيفَ يُفَسَّرُ به حاشِرٌ وهو اسمُ فاعِلٍ، وأجيبَ بأنَّ إسنادَ الفِعلِ إلى الفاعِلِ إضافةٌ والإضافةُ تَصِحُّ بأدنى مُلابَسةٍ، فلَمَّا كان لا أمَّةَ بَعدَ أمَّتِه لأنَّه لا نَبيَّ بَعدَه نُسِبَ الحَشرُ إليه؛ لأنَّه يَقَعُ عَقِبَه، ويُحتَمَلُ أن يَكونَ مَعناه أنَّه أوَّلُ مَن يُحشَرُ، كما جاءَ في الحَديثِ الآخَرِ: أنا أوَّلُ مَن تَنشَقُّ عنه الأرضُ
3205 ، وقيلَ: مَعنى القَدَمِ: السَّبَبُ، وقيلَ: المُرادُ: على مُشاهَدَتي قائِمًا لله شاهدًا على الأمَمِ) 3206.
وأمَّا أوَّلُ مَن يُكسَى من الخَلقِ فهو إبراهيمُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ
عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صَلى الله عليه سُلَّمٌ قال: إنَّ أوَّلَ الخَلائِقِ يُكسى يَومَ القيامةِ إبراهيمُ
3207.
قال الحليميُّ: (يُحتَمَلُ أن يَكونَ تَقديمُ إبراهيمَ صَلَواتُ الله عليه بالكِسوةِ لِما يُروى أنَّه لَم يَكُن في الأوَّلينَ والآخِرينَ لله تعالى عَبدٌ أخوفُ له من إبراهيمَ، فيُعَجِّلُ كِسوَتَه ما نالَه ليَطمَئِنَّ قَلبَه. ويُحتَمَلُ أن يَكونَ ذلك لِما جاءَ به الحَديثُ أنَّه أوَّلُ مَن يَلبَسُ السَّراويلَ إذا صَلَّى؛ مُبالَغةً في السَّترِ وحِفظًا لفَرجِه من أن يُماسَّ فضلًا، ففَعلَ ما أُمِرَ به، فيَخرُجُ بذلك أن يَكونَ أوَّلَ مَن يُستَرُ يَومَ القيامةِ. ويُحتَمَلُ أن يَكونَ الذينَ ألقَوه في النَّارِ جَرَّدوه ونَزَعوا عنه ثيابَه على أعيُنِ النَّاسِ كما يُفعَلُ بمَن أُريدَ قَتلُه، وإن كان ما أصابَه في ذلك في ذاتِ الله تعالى، فلَمَّا صَبرَ واحتَسَبَ وتوَكَّلَ على الله، دُفِعَ عنه شَرُّ النَّارِ في الدُّنيا والآخِرةِ، أو جُزاءً بذلك العُرْيِ أنَّ جَعلَه بأوَّلِ مَن يُدفَعُ عنه العُرْيُ يَومَ القيامةِ على رُؤوسِ الأشهادِ. واللهُ أعلَمُ) 3208.
وقال العَينيُّ: (قيلَ: ما وَجهُ تَقَدُّمِه على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ وأجيبَ: أنَّه لَعَلَّه بسَبَبِ أنَّه أوَّلُ من وَضعَ سُنَّةِ الخِتانِ، وفيه كشفٌ لبَعضِ العَورةِ، فجُوزِيَ بالسَّترِ أوَّلًا كما أنَّ الصَّائِمَ العَطْشانَ يُجازى بالرَّيَّانِ) 3209.
