الزَّيديَّةُ: هي إحدى فِرَقِ الشِّيعةِ، وترجِعُ نِسبتُها إلى زَيدِ بنِ عَليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ (ت 122 هـ).

وكان يرى صِحَّةَ إمامةِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم جميعًا، إلَّا أنَّه يرى تفضيلَ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ على سائِرِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنه وعنهم جميعًا. ويرى الخُروجَ على أئمَّةِ الجَورِ 225 .

قال السَّمعانيُّ: (هذه النِّسبةُ إلى زَيدِ بنِ عَليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، والجماعةُ من الزَّيديَّةِ ينتَسِبون إليه إمَّا نَسَبًا أو مَذهَبًا، وسُمِّيَ الرَّوافضُ بهذا الاسمِ في زمانِه؛ لأنَّه كان يرى الإمامةَ لأبي بَكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، فلمَّا سَمِع غُلاةُ الشِّيعةِ منه هذا القولَ رَفَضوا قولَه، أي: تركوا، فسُمُّوا الرَّافِضةَ، والزَّيديَّةُ والإماميَّةُ ضِدَّانِ؛ فأمَّا الزَّيديَّةُ فخَيرُهم؛ لأنَّهم يجوِّزون إمامةَ المفضولِ على الفاضِلِ، ويُصَحِّحون إمامةَ أبي بَكرٍ وعُمَرَ رضي اللَّهُ عنهما، ويقولون بأنَّ عَليًّا رَضِيَ اللَّهُ عنه أفضَلُ منهما، والإماميَّةُ تقولُ باستحقاقِ الإمامةِ لعَليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنه، ولا يرون للمفضولِ شيئًا، ولا يُصَحِّحون إمامةَ الشَّيخينِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، واجتمَعَت الإماميَّةُ على تضليلِ الصَّحابةِ؛ حيثُ جعلوا الإمامةَ لغَيرِ عليٍّ، واجتمعت الأمَّةُ على تكفيرِ الإماميَّةِ؛ لأنَّهم يعتَقِدون تضليلَ الصَّحابةِ، ويُنكِرون إجماعَهم، وينسُبونهم إلى ما لا يليقُ بهم.

وأكثَرُ العُلَماءِ على أنَّ الزَّيديَّةَ مُبتَدِعةٌ) 226 .

وكان التَّشيُّعُ بعدَ استشهادِ الحُسَينِ بنِ عَليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنه قد أخذ يتصاعَدُ في الغُلُوِّ، فظَهَرت فِرْقةُ الكَيْسانيَّةِ والمُختاريَّةِ، وظَهَر كثيرٌ من غُلاةِ الشِّيعةِ، وطَمِع بعضُهم في استمالةِ عَليِّ بنِ الحُسَينِ المُلَقَّبِ بزَينِ العابِدين (ت 94هـ) إليهم، غيرَ أنَّه كان مجانِبًا للفِتَنِ، ولم يكُنْ يسعى في منازعةِ بني أميَّةَ المُلْكَ، ولم يناصِرْ كُلَّ من قام ضِدَّهم في المدينةِ أو في مكَّةَ أو في العِراقِ 227 .

وكان لعَليِّ بنِ الحُسَينِ كثيرٌ من الأبناءِ أشهَرُهم اثنانِ:

1- مُحمَّدُ بنُ عَليِّ بنِ الحُسَينِ، المُلَقَّبُ بالباقِرِ، والِدُ جَعفَرٍ الصَّادِقِ.

2- زيدُ بنُ عَليِّ بنِ الحُسَينِ 228 .

وكان محمَّدٌ أكبَرَ من زيدٍ وأعلَمَ، وكِلاهما ذو فَضلٍ وعِلمٍ.

وقد اختَلَف الشِّيعةُ في: أيُّهما أَولى بالإمامةِ بَعدَ أبيهما؟

1- ذَهبَت الرَّافضةُ الإماميَّةُ إلى أنَّ الإمامةَ بعد عَليِّ بنِ الحُسَينِ انتقلت إلى ابنِه أبي جعفَرٍ مُحمَّدِ بنِ عَليِّ بنِ الحُسَينِ الملقَّبِ بالباقِرِ.

