قال اللهُ تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27] .

أي: يثبِّتُ اللهُ المُؤمِنينَ بالقَولِ الصَّادقِ الحَقِّ، الذي ثبَتَ في قُلوبِهم، وتمكَّنَ فيها، واطمأنَّتْ إليه نفوسُهم -وهو شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ- فيُثَبِّتُهم اللهُ في حياتِهم الدُّنيا على إيمانِهم باللهِ تعالى وبرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويُسلِّمُهم من الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، ويُثَبِّتُهم أيضًا في قُبورِهم عندَ سؤالِ المَلَكينِ 1490.

وعن البَراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: المُسلِمُ إذا سُئِلَ في القبرِ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. فذلك قولُه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ 1491.

وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ الله عنه، قال: شَهِدتُ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جِنازةً، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّها النَّاسُ، إنَّ هذه الأمَّةَ تُبتَلَى في قُبورِها، فإذا الإنسانُ دُفِنَ فتفَرَّقَ عنه أصحابُه، جاءه ملَكٌ في يَدِه مِطراقٌ فأقعَدَه، قال: ما تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فإن كان مؤمِنًا قال: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، فيقولُ: صَدَقتَ، ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ إلى النَّارِ، فيقولُ: هذا كان مَنزِلَك لو كفَرْتَ برَبِّك، فأمَّا إذ آمنتَ فهذا مَنزِلُك، فيُفتَحُ له بابٌ إلى الجنَّةِ، فيريدُ أن ينهَضَ إليه، فيقولُ له: اسكُنْ، ويُفسَحُ له في قَبرِه. وإن كان كافِرًا أو مُنافِقًا يقولُ له: ما تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فيقولُ: لا أدري، سَمِعتُ النَّاسَ يقولونَ شَيئًا! فيقولُ: لا دَرَيتَ، ولا تَلَيتَ 1492 ، ولا اهتَدَيتَ، ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ إلى الجنَّةِ فيقولُ: هذا مَنزِلُك لو آمنْتَ برَبِّك، فأمَّا إذ كفَرْتَ به فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أبدَلَك به هذا، ويُفتَحُ له بابٌ إلى النَّارِ، ثمَّ يَقمَعُه قَمعةً بالمِطراقِ يَسمَعُها خَلقُ اللهِ كُلُّهم غيرَ الثَّقَلينِ. فقال بعضُ القَومِ: يا رسولَ اللهِ، ما أحدٌ يقومُ عليه ملَكٌ في يَدِه مِطراقٌ إلَّا هِيلَ عند ذلك! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ 1493.

قال ابنُ جَريرٍ: (الصَّوابُ مِنَ القَولِ في ذلك ما ثَبَتَ به الخَبَرُ عَن رَسولِ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ذلك، وهو أنَّ مَعناه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا بالقَولِ الثَّابتِ في الحَياةِ الدُّنيا، وذلك تَثبيتُه إيَّاهم في الحَياةِ الدُّنيا بالإيمانِ باللهِ وبرَسولِه مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي الآخِرةِ بمِثلِ الَّذي ثَبَّتَهم به في الحَياةِ الدُّنيا، وذلك في قُبورِهم حينَ يُسألونَ عَنِ الَّذي هم عليه مِنَ التَّوحيدِ والإيمانِ برَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وأمَّا قَولُه: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ فإنَّه يعني: أنَّ اللَّهَ لا يوفِّقُ المُنافِقَ والكافِرَ في الحَياةِ الدُّنيا وفي الآخِرةِ عِندَ المَسألةِ في القَبرِ لِما هُدِيَ لَه مِنَ الإيمانِ المُؤمِنُ باللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) 1494.

وقال السَّمعانيُّ: (قَولُه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ القَولُ الثَّابتُ: كَلِمةُ التَّوحيدِ، وهيَ لا إلَه إلَّا اللَّهُ، وقال: يُثَبِّتُ اللَّهُ؛ لِأنَّه هو المُثَبِّتُ لِلإيمانِ في قُلوبِ المُؤمِنينَ.

وقَولُه: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يعني: قَبلَ المَوتِ. وقَولُه وَفِي الْآخِرَةِ أي: في القَبرِ، وعليه أكثَرُ أهلِ التَّفسيرِ، وقَد ثَبَتَ ذلك عَنِ النَّبيِّ برِوايةِ البراءِ بْنِ عازِبٍ، وهو قَولُ عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ، وعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ، وجَماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ.

واعلَمْ أنَّ سُؤالَ القَبرِ ثابتٌ في السُّنَّةِ، والإيمانُ به واجِبٌ، وقَد ورَدَت فيه الأخبارُ الكَثيرةُ... وفي الآيةِ قَولٌ آخَرُ: أنَّ الحَياةَ الدُّنيا هيَ القَبْرُ، وفي الآخِرةِ هيَ القيامةُ، والقَولُ الأوَّلُ أصَحُّ.

