كان مَوقِفُ الحاكِمِ بأمرِ اللَّهِ مِنَ اليهودِ والنَّصارى هو اضطِهادُهم وهَدمُ كنائِسِهم وبِيَعِهم، ثُمَّ تحَوَّل في آخِرِ عُمرِه عن هذا الاضطِهادِ المُنَظَّمِ بَعدَ ظُهورِ الدَّعوةِ الجَديدةِ لتَأليهِه على يدِ حَمزةَ.
وقد حَرَصَ دُعاةُ الدُّروزِ على إثباتِ أنَّ المَسيحَ الذي بَشَّرَ به موسى عليه السَّلامُ هو حَمزةُ بنُ عَليٍّ، وقد ورَدَ مَوقِفُهم هذا في (الرِّسالةِ المَوسومةِ بالإسرائيليَّاتِ الدَّامِغةِ لأهلِ اللُّدودِ والجُحودِ، أعني الكفرةَ مِن أهلِ شَريعةِ اليهودِ) وهي مِن تَأليفِ بَهاءِ الدِّين.
وقد بَدَأ بَهاءُ الدِّينِ هذه الرِّسالةَ بالرَّدِّ على اليهودِ في عَدَمِ جَوازِ نَسخِ الشَّرائِعِ؛ حَيثُ قال: (العِلَّةُ التي أوجَبَ بها اليهودُ إرسالَ موسى لا تَزالُ باقيةً، وإلَّا لم تَقُمْ حُجَّةُ موسى على أصحابِه ولا على مَن أقَرَّ بإبراهيمَ). وحُجَّةٌ أُخرى: (هي أنَّ مَن شَرعَ شَريعةً هو مُحدَثٌ، فموسى مُحدَثٌ مَخلوقٌ، ولا شَكَّ أنَّ الشَّارِعَ للشَّريعةِ أفضَلُ مِنَ الشَّريعةِ التي شَرَعَها؛ إذ إنَّ الشَّريعةَ لا تَقومُ بنَفسِها، بل هي مُحتاجةٌ إلى القائِمِ بها العالِمِ الفاضِلِ، وإذا كان واجِبًا رَفعُ القائِمِ بالشَّريعةِ وفناؤُه وزَوالُه فمُمكِنٌ إبطالُ الشَّريعةِ ورَفعُها) 3558 .
ولذلك قَرَّرَ بَهاءُ الدِّينِ أنَّ اليهودَ يتَرَقَّبونَ مَن سيكونُ الفرَجُ على يدَيه، وهو أفضَلُ مِن موسى ومِن إبراهيمَ، وأنَّه يأتي بالآياتِ والبَراهينِ، ويدعو الخَلقَ إلى تَوحيدِ رَبِّ العالَمينَ، فمِمَّا استُدِلَّ به على ظُهورِ قائِمِ الزَّمانِ حَمزةَ بنِ عَليٍّ قَولُ التَّوراةِ: (صَوتُ مُنادٍ في القِفارِ، انصِبوا للَّهِ طُرُقًا، وأقيموا في الفيافي طُرُقَكم، ستَرتَفِعُ الوطأةُ، وتَنخَفِضُ الجِبالُ والكَدأةُ، وتَكونُ المُعوجَّةُ مُستَقيمةً، والوَعرةُ تَكونُ طَريقُها سَهلةً، ويظهَرُ جَلالُ اللَّهِ) 3559 .
وأيضًا قَولُ داوُدَ في الزَّبورِ بذِكرِ قائِمِ الحَقِّ، وهو: قال السَّيِّدُ لسَيِّدي: اجلِسْ عن يميني حتَّى أجعَلَ عَدَدَ أعدائِك كُرسيَّ رِجلَيك، فعَظَّم داوودَ وسُوَرَه وأقَرَّ له بالخُنوعِ والخُضوعِ؛ لأنَّه يملكُ جَميعَ الدُّنيا ويحوزُ مِنَ البَحرِ إلى لَدُنِ الأنهارِ إلى مُنقَطَع الأرضِ، والذي تنحَرُ الجَبابرةُ له بَينَ يدَيه على رُكبِهم، ويجلسُ أعداؤُه على التُّرابِ، وتَأتيه المُلوكُ بالقَرابينِ، ويُسجَدُ له وتَدينُ الأُمَمُ كُلُّها بطاعَتِه والانقيادِ؛ لأنَّه يُخلِّصُ المُضطَهَدَ البائِسَ مِمَّن هو أقوى مِنه، مالِكُ الجَميعِ صَلَّى اللَّهُ عليه 3560 .
قال بَهاءُ الدِّين مُخاطِبًا اليهودَ: (فهذه صِفاتٌ لا يدَّعيها أحَدٌ مِنَ الأنبياءِ، ومَناقِبُ ليست تَكونُ إلَّا لقائِمِ الحَقِّ، قائِمِ القيامةِ... وأنتم أيُّها اليهودُ وجَميعُ أهلِ الشَّرعِ في سَكرَتِكم تَعمَهونَ، وقد ضَلَلتُم عَمَّا كان عليه الأسلافُ المُحِقُّونَ له ينتَظِرونَ، فلو كُنتُم يا جَماعةَ اليهودِ رَجَعتُم إلى الباري واتَّبَعتُم هاديَه ودَليلَه وقَبِلتُم أمرَه، وسَلَكتُم طَريقَ الحَقِّ وسَبيلَه، وحَفِظتُم ميثاقَ الذي واثَقَكم عليه، وسَلَّمتُم عن أمرٍ تَمَّ بالتَّسليمِ إليه، لَرَجَعَ إليكم بالمَغفِرةِ وتَلَقَّاكم بالتَّوبةِ، وأنقَذَكم مِن أيدي أعدائِكم) 3561 .