2- وذهَبَت الزَّيديَّةُ إلى أنَّ الأَولى بالإمامةِ زَيدُ بنُ عَليٍّ، فسُمُّوا زيديَّةً، ويُرَتِّبون الأئمَّةَ ابتداءً بعليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنه، ثُمَّ ابنِه الحَسَنِ، ثُمَّ الحُسَينِ، ثُمَّ هي شورى بعد ذلك بَيْنَ أولادِهما -كما ترى الجاروديَّةُ منهم-، ثُمَّ ابنِه عَليِّ بنِ الحُسَينِ زينِ العابِدين، ثُمَّ ابنِه زيدٍ، ثُمَّ ابنِه يحيى بنِ زَيدٍ، ثُمَّ ابنِه عيسى بنِ زَيدٍ -كما ترى الحصنيَّةُ منهم. ويشترطون في الإمامِ أن يخرُجَ بسيفِه سواءٌ كان من أولادِ الحَسَنِ أو من أولادِ الحُسَينِ 229 .

والزَّيديَّةُ من حيثُ الجملةُ أقرَبُ فِرَقِ الشِّيعةِ إلى أهلِ السُّنَّةِ، وليس جميعُ الزَّيديَّةِ مُعتَدِلةً في التَّشيُّعِ، بل منهم غُلاةٌ يَطعَنون في أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ رضي اللَّهُ عنهم، وهم الجاروديَّةُ؛ فإنَّهم في الحقيقةِ روافِضُ، كما سيأتي الحديثُ عنهم.

فالزَّيديَّةُ من حيثُ الاعتقادُ قِسمانِ:

1- قِسمٌ مُعتَدِلون: يعترفون بإمامةِ الشَّيخينِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، ولا يطعَنون في الصَّحابةِ، وإن كانوا يَرَون أنَّ عَليًّا أفضَلُ الصَّحابةِ رضي اللَّهُ عن الجميعِ.

2- قِسمٌ روافِضُ: يرفُضون إمامةَ الشَّيخينِ ويَسُبُّونهما، ويطعَنون في الصَّحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم 230 .

ومن مَذهَبِ الزَّيديَّةِ في الإمامةِ: أنَّهم يحصُرون حقَّ الخلافةِ في أولادِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ من فاطمةَ -رَضِيَ اللَّهُ عنها- فقط، سواءٌ كانوا من أولادِ الحَسَنِ أو الحُسَينِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، ويشترِطون لوجوبِ طاعتِه شُروطًا 231 .

ترجمةُ زَيدِ بنِ عَليٍّ:

هو زَيدُ بنُ عَليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وُلِدَ حوالَي سنة 80هـ، وكانت أمُّه أَمَةً اسمُها جيداءَ، يقال: إنَّه أهداها المُختارُ بنُ أبي عُبيدٍ إلى أبيه عليٍّ زينِ العابِدينَ، فأنجبت له زَيدًا 232 .

وكان زيدٌ صاحِبَ عِلمٍ وفِقهٍ وقُرآنٍ وتقوى وفَضلٍ، مات أبوه عَليُّ بنُ الحُسَينِ، وعُمرُ زَيدٍ 14 عامًا، وقد روى عنه شيئًا من العلمِ، وتلقَّى كثيرًا من العلمِ عن أخيه الأكبَرِ محمَّدٍ الباقِرِ، وروى عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، وأبانَ بنِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، وعُبَيدِ اللَّهِ بن أبي رافعٍ 233 ، ويقال: إنَّ زيدَ بنَ عَليٍّ اتَّصل بواصِلِ بنِ عَطاءٍ رأسِ المعتَزِلةِ، وأخذ عنه بعضَ مَذهَبِ الاعتزالِ، واللَّهُ أعلَمُ بصِحَّةِ ذلك 234 ، ويقالُ أيضًا: إنَّه التَقى بأبي حنيفةَ. وقد صار الزَّيديَّةُ بعد الإمامِ زيدٍ مُعتَزِلةً في العقائِدِ، وحَنَفيَّةً في الأحكامِ 235 .