وقَولُه: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ مَعناه: أنَّه لا يَهَدي المُشرِكينَ إلَى هَذا الجَوابِ، ولا يُلقِّنُهم إيَّاه. وقَولُه: وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ التَّوفيقِ والخِذْلانِ والتَّثبيتِ وتَركِ التَّثبيتِ) 1495.

وقال ابنُ كَثيرٍ: (مِنَ المَلائِكةِ المُسَمَّينَ في الحَديثِ: مُنكَرٌ ونَكِيرٌ عليهما السَّلامُ، وقَدِ استَفاضَ في الأحاديثِ ذِكرُهما في سُؤالِ القَبرِ. وقَد أورَدناها عِندَ قَولِه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيَضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينِ ويَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ [إبراهيمَ: 27] . وهما فتَّانا القَبرِ، مُوكَلانِ بسُؤالِ المَيِّتِ في قَبرِه، عَن رَبِّه، ودينِه، ونَبيِّه، ويَمتَحِنانِ البَرَّ والفاجِرَ، وهما أزرَقانِ أفرَقانِ لَهما أنيابٌ وأشكالٌ مُزعِجةٌ وأصَواتٌ مُفزِعةٌ. أجارَنا اللَّهُ من عَذابِ القَبرِ، وثَبَّتَنا بالقَولِ الثَّابتِ. آمينَ) 1496.

وقال السَّعديُّ: (يُخبرُ تعالى أنَّه يُثبِّتُ عِبادَه المُؤمِنينَ، أي: الَّذينَ قاموا بما عليهم من إيمانِ القَلبِ التَّامِّ، الَّذي يَستَلزِمُ أعمالَ الجَوارِحِ ويُثَمِّرُها، فيُثبتُهمُ اللَّهُ في الحَياةِ الدُّنيا عِندَ وُرودِ الشُّبُهاتِ بالهدايةِ إلَى اليَقينِ، وعِندَ عُروضِ الشَّهَواتِ بالإرادةِ الجازِمةِ على تَقديمِ ما يُحِبُّه اللَّهُ على هوى النَّفسِ ومُراداتِها.

وفي الآخَرةِ عِندَ المَوتِ بالثَّباتِ على الدِّينِ الإسلاميِّ والخاتِمةِ الحَسَنةِ، وفي القَبرِ عِندَ سُؤالِ المَلَكينِ، لِلجَوابِ الصَّحيحِ، إذا قيلَ لِلمَيِّتِ «مَن رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَن نَبيُّكَ؟» هَداهم لِلجَوابِ الصَّحيحِ بأن يَقولَ المُؤمِنُ: «اللَّهُ رَبي، والإسلامُ ديني، ومُحَمَّدٌ نَبيِّي».

وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ عَنِ الصَّوابِ في الدُّنيا والآخِرةِ، وما ظَلمَهمُ اللَّهُ ولَكِنَّهم ظَلَموا أنفُسَهم، وفي هَذِه الآيةِ دَلالةٌ على فتنةِ القَبرِ وعَذابِه، ونَعيمِه، كَما تَواتَرت بذلك النُّصوصُ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الفتنةِ وصِفَتِها، ونَعيمِ القَبرِ وعَذابِهـ) 1497.

وعَن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنها قالت: دَخَلَ عليَّ رَسولُ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعِندي امرأةٌ مِنَ اليَهودِ، وهيَ تَقولُ: هَل شَعَرتُ أنَّكُم تُفتَنونَ في القُبورِ؟ قالت: فارتاعَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: إنَّما تُفتَنُ اليَهودُ. قالت عائِشةُ: فلَبِثْنا لياليَ، ثُمَّ قال رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هَل شَعَرتُ أنَّه أُوحِيَ إلَيَّ أنَّكُم تُفتَنونَ في القُبورِ؟!، قالت عائِشةُ: فسَمِعتُ رَسولَ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدُ: يَستَعيذُ من عَذابِ القَبرِ 1498.

قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (أمَّا قَولُه: أُوحِيَ إلَيَّ أنَّكُم تُفتَنونَ في قُبورِكُم فإنَّه أرادَ فتنةَ المَلَكينِ مُنكَرٍ ونَكيرٍ حينَ يَسألانِ العَبدَ: مَن رَبُّكَ وما دينُكَ ومَن نَبيُّكَ؟ والآثارُ في هَذا مُتَواتِرةٌ، وأهلُ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ كُلُّهم على الإيمانِ بذلك، ولا يُنكِرُه إلَّا أهلُ البِدَعِ) 1499.

وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (قَولُ اليَهوديَّةِ: إنَّكُم تُفتَنونَ في القُبورِ، أي: تُعَذَّبونَ. كَما قال اللَّهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، أي: عَذَّبوهم. وقَد قَدَّمنا أنَّ الفتنةَ تَنصَرِفُ على وُجوهٍ، وأنَّ أصلَها الاختِبارُ.