وقال ابنُ حَجَرٍ: (حَمَلَ بَعضُهم حَديثَ أبي سَعيدٍ على الشُّهداءِ؛ لأنَّهم الذينَ أُمِرَ أن يُزمَّلوا في ثيابِهم ويُدفَنوا فيها، فيُحتَمَلُ أن يَكونَ أبو سَعيدٍ سَمعَه في الشَّهيدِ فحَملَه على العُمومِ، ومِمَّن حَملَه على عُمومِه مُعاذُ بنُ جَبَلٍ، فأخرَجَ ابنُ أبي الدُّنيا بسَندٍ حَسَنٍ عن عَمرِو بنِ الأسوَدِ قال: دَفَنَّا أمَّ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، فأمرَ بها فكُفنَت في ثيابٍ جُدُدٍ، وقال: أحسِنوا أكفانَ موتاكم؛ فإنَّهم يُحشَرونَ فيها... ورَجحَ القُرطُبيُّ الحَملَ على ظاهرِ الخَبَرِ، ويَتَأيَّدُ بقَولِه تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وقَولِه تعالى: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، وإلى ذلك الإشارةُ في حَديثِ البابِ بذِكرِ قَولِه تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلقٍ نُعيدُه عَقِبَ قَولِه: حُفاةً عُراةً
، قال: فيُحمَلُ ما دَلَّ عليه حَديثُ أبي سَعيدٍ على الشُّهداءِ؛ لأنَّهم يُدفَنونَ بثيابِهم فيُبعَثونَ فيها تَمييزًا لهم عن غَيرِهم، وقد نَقلَه ابنُ عَبدِ البَرِّ عن أكثَرِ العُلَماءِ ومن حَيثُ النَّظَرُ إنَّ المَلابِسَ في الدُّنيا أموالٌ، ولا مالَ في الآخِرةِ مِمَّا كان في الدُّنيا، ولِأنَّ الذي يَقي النَّفسَ مِمَّا تَكرَه في الآخِرةِ ثَوابٌ بحُسنِ عَمَلِها أو رَحمةٌ مُبتَدَأةٌ من الله، وأمَّا مَلابِسُ الدُّنيا فلا تُغني عنها شَيئًا، قاله الحليميُّ) 3210.
وأفضَلُ أمَمِ المُؤمِنينَ في المَحشَرِ أمَّةُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقَدِ اختَصَّها اللهُ عزَّ وجَلَّ فيه بخَصائِصَ تَمتازُ بها عن غَيرِها.
ومن هذه الخَصائِصِ:
1- أنَّها أكثَرُ أتباعِ الأنبياءِ عَدَدًا.
عن أنسِ بن مالِكٍ رَضِيَ الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: أنا أكثَرُ الأنبياءِ تَبَعًا يَومَ القيامةِ
3211.
قال علي القاري: ( أنا أكثَرُ الأنبياءِ تَبَعًا
: بفَتحَتينِ جَمعُ تابِعٍ، أي: أتباعًا يَومَ القيامةِ؛ لأنَّ أمَّتَه ثُلُثا أهلِ الجَنَّةِ، على ما سَبَقَ في الحَديثِ 3212 ، وفيه إشعارٌ بأنَّ أكثَريَّةَ الأتباعِ تُوجِبُ أفضَليَّةَ المَتبوعِ) 3213.
2- تَمَيُّزُها بعَلامةٍ تُعرَفُ بها، وهيَ أنَّهم يَأتون غُرًّا مُحَجَّلينَ من آثارِ الوُضوءِ
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ أمَّتي يُدعَونَ يَومَ القيامةِ غُرًّا مُحَجَّلينَ من آثارِ الوُضوءِ
3214.
قال ابنُ بطالٍ: (إنَّ الوُضوءَ كان في غَيرِ هذه الأمَّةِ، ووَضَحَ أنَّ الذي خُصَّت به هذه الأمَّةُ من بينَ سائِرِ الأممِ إنَّما هو الغُرَرُ والتَّحجيلُ؛ ليَمتازوا بذلك من بينِ سائِرِ الأُمَمِ) 3215.
وقال المازِريُّ: (قَدِ استَوفي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قَولِه: "غُرًّا مُحَجَّلينَ" جَميعَ أعضاءِ الوُضوءِ؛ لأنَّ الغُرَّةَ بياضٌ في جَبهةِ الفَرَسِ، والتَّحجيلُ بياضٌ في يَدَيه ورِجلَيه، فاستعار للنُّورِ الذي يَكونُ بأعضاءِ الوُضوءِ يَومَ القيامةِ اسمَ الغُرَّةِ والتَّحجيلِ على جِهةِ التَّشبيهِ) 3216.