وقد خَرَج زيدُ بنُ عَليٍّ على هِشامِ بنِ عَبدِ الملِكِ الأُمَويِّ، مُنكِرًا للظُّلمِ والجَورِ، وقيل: إنَّه لم يكُنْ يريدُ الخُروجَ على هشامِ بنِ عبد الملِكِ، ولا طَلَب الخلافةَ، ولكِنْ حَدَث من هشامٍ وعُمَّالِه إهانةٌ وإساءةٌ لزيدٍ لم يُطِقْ أن يعيشَ معها مسالِمًا لهشامِ بنِ عبدِ الملِكِ.

ثمَّ قتله والي العِراقِ يوسُفُ بنُ عُمَرَ الثَّقَفيُّ سنةَ 122هـ 236 .

قال الذَّهبيُّ: (كان زيدُ بنُ عَليٍّ أحَدَ العُلَماءِ الصُّلَحاءِ... روى أبو اليَقظانِ عن جُوَيريةَ بنِ أسماءَ وغيرِه أنَّ زَيدَ بنَ عَليٍّ وفَد من المدينةِ على يوسُفَ بنِ عُمَرَ الثَّقَفيِّ أميرِ العراقَينِ والحِيرةِ، فأحسن جائزتَه، ثُمَّ رجع إلى المدينةِ، فأتاه ناسٌ من أهلِ الكوفةِ فقالوا: ارجِعْ فليس يوسُفُ بشَيءٍ، فنحن نأخُذُ لك الكوفةَ، فرجع فبايعَه ناسٌ كثيرٌ، وخرجوا معه، فعسكَرَ، فالتَقاه العَسكَرُ العراقيُّ، فقُتِل زيدٌ في المعركةِ، ثُمَّ صُلِب، فبَقِيَ مُعَلَّقًا أربعةَ أعوامٍ، ثُمَّ أُنزِلَ فأُحرِقَ، فإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجِعونَ!) 237 .

وقد رُوِيَت عن زيدِ بنِ عَليٍّ أقوالٌ كثيرةٌ تَدُلُّ على تعظيمِه لأبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ رضي اللَّهُ عنهم، وبراءتِه من الرَّافضةِ الذين يطعَنون في الصَّحابةِ، ومن ذلك:

1- عن هاشِمِ بنِ البريدِ عن زيدِ بنِ عَليٍّ قال: (أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ إمامُ الشَّاكِرين) 238 .

2- عن آدَمَ بنِ عبدِ اللَّهِ الخَثعَميِّ، وكان من أصحابِ زَيدِ بنِ عَليٍّ قال: (سألتُ زيدَ بنَ عَليٍّ عن قولِ اللَّهِ عزَّ وجَلَّ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة: 10 - 11] مَن هؤلاء؟ قال: أبو بكرٍ وعُمَرُ. ثُمَّ قال: لا أنالني اللَّهُ شفاعةَ جَدِّي إن لم أوالِهما) 239 .

3- عن كثيرٍ النَّوَّاءِ قال: (سألتُ زيدَ بنَ عَليٍّ عن أبي بَكرٍ وعُمَرَ، فقال: تولَّهما، قلُت: كيف تقولُ فيمَن يبرَأُ منهما؟ قال: أبرَأُ منه حتَّى يموتَ) 240 .

4- عن هاشِمِ بنِ البريدِ عن زيدِ بنِ عَليٍّ أنَّه قال: (البراءةُ من أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ البراءةُ من عليٍّ، والبراءةُ من عليٍّ البراءةُ من أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ) 241 .

5- عن السُّدِّيِّ قال: قال زيدُ بنُ عَليٍّ: (الرَّافِضةُ حَربي وحَربُ أبي في الدُّنيا والآخِرةِ، مرَقَت الرَّافِضةُ علينا كما مرَدَت الخوارِجُ على عليٍّ عليه السَّلامُ) 242 .