وهَذا الحَديثُ وما في مَعناه يَدُلُّ على صِحَّةِ اعتِقادِ أهلِ السُّنَّةِ في عَذابِ القَبرِ، وأنَّه حَقٌّ، ويَرُدُّ على المُبتَدِعةِ المُخالِفينَ في ذلك، وسَيأتي إنْ شاءَ اللَّهُ.

وارتياعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَ إخبارِ اليَهوديَّةِ بعَذابِ القَبرِ إنَّما هو على جِهةِ استِبعادِ ذلك لِلمُؤمِنِ؛ إذ لَم يَكُن أوحِيَ إلَيه في ذلك شَيءٌ. ولِذلك حَقَّقَه على اليَهودِ، فقال: إنَّما تُفتَنُ يَهودُ، على ما كانَ عِندَه من عِلمِ ذلك، ثُمَّ أخبَرَ أنَّه أوحِيَ إلَيه بوُقوعِ ذلك، وحينَئِذٍ تَعَوَّذَ مِنه، ولَمَّا استَعظَمَ الأمرَ واستَهولَه، أكثَرَ الاستِعاذةَ مِنه، وعَلَّمَها، وأمَرَ بها، وبإيقاعِها في الصَّلاةِ) 1500.

وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ في دُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللَّهَمُ إنِّي أَعوذُ بكَ من فتنةِ النَّارِ وعَذابِ النَّارِ، وفتنةِ القَبرِ وعَذابِ القَبرِ... 1501 : (فِتنةُ القَبرِ: هيَ الضَّلالُ عَن صَوابِ إجابةِ المَلَكينِ فيه، وهما: مُنكَرٌ ونَكِيرٌ -كَما تَقَدَّمُ- وعَذابُ القَبرِ: هو ضَربُ مَن لَم يوفَّقْ لِلجَوابِ بمَطارِقِ الحَديدِ، وتَعذيبُه إلَى يَومِ القيامةِ) 1502.

وقال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: ومن فتنةِ القَبْرِ، هي: سُؤالُ المَلَكينِ) 1503.

وعَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إذا قُبِرَ المَيِّتُ -أو قال: أحَدُكُم- أتاهَ مَلكانِ أسودانِ أزرَقانِ، يُقالُ لِأحَدِهما: المُنكَرُ، ولِلآخَرِ: النَّكيرُ، فيَقولانِ، ما كُنتَ تَقولُ في هَذا الرَّجُلِ؟ فيَقولُ: ما كانَ يَقولُ، هو عَبدُ اللَّهِ ورَسولُه، أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه. وإن كانَ مُنافِقًا، قال: سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ قَولًا، فقُلتُ مِثلَه، لا أدري... 1504.

قال علي القاري: ( إذا قُبِرَ المَيِّتُ، أي: دُفِن، وهو قَيدٌ غالِبيٌّ، وإلَّا فالسُّؤالُ يَشمَلُ الأمواتَ جَميعَها، حَتَّى إنَّ مَن مات وأكَلَتْه السِّباعُ، فإنَّ اللَّهَ تَبارك وتعالى يُعلِّقُ رُوحَه الَّذي فارَقَه بجُزئِه الأصليِّ الباقي من أوَّلِ عُمُرِه إلَى آخِرِه المُستَمِرِّ على حالِه... أتاهَ مَلَكانِ أسوَدانِ: مَنظَرُهما أزرَقانِ: أعيُنُهما، وإنَّما يَبعَثُهما اللَّهُ على هَذِه الصِّفةِ لِما في السَّوادِ وزُرقةِ العَينِ مِنَ الهولِ والوَحْشةِ، ويَكونُ خوفُهما على الكُفَّارِ أشَدَّ؛ ليَتَحَيَّروا في الجَواب، وأمَّا المُؤمِنونَ فلَهم في ذلك ابتِلاءٌ، فيُثبِّتُهمُ اللَّهُ فلا يَخافونَ، ويأمَنونَ جَزَاءً لِخوفِهم مِنه في الدُّنيا) 1505.

وعن ابنِ شماسةَ المهريِّ قال: حَضَرْنا عَمْرَو بنَ العاصِ، وهو في سِياقَةِ المَوْتِ، يَبَكِي طَوِيلًا، وحَوَّلَ وجْهَهُ إلى الجِدارِ، فَجَعَلَ ابنُهُ يقولُ: يا أبَتاهُ، أما بَشَّرَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَذا؟ أما بَشَّرَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَذا؟ قالَ: فأقْبَلَ بوَجْهِهِ، فقالَ: إنَّ أفْضَلَ ما نُعِدُّ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، إنِّي قدْ كُنْتُ علَى أطْباقٍ ثَلاثٍ؛ لقَدْ رَأَيْتُنِي وما أحَدٌ أشَدَّ بُغْضًا لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنِّي، ولا أحَبَّ إلَيَّ أنْ أكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ منه فَقَتَلْتُهُ، فلوْ مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَكُنْتُ من أهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقُلتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قالَ: ما لكَ يا عَمْرُو؟ قالَ: قُلتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قالَ: تَشْتَرِطُ بماذا؟ قُلتُ: أنْ يُغْفَرَ لِي، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها؟ وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا أجَلَّ في عَيْنِي منه، وما كُنْتُ أُطِيقُ أنْ أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجْلالًا له، ولو سُئِلْتُ أنْ أصِفَهُ ما أطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أكُنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه، ولو مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَرَجَوْتُ أنْ أكُونَ من أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ ولِينا أشْياءَ ما أدْرِي ما حالِي فيها، فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْنِي نائِحَةٌ، ولا نارٌ، فإذا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرابَ شَنًّا، ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ ويُقْسَمُ لَحْمُها، حتَّى أسْتَأْنِسَ بكُمْ، وأَنْظُرَ ماذا أُراجِعُ به رُسُلَ رَبِّي 1506.

