ذَكَر مؤرِّخو الشِّيعةِ أنَّ أهلَ الكوفةِ كَتَبوا إلى الحُسَينِ نحوًا من مائةٍ وخمسين كتابًا، فيها: (بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، للحُسَينِ بنِ عَليٍّ أميرِ المُؤمِنين من شيعتِه وشيعةِ أبيه عليٍّ أميرِ المُؤمِنين. سلامُ اللَّهِ عليك، أمَّا بعدُ! فإنَّ النَّاسَ منتَظِروك، ولا رأيَ لهم غيرُك، فالعَجَلَ العجَلَ يا ابنَ رسولِ اللَّهِ! والسَّلامُ عليكم ورحمةُ اللَّهِ) 760 .
وفي كتابٍ آخَرَ: (أمَّا بعدُ؛ فقد اخضَرَّت الجنَّاتُ، وأينَعَت الثِّمارُ، فإذا شِئتَ فأقبِلْ على جُندٍ لك مجنَّدةٍ، والسَّلامُ) 761 .
ولمَّا تتابعَت إليه كتُبُ الشِّيعةِ وتوالى الرُّسُلُ، أرسَل إليهم ابنَ عَمِّه مُسلِمَ بنَ عَقيلٍ، فانثَلَّ عليه أهلُ الكوفةِ، واجتَمَعوا حولَه، فبايعوه وهم يبكون، وتجاوَز عددُهم ثمانيةَ عَشَرَ ألفًا، وبعدَ أيَّامٍ كتَب مُسلِمُ بنُ عَقيلٍ إلى الحُسَينِ: إنَّ لك مائةَ ألفِ سَيفٍ، ولا تتأخَّرْ 762 .
فكَتَب الحُسَينُ رَدًّا على كتابِ مُسلِمِ بنِ عَقيلٍ: (قد شخَصْتُ من مكةَ يومَ الثُّلاثاءِ لثمانٍ مَضَينَ من ذي الحِجَّةِ يومَ التَّرويةِ، فإذا قَدِم عليكم رسولي فانكَمِشوا في أمرِكم وجِدُّوا؛ فإني قادِمٌ إليكم) 763 .
ثمَّ انقَلَبت الأمورُ، وخَذَل الشِّيعةُ الحُسَينَ، وقُتِل مُسلِمُ بنُ عَقيلٍ بدونِ ناصرٍ ومُعينٍ، ولمَّا بلغ الحُسَينَ نَعْيُه، وواجهه عَسكَرُ ابنُ زيادٍ الذي خرج من الكوفةِ، قال: (أيُّها النَّاسُ، إنِّي لم آتِكم حتى أتَتْني كتُبُكم أنِ اقدَمْ علينا؛ فإنَّه ليس لنا إمامٌ، لعَلَّ اللَّهَ يجمَعُنا بك على الهدى والحَقِّ، فإن كنتُم على ذلك فقد جئتُكم، فأعطوني ما أطمَئِنُّ إليه من عهودِكم ومواثيقِكم، وإن لم تفعَلوا، وكنتم لقدومي كارهينَ انصَرَفْتُ عنكم إلى المكانِ الذي جئتُ منه إليكم) 764 .
قال محسِن الأمين: (بايع الحُسَينَ من أهلِ العِراقِ عِشرون ألفًا غدَروا به وخرجوا عليه، وبيعتُه في أعناقِهم، وقَتَلوهـ) 765 .
وقال اليعقوبيُّ عن أهلِ الكوفةِ لَمَّا قتلوا الحُسَينَ: (انتهبوا مضارِبَه، وابتَزُّوا حَرَمَه، وحملوهنَّ إلى الكوفةِ، فلمَّا دخَلْنَ إليها خرَجَتْ نساءُ الكوفةِ يصرُخنَ ويبكينَ، فقال عَليُّ بنُ الحُسَين: هؤلاء يبكينَ علينا، فمَن قتَلَنا؟!) 766 .