6- عن أحمدَ بنِ داودَ الحُدَّانيِّ قال: سمِعتُ عيسى بنَ يونَسَ، وسُئِل عن الرَّافِضةِ والزَّيديَّةِ، فقال: (أمَّا الرَّافضةُ فأوَّلَ ما ترفَّضَت جاؤوا إلى زيدِ بنِ عَليٍّ حينَ خرَج، فقالوا: تبرَّأْ من أبي بَكرٍ وعُمَرَ حتى نكونَ معك، فقال: بل أتولَّاهما، وأبرَأُ ممَّن يبرَأُ منهما، قالوا: فإذًا نرفُضُك؛ فسُمِّيَت الرَّافِضةَ، قال: وأمَّا الزَّيديَّةُ فقالوا: نتوَلَّاهما، ونبرَأُ ممَّن يتبَرَّأُ منهما، فخرجوا مع زيدٍ؛ فسُمِّيَت الزَّيديَّةَ) 243 .

وقد جاءت روايةٌ أُخرى عن زيدِ بنِ عَليٍّ مكذوبةٌ عليه، قال الجعابيُّ: حَدَّثني مُحمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ المؤمِّلِ قال: حَدَّثنا مُحمَّدُ بنُ عَليِّ بنِ خَلَفٍ قال: حَدَّثنا مُحمَّدُ بنُ كثيرٍ قال: سمِعتُ هاشِمَ بنَ البريدِ يقولُ: سَمِعتُ زيدَ بنَ عَليٍّ يقولُ: (المعصومون منَّا خمسةٌ: النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، وعليٌّ، وفاطِمةُ، والحَسَنُ، والحُسَينُ) 244 .

وعندَ الزَّيديَّةِ كتابٌ يُسَمُّونه (مجموعَ رسائِلِ الإمامِ زيدِ بنِ عَليٍّ)، فيه عِدَّةُ رسائِلَ يزعُمون أنَّها من كلامِ زيدٍ، بعضُها مرويٌّ بأسانيدَ فيها شيعةٌ كذَّابون، كإبراهيمَ بنِ الحَكَمِ بنِ ظهيرٍ الكوفيِّ وأبيه، وأبي خالدٍ الواسِطيِّ، وأبي الجارودِ الكوفيِّ، وبعضُها فيها رجالٌ مجهولون، وبعضُها تُروى بلا إسنادٍ.

والنَّاظِرُ في هذا الكتابِ بعِلمٍ وإنصافٍ يجزِمُ أنَّ غالِبَ ما فيه لا تصِحُّ نسبتُه إلى زيدٍ، وحاشا زيدًا أن يقولَ ذلك؛ ففي تلك الرَّسائِلِ ما يدُلُّ على تشيُّعٍ مُفرِطٍ، وغُلُوٍّ في عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ وأهلِ بيته، كدعوى عِصمةِ عَليٍّ، وأنَّه هو الوَصيُّ، وفي ذلك الكتابِ طَعنٌ في أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ وطلحةَ والزُّبَيرِ وعائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، بل فيه تصويبُ قَتلِ عُثمانَ رَضِيَ اللَّهُ عنه، وفيه عقائدُ ضالَّةٌ مخالِفةٌ لمَّا دلَّ عليه القرآنُ والسُّنَّةُ، كالقولِ بخلودِ أهلِ المعاصي في النَّارِ، وفيه الجِدالُ لنَصرِ قولِ المُعتَزِلةِ والشِّيعةِ في مسائِلَ كثيرةٍ، وفيه التَّشكيكُ في السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ، وفيه ذِكرُ شيءٍ من المناظَراتِ والخُطَبِ والدَّعَواتِ والأشعارِ التي غالِبُها لا يصِحُّ عن زيدٍ بإسنادٍ صحيحٍ، وفي هذا الكتابِ أخبارٌ وحكاياتٌ لا يعرِفُها العُلَماءُ، مِثلُ القَولِ بأنَّ هِشامَ بنَ عبدِ الملِكِ حَبَس زيدَ بنَ عَليٍّ خمسةَ أشهُرٍ، وفي آخِرِ المجموعِ أنَّ زيدَ بنَ عَليٍّ أتى قَبْرَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسلَّم فصلَّى إلى جَنبِه، ثُمَّ انصرف من صلاتِه فقال: السَّلامُ عليك يا رسولَ اللَّهِ، هذا آخِرُ عهدي بمدينتِك، وآخِرُ عهدي بقَبرِك ومِنبَرِك، أُخرِجْتُ يا أَبَهْ كارِهًا، وسِرتُ في البلادِ أسيرًا يا رسولَ اللَّهِ، وإنِّي سائِلُك الشَّفاعةَ إلى اللَّهِ عزَّ وجَلَّ، وأن يختِمَ لي بشهادةٍ تُلحِقُني بآبائي الأكرَمينَ وأهلي الطَّاهِرين، وحاشا زيدًا أن يدعوَ غيرَ اللَّهِ سُبحانَه!