وقال النَّوويُّ في قَولِ عَمْرِو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عَنه (فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْني نائِحةٌ ...): (فيه فوائِدُ، مِنها: إثباتُ فتنةِ القَبرِ وسُؤالِ المَلَكينِ، وهو مَذهَبُ أهلِ الحَقِّ) 1507.

وعَن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنها أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنِّي قَد رأيتُكُم تُفتَنونَ في القُبورِ كَفتنةِ الدَّجالِ، قالت عائِشةُ: فكُنتُ أسمَعُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ ذلك، يَتَعَوَّذُ من عَذابِ النَّارِ، وعَذابِ القَبرِ 1508.

قال النَّوويُّ: (قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: رأيتُكُم تُفتَنونَ في القُبورِ، وفي آخِرِه يَتَعَوَّذُ من عَذابِ القَبرِ، فيه: إثباتُ عَذابِ القَبرِ وفتنَتِه، وهو مَذهَبُ أهلِ الحَقِّ، ومَعنَى تُفْتَنونَ تُمتَحَنونَ، فيُقالُ: ما عَلِمُكَ بهَذا الرَّجُلِ؟ فيَقولُ المُؤمِنُ: هو رَسولُ اللَّهِ؛ ويَقولُ المُنافِقُ: سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ شَيئًا فقُلتُه، هَكَذا جاءَ مُفسَّرًا في الصَّحيحِ 1509. قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كَفِتنةِ الدَّجَّالِ أي: فتنةً شَديدةً جِدًّا، وامتِحانًا هائِلًا، ولَكِنْ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا بالقَولِ الثَّابتِ) 1510.

ومن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في فِتنةِ القَبْرِ:

1- قال أبو حَنيفةَ: (سُؤالُ مُنكَرٍ ونَكيرٍ حَقٌّ؛ لِورودِ الأحاديثِ) 1511.

2- قال الشَّافِعيُّ: (إنَّ عَذابَ القَبرِ حَقٌّ، ومُساءَلةَ أهلِ القُبورِ حَقٌّ، والبَعثَ والحِسابَ والجَنَّةَ والنَّارَ وغَيرَ ذلك مِمَّا جاءَت به السُّنَنُ وظَهَرَت على ألسِنةِ العُلَماءِ وأتباعِهم من بلادِ المُسْلِمينَ حَقٌّ) 1512.

3- قال أحمَدُ بنُ حَنبلٍ: (الإيمانُ بعَذابِ القَبرِ وأنَّ هَذِه الأمَّةَ تُفتَنُ في قُبورِها، وتُسأَلُ عَنِ الإيمانِ والإسلامِ، ومَن رَبُّه؟ ومَن نَبيُّه؟ ويأتيه مُنكَرٌ ونَكيرٌ كَيف شاءَ اللَّهُ، وكَيف أرادَ، والإيمانُ به، والتَّصديقُ بهـ) 1513.

وقال حَنْبلُ بنُ إسحاقَ: سَمِعتُ أبَا عَبدِ اللهِ يَقولُ: (نُؤمِنُ بعَذابِ القَبرِ، وبمُنكَرٍ ونَكيرٍ، وأنَّ العَبدَ يُسأَلُ في قَبرِه، فـ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ: في القَبرِ) 1514.

4- قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: (نُؤمِنُ بالمُساءَلةِ في القَبْرِ) 1515.

5- قال حَربُ بنُ إسماعيلَ الكرمانيُّ: (ومُنكَرٌ ونَكيرٌ حَقٌّ، وهما فتَّانا القبورِ. نسألُ اللهَ الثَّباتَ) 1516.