قال الطِّيبيُّ: (ومَعناه: أنَّهم إذا دُعوا على رُؤوسِ الأشهادِ أو إلى الجَنةِ كانوا على هذه الشِّيَةِ) 3217.
وقال ابنُ الملقنِ: (والمَعنى -واللهُ أعلَمُ-: يُدْعَونَ إلى مَوقِفِ الحِسابِ أو إلى الميزانِ أو إلى غَيرِ ذلك) 3218.
وقال ابنُ عُثَيمين: (يَعني أنَّ هذه الأمَّةَ أمَّةَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُدعى يَومَ القيامةِ غُرًّا مُحَجَّلينَ. الغُرَّةُ: بياضُ الوَجهِ، والتَّحجيلُ: بياضُ الأطرافِ؛ أطرافِ اليَدينِ وأطرافِ الرِّجلينِ، يَعني: أنَّ هذه المَواضِعَ تُكونُ نورًا يَتَلَألَأ يَومَ القيامةِ لهذه الأمَّةِ، وهذه خاصَّةٌ بنا ولِلَّه الحَمدُ، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سيما ليست لغَيرِكم
3219 يَعني عَلامةً تَتَبَيَّنُ بها أمَّةُ مُحَمَّدٍ في هذا اليَومِ المَشهودِ) 3220.
وأفضَلُ أحوالِ أهلِ المَحْشَرِ وأكملُهم حالُ الأنبياءِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامِه عليهم.
وأفضَلُ أحوالِ الأنبياءِ حالُ آدَمَ وأُولي العَزمِ من الرُّسُلِ الخَمسةِ: نوحٌ، وإبراهيمُ، وموسى، وعيسى، ومُحَمَّدٌ صَلَواتُ الله وسَلامُه عليهم، كما دَلَّ عليه صَراحةً حَديثُ الشَّفاعةِ 3221 ؛ فأهلُ المَحْشَرِ يَقصِدونَهم خاصَّةً من بينِ سائِرِ الأنبياءِ والمُرسَلينَ لكي يَشفَعوا لهم عِندَ الله لإراحَتِهم من هولِ المَوقِفِ، ومُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو أفضَلُ أهلِ المَحْشَرِ، وحالُه أفضَلُ أحوالِهم، فهو صاحِبُ الشَّفاعةِ العُظمى التي يَتَدافَعُها الأنبياءُ صَلَواتُ الله وسَلامُه عليهم جَميعًا 3222.
قال ابنُ حَجَرٍ في حَديثِ الشَّفاعةِ: (وفيه تَفضيلُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على جَميعِ الخَلقِ؛ لأنَّ الرُّسُلَ والأنبياءَ والمَلائِكةَ أفضَلُ مِمَّن سِواهم، وقد ظَهَرَ فضلُه في هذا المَقامِ عليهم، قال القُرطُبيُّ: ولَو لَم يَكُن في ذلك إلَّا الفَرقُ بينَ مَن يَقولُ: نَفسي نَفسي، وبينَ مَن يَقولُ: أمَّتي أمَّتي، لَكان كافيًا 3223. وفيه تَفضيلُ الأنبياءِ المَذكورينَ فيه على مَن لَم يُذكَر فيه لتَأهُّلِهم لذلك المَقامِ العَظيمِ دونَ من سِواهم. وقد قيلَ: إنَّما اختُصَّ المَذكورونَ بذلك لِمَزايا أخرى لا تَتَعَلَّقُ بالتَّفضيلِ؛ فآدَمُ لكَونِه والِدَ الجَميعِ، ونوحٌ لكَونِه الأبَ الثَّانيَ، وإبراهيمَ للأمرِ باتِّباعِ مِلَّتِه، وموسى لأنَّه أكثَرُ الأنبياءِ تَبَعًا، وعيسى لأنَّه أَولى النَّاسِ بنَبيِّنا مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كما ثَبَتَ في الحَديثِ الصَّحيحِ، ويُحتَمَلُ أن يَكونوا اختُصُّوا بذلك لأنَّهم أصحابُ شَرائِعَ عمِلَ بها من بَيْن مَن ذُكرَ أوَّلًا ومن بَعْدهـ) 3224.