والزَّيديَّةُ يعتَمِدون على هذا الكتابِ، ويجزِمون بنسبةِ ما فيه إلى زيدِ بنِ عَليٍّ، واللَّهُ المستعانُ 245

وقد طَبَع الزَّيديَّةُ الكتابَ طبعةً حديثةً في مركزِ أهلِ البيتِ للدِّراساتِ الإسلاميَّةِ بصَعدةَ باليمَنِ سنةَ 1422هـ، جاء في تقديمِ الكتابِ: (فهذا المجموعُ المبارَكُ مجموعُ كُتُبِ ورسائِلِ الإمامِ الأعظَمِ أميرِ المُؤمِنين فاتِحِ بابِ الجِهادِ والاجتهادِ، الغاضِبِ للهِ في الأرضِ، ومُقيمِ أحكامِ السُّنَّةِ والفَرضِ؛ أبي الحُسَينِ زيدِ بنِ عَليٍّ سَيِّد العابِدينَ بنِ الحُسَينِ السِّبطِ بنِ أميرِ المُؤمِنين وسَيِّدِ المُسلِمين ووَصِيِّ رسولِ رَبِّ العالمينَ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ (ع). وهو أخو باقِرِ عِلمِ الأنبياءِ، وهو مجَدِّدُ المَّائةِ الأولى، وفيه آثارٌ عن جَدِّه، وفي سائِرِ الأئمَّةِ خُصوصًا وعُمومًا. قال الإمامُ الهادي عليه السَّلامُ: وممَّا روى الحُسَينُ بنُ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السَّلامُ قال: أخبَرَني أبي: قال: حَدَّثني رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسلَّم أنَّه سيَخرُجُ منِّي رجلٌ يُقالُ له: زيدٌ، فينتَهِبُ مُلكَ السُّلطانِ، فيُقتَلُ، ثُمَّ يُصعَدُ برُوحِه إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيقولُ له النَّبيُّون: جزى اللَّهُ نبيَّك عنا أفضَلَ الجزاءِ، كما شَهِد لنا بالبلاغِ، وأقولُ أنا: أقرَرْتَ عيني يا بُنَيَّ وأدَّيتَ عَنِّي) 246 .

ولو ثَبَت الكتابُ عن زيدِ بنِ عَليٍّ لقُلْنا: إنَّ زيدَ بنَ عَليٍّ شيعيٌّ غالٍ، وإنَّه من أهلِ الاعتزالِ، لكِنْ لا نستجيزُ أن ننسُبَ إلى زيدِ بنِ عَليٍّ أنَّه من غلاةِ الشِّيعةِ أو أنَّه من المعتَزلةِ بأسانيدَ مكذوبةٍ أو بحكاياتٍ مُنقَطِعةٍ، وقد أمَرَنا اللَّهُ أن نقولَ القولَ السَّديدَ، واللَّهُ يحكُمُ بَيْنَ عبادِه فيما كانوا فيه يختَلِفون.

يحيى بنُ زَيدِ بنِ عَليٍّ:

كان مع أبيه، فتمَكَّنَ من الفِرارِ إلى خُراسانَ، ثُمَّ دعا إلى نفسِه، وقاتل الأُمَويِّين حتَّى قُتِل سَنةَ 125هـ.