6- قال ابنُ جَريرٍ: (والمَسألةُ على مَن أنكَرَ مُنكَرًا ونَكيرًا، ودَفعَ صِحَّةَ الخَبَرِ الَّذي رُوي عَن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: إنَّ المَيِّتَ ليَسمَعُ خَفْقَ نِعالِهم ، يعني: نِعالَ من حَضَرَ قَبْرَه، إذا وَلَّوا مُدْبِرينَ...وما أشبَه ذلك مِنَ الأخبارِ الوارِدةِ عَن رَسولِ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المَوتَى، كالمَسألةِ على مَن أنكَرِ عَذابَ القَبرِ سَواءً؛ لِأنَّ عِلَّتَهم في جَميعِ إنكارِ ذلك عِلَّةٌ واحِدةٌ، وعَلَّتُنا في الإيمانِ بجَميعِه والتَّصديقِ به عِلَّةٌ واحِدةٌ، وهو تَظاهرُ الأخبارِ عَن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم به، مَعَ جَوازِه في العَقلِ وصِحَّتِه فيه؛ وذلك أنَّ الحَياةَ مَعنًى، والآلامَ واللِّذاتِ والمَعلومَ مَعانٍ غَيرُه، وغَيرُ مُستَحيلٍ وُجودُ الحَياةِ مَعَ فقدِ هَذِه المَعاني، ووُجودُ هَذِه المَعاني مَعَ فقدِ الحَياةِ، لا فرقَ بينَ ذلك) 1517.

7- قال الطَّحاويُّ: (نُؤمِنُ بمَلَكِ المَوتِ الموكَّلِ بقَبضِ أرواحِ العالَمينَ، وبعَذابِ القَبرِ لِمَن كانَ لَه أهلًا، وسُؤالِ مُنكَرٍ ونَكيرٍ في قَبرِه عَن رَبِّه ودينِه ونَبيِّه، على ما جاءَت به الأخبارُ عَن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعَنِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللَّهِ عليهم) 1518.

8- قال أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ: (أجمَعوا على أنَّ عَذابَ القَبرِ حَقٌّ، وأنَّ النَّاسَ يُفتَنونَ في قُبورِهم بَعدَ أن يَحيَوا فيها، ويُسأَلون، فيُثَبِّتُ اللَّهُ مَن أحَبَّ تَثبيتَهـ) 1519.

9- قال أبو بَكرٍ الإسماعيليُّ: (اعلَموا رَحِمنا اللَّهُ وإيَّاكُم أنَّ مَذهَبَ أهلِ الحَديثِ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ... ويُؤمِنونَ بمَسألةِ مُنكَرٍ ونَكيرٍ على ما ثَبَتَ به الخَبَرُ عَن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مَعَ قَولِ اللَّهِ تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ [إبراهيم: 27] وما ورَدَ تَفسيرُه عَنِ النَّبيِّ) 1520.

10- قال ابنُ أبي زَيدٍ في ذِكرِ اعتِقادِ أهلِ السُّنَّةِ: (وأنَّ المُؤمنينَ يُفتَنونَ في قُبورِهم ويُضغَطونَ ويُبْلَونَ، ويُثَبِّتُ اللَّهُ مَنطِقَ مَن أحَبَّ تَثبيتَهـ) 1521.

11- قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (أهلُ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ مُصَدِّقونَ بفتنةِ القَبرِ وعَذابِ القَبرِ؛ لِتَوافُرِ الأخبارِ بذلك عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) 1522.

12- قال أبو اليَسرِ البَزدَويُّ: (وسُؤالُ مُنكَرٍ ونَكيرٍ في القَبرِ حَقٌّ عِندَ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ، وهما مَلَكانِ يَسألانِ مَن مات بَعدَ ما حَيِىَ: مَن رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَن نَبيُّكَ؟ فيَقْدِرُ المُؤمِنُ على الجَوابِ، ولا يَقْدِرُ الكافِرُ، وفيه أحاديثُ كَثيرةٌ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) 1523.

13- قال ابنُ تيميَّةَ: (ما أخبَرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أمرِ الجَنةِ والنَّارِ والبَعثِ والحِسابِ وفتنةِ القَبرِ والحَوضِ وشَفَاعةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أهلِ الكَبائِرِ؛ فإنَّ هَذِه الأُصولَ كُلَّها مُتَّفَقٌ عليها بينَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ) 1524.

وقال أيضًا: (أمَّا الفِتْنةُ في القُبورِ فهيَ الامتِحانُ والاختِبارُ لِلمَيِّتِ حينَ يَسألُه المَلَكانُ فيَقولانِ لَه: ما كُنتَ تَقولُ في هَذا الرَّجُلِ الَّذي بُعِثَ فيكُم «مُحَمَّدٌ»؟ فيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا بالقَولِ الثَّابتِ... وقَد تَواتَرَتِ الأحاديثُ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هَذِه الفتنةِ من حَديثِ البراءِ بن عازِبٍ وأنسِ بنِ مالِكٍ وأبي هُرَيرةَ وغَيرِهم رَضِيَ اللَّهُ عَنهم، وهيَ عامَّةٌ لِلمُكَلَّفينَ، إلَّا النَّبيِّينَ فقَدِ اختُلِفَ فيهم. وكَذلك اختُلِفَ في غَيرِ المُكَلَّفينَ، كالصِّبيانِ والمَجَانِينِ. فقيلَ: لا يُفتَنونَ؛ لِأنَّ المَحنةَ إنَّما تَكونُ لِلمُكَلَّفينَ، وهَذا قَولُ القاضي وابنِ عَقيلٍ. وعلى هَذا فلا يُلَقَّنونَ بَعدَ المَوتِ. وقيلَ: يُلَقَّنونَ ويُفتَنونَ أيضًا. وهَذا قَولُ أبي حَكيمٍ وأبي الحَسَنِ بنِ عَبْدوسٍ، ونَقَلَه عَن أصحابِه، وهو مُطابقٌ لِقَولِ مَن يَقولُ: إنَّهم يُكلَّفونَ يَومَ القيامةِ كَما هو قَولُ أكثَرِ أهْلِ العِلمِ وأهْلِ السُّنَّةِ من أهلِ الحَديثِ والكَلامِ. وهو الَّذي ذَكرَه أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنه، عَن أهلِ السُّنَّةِ، واختارَه، وهو مُقتَضَى نُصوصِ الإمامِ أحمَدَ) 1525.

وقال أيضًا: (مِنَ الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ: الإيمانُ بكُلِّ ما أخبَرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِمَّا يَكونُ بَعدَ المَوتِ؛ فيُؤمِنونَ بفتنةِ القَبرِ وبعَذابِ القَبرِ وبنَعيمِه. فأمَّا الفِتنةُ: فإنَّ النَّاسَ يُفتَنونَ في قُبورِهم، فيُقالُ لِلرَّجُلِ: مَن رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَن نَبيُّكَ؟ فـ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: 27] ) 1526.

14- قال الكَمالُ ابنُ الهُمامِ: (سُؤالُ مُنكَرٍ ونَكيرٍ وعَذابُ القَبرِ ونَعيمُه: ورَدَ بهما الأخبارُ وتَعَدَّدَتْ طُرُقُها ...) 1527.

15- قال ابنُ عُثَيمين: (قَولَه يعني ابنَ تيميَّةَ: «فيُؤمِنونَ بفتنةِ القَبرِ وبعَذابِ القَبرِ ونَعيمِه»: الفتنةُ هنا الاختِبارُ، والمُرادُ بفتنةِ القَبرِ: سُؤالُ المَيِّتِ إذا دُفِنَ: عَن رَبِّه ودينِه ونَبيِّه. والضَّميرُ في «يُؤمِنونَ»: يَعودُ على أهلِ السُّنَّةِ، أي: أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعةِ يُؤمِنونَ بفتنةِ القَبرِ، وذلك لِدَلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عليها.

- أمَّا الكِتابُ؛ ففي قَولِه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: 27] ؛ فإنَّ هَذا في فتنةِ القَبرِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحيحينِ وغَيرِهما من حَديثِ البراءِ بنِ عازِبٍ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّه عليه وعلى آلِه وسَلَّمَ.

- وأمَّا السُّنَّةُ؛ فقَد تَضافرَت بأنَّ الإنسانَ يُفتَنُ في قَبرِه، وهيَ فِتنةٌ قال فيها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّه قَد أُوحِيَ إلَيَّ أنَّكُم تُفتَنونَ في قُبورِكُم مِثلَ -أو: قَريبًا مِن- فتنةِ الدَّجَّالِ ... وما أعظَمَها من فتنةٍ! لِأنَّ الإنسانَ يَتَلَقَّى فيها السُّؤالَ الَّذي لا يُمكِنُ الجَوابُ عليه إلَّا على أساسٍ مَتينٍ مِنَ العَقيدةِ والعَمَلِ الصَّالِحِ.

قَولُه: «فأمَّا الفِتنةُ فإنَّ النَّاسَ يُفتَنونَ في قُبورِهم»: هَذا شُروعٌ في بَيانِ كَيفيَّةِ فتنةِ المَيِّتِ في قَبرِه. وكَلِمةُ «النَّاسِ» عامَّةٌ، وظاهرُ كَلامِ المُؤَلِّفِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ حَتَّى الأنبياءَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداءَ والمُرابطينَ وغَيرَ المُكَلَّفينَ مِنَ الصِّغارِ والمَجانينِ يُفتَنونَ في قُبورِهم، وفي هَذا تَفصيلٌ؛ فنَقولُ:

أوَّلًا: أمَّا الأنبياءُ فلا تَشمَلُهمُ الفِتنةُ، ولا يُسأَلونَ؛ وذلك لِوجهَينِ:

الأوَّلُ: أنَّ الأنبياءَ أفضَلُ مِنَ الشُّهداءِ، وقَد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الشَّهيدَ يوقَى فتنةَ القَبرِ، وقال: كَفى ببارِقةِ السُّيُوفِ على رأسِه فِتنةً . أخرَجَه النَّسائيُّ 1528.

الثَّاني: أنَّ الأنبياءَ يُسألُ عَنهم؛ فيُقالُ لِلمَيِّتِ: مَن نَبيُّكَ؟ فهمُ مَسؤولٌ عَنهم، ولَيسوا مَسؤولينَ؛ ولِهَذا قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّه أوحيَ إلَيَّ أنَّكُم تُفتَنونَ في قُبورِكُم ، والخِطابُ لِلأمَّةِ المُرْسَلِ إلَيهم؛ فلا يَكونُ الرَّسولُ داخِلًا فيهم.