قال الذَّهبيُّ: (خرج يحيى بنُ زيدٍ بخُراسانَ، ودعا إلى نفسِه، وانضَمَّ إليه خَلقٌ من الشِّيعةِ، وجَرت له حروبٌ مع عَسكَرِ خُراسانَ ومواقِفُ إلى أن جاءه سَهمٌ غَربٌ في صُدغِه فوقع فاحتزُّوا رأسَه، وبعَثوا به إلى الشَّامِ، وصلَبوا جُثَّتَه كأبيه، فلمَّا استولى أبو مُسلِمٍ الخُراسانيُّ على البلادِ أنزل الجثَّةَ، وأمَر بإقامةِ المأتمِ عليه ببَلخٍ ومَرْوٍ سَبعةَ أيَّامٍ، ثُمَّ تتَبَّعَ أبو مسلمٍ قتَلَتَه فأبادهم) 247 .

وبعد مَقتَلِ يحيى بنِ زيدِ بنِ عَليٍّ فُوِّض الأمرُ إلى محمَّدٍ وإبراهيمَ ابنَي عبدِ اللَّهِ بنِ الحَسَنِ بنِ الحَسَنِ بنِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ 248 .

ومُحمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ الحَسَنِ هو: الملقَّبُ بالنَّفسِ الزَّكيَّةِ، وقد وُلِد ونشأ بالمدينةِ، وكان غزيرَ العِلمِ، فيه شجاعةٌ وحَزمٌ وسَخاءٌ، ولمَّا بدأ انحلالُ دولةِ بني أميَّةَ بالشَّامِ اتَّفق رجالٌ من بني هاشمٍ بالمدينةِ على بَيعتِه سِرًّا، وفيهم بعضُ بني العبَّاسِ، وكان لا يَشُكُّ كثيرٌ من النَّاسِ أنَّه المَهديُّ، وحين ذهب مُلكُ الأُمَويِّين، وقامت دولةُ العبَّاسيِّين، تخلَّف هو وأخوه إبراهيمُ عن الوفودِ على السَّفَّاحِ، ثُمَّ على أبي جَعفَرٍ المنصورِ، فطلَبَهما أبو جعفَرٍ فتوارَيا في باديةِ المدينةِ، فقُبِض على أبيهما واثنَي عَشَرَ من أقاربِهما، فماتوا في حَبسِه بالكوفةِ بعدَ سَبعِ سِنينَ، وعَلِم محمَّدٌ بموتِ أبيه فخَرَج من مخبَئِه ثائِرًا في مئتينِ وخمسينَ رَجُلًا، فقَبَض على أميرِ المدينةِ، وبايعَه أهلُها بالخلافةِ، وأرسَل أخاه إبراهيمَ إلى البَصرةِ فغَلَب عليها وعلى الأهوازِ وفارِسَ، وبَعَث الحَسَنَ بنَ معاويةَ إلى مكَّةَ فمَلَكَها، وبعَثَ عامِلًا إلى اليَمَنِ، فانتدب المنصورُ لقتالِه وَليَّ عَهدِه عيسى بنَ موسى العبَّاسيَّ، فسار إليه عيسى بأربعةِ آلافِ فارِسٍ، فقاتله محمَّدٌ بثلاثمئةٍ على أبوابِ المدينةِ، ثُمَّ تفرَّق عنه أكثَرُ أنصارِه، فقَتَله عيسى في المدينةِ، وكاد إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ الحَسَنِ أن يَغلِبَ على العِراقِ، وبايعه كثيرٌ من النَّاسِ، ثُمَّ قُتِل بعدَ وَقائِعَ كثيرةٍ 249 .

وكان عيسى والحُسَينُ ابنا زيدِ بنِ عَليٍّ مع محمَّدٍ وإبراهيمَ في حُروبِهما على أبي جَعفَرٍ المنصورِ، وكان يُسَمَّى أصحابُ محمَّدٍ وإبراهيمَ بالزَّيديَّةِ 250 .

ونشأ في المدينةِ أحمدُ بنُ عيسى بنِ زيدِ بنِ عَليٍّ: وكان فقيهًا شيعيًّا زيديًّا، قيل: إنَّه كان معتَزِليًّا، ويقولُ بعِصمةِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي اللَّهُ عنه وَحدَه دونَ غيرِه من الأمَّةِ، ويَطعَنُ في عثمانَ رَضِيَ اللَّهُ عنه، ويرى أنَّه قُتِل بحَقٍّ 251 !

وقيل لهارونَ الرَّشيدِ: إنَّه يسعى في الخُروجِ عليك، فأحضَره إلى بغدادَ وسَجَنه وهو شابٌّ، ففَرَّ من السِّجنِ، وبَقِيَ مختفيًا في بغدادَ والبَصرةِ يتنَقَّلُ من دارٍ إلى دارٍ، إلى أن مات سنة (247هـ) وعمره تِسعون سنةً 252 .

وعندَ الزَّيديَّةِ كتابٌ في الحديثِ مشهورٌ يُسَمَّى: «أمالي أحمدَ بنِ عيسى» 253 جمعه مُحمَّدُ بنُ منصورٍ المُراديُّ الكوفيُّ، وسمَّى كتابَه "العلومَ" أو "علومَ آلِ محمَّدٍ"، وهذا المراديُّ من ثقاتِ الشِّيعةِ الزَّيديَّةِ، وثَّقَه الدَّارقُطنيُّ، وكان من قُرَّاءِ القرآنِ، روى القراءةَ عن أبي هاشمٍ مُحمَّدِ بنِ يزيدَ الرِّفاعيِّ عن أصحابِ حمزةَ الزَّيَّاتِ الكوفيِّ.

وهذا الكتابُ أصَحُّ من كتابِ مُسنَدِ زيدِ بنِ عَليٍّ الذي تفرَّد بروايتِه أبو خالدٍ الواسِطيُّ عن زيدٍ، والواسِطيُّ كذَّابٌ كما قال أهلُ الحديثِ، ومُسنَدُ زيدٍ كُلُّه من طريقِ زيدِ بنِ عَليٍّ عن آبائِه عن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وكثيرٌ منها أحاديثُ معروفةٌ عِندَ أهلِ الحديثِ من غيرِ روايةِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ، فجعَلَها الواسطيُّ كُلَّها عن عَليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنه، وفي كتابِ (أمالي أحمدَ بنِ عيسى) بعضُ الرِّواياتِ من مُسنَدِ زَيدِ بنِ عَليٍّ من طريقِ أبي خالدٍ الواسِطيِّ الكذَّابِ، والأحاديثُ التي في كتابِ (أمالي أحمدَ بنِ عيسى) هي عن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ وعن غيرِه من الصَّحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم) 254 .

ومِن عُلَماءِ الزَّيديَّةِ: القاسِمُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ الحَسَنِ بنِ الحَسَنِ بنِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ (ت 246هـ)، أخذ الفِقهَ عن عُلَماءِ المذهَبِ الحَنَفيِّ، وأخذ العقيدةَ عن شُيوخِ المعتَزِلةِ، وكان فقيهًا شاعِرًا، له تآليفُ، وكان يسكُنُ الرَّسَّ بالقُربِ من المدينةِ النَّبَويَّةِ، ويُلَقَّبُ بالقاسِمِ الرَّسِّيِّ 255 .

ومن عُلَماءِ الزَّيديَّةِ: يحيى بنُ الحُسَينِ بنِ القاسِمِ بنِ إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ الحَسَنِ بنِ الحَسَنِ بنِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ (ت 298هـ)، حفيدُ القاسِمِ الرَّسِّيِّ، ويُلَقَّبُ بالإمامِ الهادي إلى الحَقِّ، كان فقيهًا شجاعًا، ومن عُلَماءِ المُعتَزِلةِ، منحَرِفًا عن أهلِ الحديثِ، وهو أوَّلُ من دعا باليمَنِ إلى مذهَبِ الزَّيديَّةِ، وحارب العبَّاسيِّين والقرامِطةَ فيها، ومَلَك صَنعاءَ، وامتَدَّ مُلكُه إلى نجرانَ ومكَّةَ، وهو إمامُ الزَّيديَّةِ في اليَمَنِ، وكثيرٌ من أئمَّةِ اليَمَنِ من ذُرِّيَّتِه، وزيديَّةُ اليَمَنِ ينتَسِبون إليه، فيقالُ عنهم: الهادَويَّةُ 256 .