ثانيًا: وأمَّا الصِّدِّيقونَ فلا يُسأَلونَ؛ لِأنَّ مَرتَبةَ الصِّدِّيقينَ أعلَى من مَرتَبةِ الشُّهداءِ؛ فإذا كانَ الشُّهداءُ لا يُسأَلونَ؛ فالصِّدِّيقونَ من بابِ أَولَى، ولِأنَّ الصِّدِّيقَ على وصفِه مُصَدِّقٌ وصادِقٌ؛ فهو قَد عُلِمَ صِدْقُه؛ فلا حاجةَ إلَى اختِبارِه؛ لِأنَّ الاختِبارَ لِمَن يُشَكُّ فيه: هَل هو صادِقٌ أو كاذِبٌ، أمَّا إذا كانَ صادِقًا فلا حاجةَ تَدعو لِسُؤالِه، وذَهَبَ بَعضُ العُلَماءِ إلَى أنَّهم يُسأَلونَ؛ لِعُمومِ الأدِلَّةِ. واللَّهُ أعلَمُ.

ثالِثًا: وأمَّا الشُّهَداءُ الَّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللَّهِ؛ فإنَّهم لا يُسأَلونَ؛ لِظُهورِ صِدْقِ إيمانِهم بجِهادِهم. قال اللَّهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ الآيةَ [التوبة: 111] ، وقال: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169] ، وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كَفى ببارِقةِ السُّيوفِ على رأسِه فِتنةً، وإذا كانَ المُرابطُ؛إذا مات أمنَ الفَتَّانَ؛ لِظُهورِ صِدْقِه، فهَذا الَّذي قُتِلَ في المَعرَكةِ مِثلُه أو أَولَى مِنه؛ لِأنَّه بَذلَ وعَرَضَ رَقبَتَه لِعَدُوِّ اللَّهِ؛ إعلاءً لِكَلِمةِ اللَّهِ، وانتِصارًا لدينِه، وهَذا من أكبَرِ الأدِلَّةِ على صِدْقِ إيمانِه.

رابعًا: وأمَّا المُرابطونُ فإنَّهم لا يُفتَنونَ؛ ففي صَحيح مُسلم أنَّ رَسولَ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: رِباطُ يَومٍ ولَيلةٍ خَيرٌ من صيامِ شَهرٍ وقيامِه، وإن مات جَرَى عليه عَمَلُه الَّذي كانَ يَعمَلُه، وأُجريَ عليه رِزقُه، وأمِنَ الفَتَّانَ 1529.

خامِسًا: الصِّغارُ والمَجَانينُ؛ هَلْ يُفتَنونَ أو لا يُفتَنونَ؟ قال بَعضُ العُلَماءِ: إنَّهم يُفتَنونَ؛ لِدُخولِهم في العُمومِ، ولِأنَّهم إذا سَقَطَ التَّكليفُ عَنهم في حالِ الحَياةِ، فإنَّ حالَ المَمَاتِ تُخالِفُ حالَ الحَياةِ. وقال بَعضُ العُلَماءِ: إنَّ المَجَانينَ والصِّغارَ لا يُسأَلونَ؛ لِأنَّهم غَيرُ مُكَلَّفينَ، وإذا كانوا غَيرَ مُكَلَّفينَ، فإنَّه لا حِسابَ عليهم؛ إذ لا حِسابَ إلَّا على مَن كانَ مُكَلَّفًا يُعاقَبُ على المَعاصي، وهَؤُلاءِ لا يُعاقَبونَ، ولَيسَ لَهم إلَّا الثَّوابُ؛ إنْ عَمِلوا عَمَلًا صالِحًا يُثابونَ عليه.

إذًا خَرَجَ من قَولِ المُؤَلِّفِ: «فإنَّ النَّاسَ»: خَمسةُ أصنافٍ: الأنبياءُ، والصِّدِّيقونَ، والشُّهَداءُ، والمُرابِطونَ، ومَن لا عَقْلَ لَه، كالمَجَانينِ والصِّبيانِ.

تَنبيهٌ: النَّاسُ ثَلاثةُ أقسامٍ: مُؤمِنونَ خُلَّصٌ، ومُنافِقونَ، وهَذانِ القِسمانِ يُفتَنونَ، والثَّالِثُ كُفَّارٌ خُلَّصٌ؛ ففي فتنَتِهم خِلافٌ، وقَد رَجَّحَ ابنُ القيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ أنَّهم يُفتَنونَ.

وهل تُسأَلُ الأمَمُ السَّابقةُ؟ ذَهَبَ بَعضُ العُلَماءِ -وهو الصَّحيحُ- إلَى أنَّهم يُسأَلونَ؛ لِأنَّه إذا كانَت هَذِه الأمَّةُ -وهيَ أشرَفُ الأُمَمِ- تُسأَلُ، فمَن دونَها من بابِ أَولَى.