وكان كثيرٌ من أهلِ البيتِ من ذُرِّيَّةِ زيدِ بنِ عَليٍّ ومن غيرِ ذُرِّيَّتِه يقتدون بزيدِ بنِ عَليٍّ في خروجِهم على الحُكَّامِ الظَّلَمةِ، وحصل بسبَبِ خُروجِهم على الحُكَّامِ حُروبٌ كثيرةٌ، وفِتَنٌ عظيمةٌ، وربَّما دعى بعضُهم إلى نفسِه وهو ليس من أهلِ البيتِ مُدَّعيًا أنَّه منهم 257 ، كالعَلَويِّ الذي ظهر في البصرةِ سنةَ 255هـ، وهو رجلٌ من عبدِ القَيسِ يُسَمَّى عَليَّ بنَ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحيمِ، وادَّعى أنَّه عَليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عيسى بنِ زَيدِ بنِ عَليٍّ، وأكثَرَ سَفكَ الدِّماءِ وقَتْلَ النِّساءِ والأطفالِ، وحصَل منه التَّخريبُ والفسادُ في فتنةٍ مشهورةٍ تُسَمَّى بفتنةِ الزِّنجِ؛ لأنَّ أكثَرَ أتباعِه كانوا من الزِّنجِ 258 ، وحينَ اتَّبعه جماعةٌ من العَلَويِّين، كعَليِّ بنِ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عيسى بنِ زيدٍ وجماعةٍ خوفًا على نسائِهم وحُرَمِهم، تَرَك هذا العَلَويُّ الانتسابَ إلى عيسى بنِ زيدٍ، وانتَسَب إلى يحيى بنِ زَيدٍ كاذِبًا، مع أنَّ يحيى بنَ زيدٍ لم يُعقِبْ غيرَ بِنتٍ ماتت في رَضاعِها 259 !

وقد قامت للزَّيديَّةِ دَولةٌ في طَبَرِستانَ جَنوبَ بحرِ قَزوينَ سنةَ 250هـ، وامتدَّت إلى ما جاورها من بلادِ الجِيلِ والدَّيلَمِ من أرضِ فارِسَ، أسَّسها الحَسَنُ بنُ زيدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ إسماعيلَ بنِ الحَسَنِ بنِ زيدِ بنِ الحَسَنِ بنِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ (ت 270هـ)، وكان من أشهَرِ مُلوكِ الزَّيديَّةِ هناك الحَسُنِ بنُ عَليِّ بنِ الحَسَنِ بنِ عُمَرَ بنِ عَليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ، الملقَّبُ بالنَّاصِرِ الأُطْروشِ (ت 304هـ)، كان فقيهًا شاعرًا شجاعًا، هاجر إلى بلادِ الجيلِ والدَّيلمِ داعيًا إلى الإسلامِ، فدخل أهلُها فيه وصاروا زيديَّةً، ثُمَّ انقَرَضت دولةُ الزَّيديَّةِ في تلك البلادِ آخِرَ القَرنِ الرَّابعِ الهِجريِّ، وكانوا سَبَبًا لتغَلُّبِ الدَّيلمِ على خُلَفاءِ بني العبَّاسِ، وقيامِ دَولةِ بني بُوَيهِ الشِّيعيَّةِ في العِراقِ 260 .

وقد انقَرَض مَذهَبُ الزَّيديَّةِ من أكثَرِ البلادِ إلَّا بعضَ بلادِ اليَمَنِ، فلا يزالُ المذهَبُ الزَّيديُّ منتَشِرًا في اليَمَنِ، لا سيَّما في صَعدةَ وحَجَّةَ وصَنعاءَ وذِمارٍ والجَوفِ 261 .