قَولُه: «في قُبورِهم»: جَمعُ قَبرٍ، وهيَ مَدفَنُ الأمواتِ، والمُرادُ ما هو أعَمُّ، فيَشمَلُ البَرزَخَ، وهو ما بينَ مَوتِ الإنسانِ وقيامِ السَّاعةِ، سَواءٌ دُفِنَ المَيِّتُ أو أكَلَتْه السِّباعُ في البَرِّ أوِ الحِيتانُ في البَحرِ أو أتلَفَتْه الرِّياحُ.

والظَّاهِرُ أنَّ الفِتنةَ لا تَكونُ إلَّا إذا انتَهَتِ الأحوالُ الدُّنيويَّةُ، وسُلِّمَ إلَى عالَمِ الآخِرةِ، فإذا تأخَّرَ دَفنُه يَومًا أو أكثَرَ، لَم يَكُنِ السُّؤالُ حَتَّى يُدفَنَ.

قَولُه: «فيُقالُ لِلرَّجُلِ»: القائِلُ مَلَكانِ يأتيانِ إلَى الإنسانِ في قَبرِه، ويُجلِسانِه، ويَسألانِه، حَتَّى إنَّه ليَسمَعُ قَرْعَ نِعالِ المُنصَرِفينَ عَنه، وهما يَسألانِه؛ ولِهَذا كانَ من هَدَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه إذا دُفِنَ المَيِّتُ وقَف عليه وقال: «استَغفِروا لِأخيكُم، واسألُوا لَه التَّثبيتَ؛ فإنَّه الآنَ يُسأَلُ» 1530 1531.

وقال ابنُ عُثَيمين أيضًا: (أوَّلُ شَيءٍ يَكونُ بَعدَ المَوتِ فتنةُ القَبرِ؛ فإنَّ النَّاسَ يُفتَنونَ -أي: يُختَبرونَ- في قُبورِهم، فما من إنسانٍ يَموتُ سَواءٌ دُفِنَ في الأرضِ، أو رُميَ في البَرِّ، أو أكَلَتْه السِّبَاعُ، أو ذَرَتْه الرِّياحُ، إلَّا ويُفتَنُ هَذِه الفِتنةَ، فيُسألُ عَن ثَلاثةِ أمورٍ: مَن رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَن نَبيُّكَ؟

فأمَّا المُؤمِنُ فيَقولُ: رَبِّيَ اللَّهُ -جَعَلَنا اللَّهُ مِنهم- وديني الإسلامُ، ونَبيِّي مُحَمَّدٌ، فيُنادِي مَنادٍ مِنَ السَّماءِ أنْ صَدَقَ عَبدي، وحينَئِذٍ يُفسَحُ لَه في قَبرِه مَدَّ البَصَرِ، ويُفرَشُ لَه فِراشٌ مِنَ الجَنَّةِ، ويُفتَحُ لَه بابٌ إلَى الجَنَّةِ فيأتيه من رَوحِها ونَعيمِها، وهَذِه الحالُ بلا شَكٍّ أكمَلُ من حالِ الدُّنيا.

أمَّا إذا كانَ كافِرًا أو مُنافِقًا فإنَّه إذا سُئِلَ مَن رَبُّكَ؟ ما دينُكَ؟ ومَن نَبيُّكَ؟ فيَقولُ: هاه هاه لا أدري. سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ شَيئًا فقُلْتُه.

وتأمَّلْ ماذا تَدُلُّ عليه كَلِمةُ «هاه هاه»، فإنَّها تَدُلُّ على أنَّ هَذا المُجيبَ كأنَّه يَتَذَكَّرُ شَيئًا يَبحَثُ عَنه، ولَكِن يَعجِزُ عَنِ استِحضارِه، وكَونُ الإنسانِ يَتَذَكَّرُ شَيئًا ويَعجِزُ عَنِ استِحضارِه أشَدُّ ألَمًا من كَونِه لا يَدري عَنه بالكُلِّيةِ، فلَو سُئِلتَ عَن شَيءٍ وأنتَ لا تَعلَمُ عَنه، فقُلتَ: لا أدري. فهَذا نَقْصٌ بلا شَكٍّ، لَكِن لا يوجِبُ حَسرةً، لَكِن لَو أنتَ سُئِلتَ عَن شَيءٍ وكُنتَ تَعلَمُه ثُمَّ عَجَزتَ عَنه، فإنَّ ذلك حَسرةٌ؛ ولِهَذا يَقولُ: «هاه هاه» كأنَّه يَتَذَكَّرُ شَيئًا «لا أدري، سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ شَيئًا فقُلتُه»...

هَذِه الفتنةُ يَجِبُ الإيمانُ بها؛ لِأنَّ الإيمانَ بها مِنَ الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ، فإن قُلتَ: كَيف يَكونُ الإيمانُ بها مِنَ الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ وهيَ في الدُّنيا؟ فالجَوابُ: أنَّ الإنسانَ إذا مات فقَد قامَت قيامَتُهـ) 1532.