أوَّلًا: تعريفُ المُتعةِ لُغةً

المُتعةُ لُغةً: اسمُ مَصدَرٍ للفِعلِ: مَتعَ، وتَدورُ مادَّتُه على مَعنى الانتِفاعِ، فكُلُّ مَن مَتَّعْتَه شَيئًا فهو له مَتاعٌ ينتَفِعُ به 1992 .

فالاستِمتاعُ في اللُّغةِ الانتِفاعُ، وكُلُّ ما انتُفِعَ به فهو مَتاعٌ، يُقالُ: استَمتَعَ الرَّجُلُ بولَدِه، ويُقال فيمَن ماتَ في زَمانِ شَبابِه: لم يتَمَتَّعْ بشَبابِه، قال اللهُ تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا [الأحقاف: 20] ، وقال اللهُ سُبحانَه: فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ [التوبة: 69] يعني: بحَظِّكم ونَصيبِكم مِنَ الدُّنيا 1993 .

وعن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسَلَّمَ قال: الدُّنيا مَتاعٌ، وخَيرُ مَتاعِها المَرأةُ الصَّالحةُ 1994 .

ثانيًا: تَعريفُ نِكاحِ المُتعةِ اصطِلاحًا

نِكاحُ المُتعةِ، هو نِكاحُ المَرأةِ لأجَلٍ مَحدودٍ، ثُمَّ إخلاءُ سَبيلِها بانقِضائِه 1995 .

أي: أن يقولَ الرَّجُلُ لامرَأةٍ: مَتِّعيني نَفسَكِ بكذا مِنَ المالِ مُدَّةَ كذا مِنَ الزَّمانِ، فتَقولُ له: مَتَّعتُك نَفسي، أو يقولُ لها الرَّجُل: أتَمَتَّعُ بك. فلا بُدَّ في هذا العَقدِ مِن لفظِ التَّمَتُّعِ 1996 .

عن زُرارةَ عن أبي عَبدِ اللهِ قال: (لا تَكونُ المُتعةُ إلَّا بأمرَينِ: أجَلٍ مُسَمًّى وأجرٍ مُسَمًّى) 1997 .

وعن إسماعيلَ بنِ الفَضلِ الهاشِميِّ قال: سَألتُ أبا عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ عن المُتعةِ؟ قال: (مَهرٌ مَعلومٌ إلى أجَلٍ مَعلومٍ) 1998 .

وعن أبي بَصيرٍ قال: (لا بُدَّ مِن أن تَقولَ فيه هذه الشُّروطَ: أتَزَوَّجُكِ مُتعةَ كذا وكذا يومًا بكذا وكذا دِرهمًا) 1999 .

وعن أبانَ بن تَغلِبَ قال: قُلتُ لأبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ: كيف أقولُ لها إذا خَلوتُ بها؟ قال: (تَقولُ: أتَزَوَّجُكِ مُتعةً على كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبيِّه، لا وارِثةً ولا مَوروثةً، كذا وكذا يومًا، وإن شِئتِ كذا وكذا سَنةً، بكذا وكذا دِرهمًا، وتُسَمِّي مِنَ الأجرِ ما تَراضَيتُما عليه قليلًا كان أو كثيرًا، فإذا قالت: نَعَم، فقد رَضِيَت، وهي امرَأتُك، وأنتَ أولى النَّاسِ بها) 2000 .

وفي رِوايةٍ أنَّه قال: (تَقولُ: أتَزَوَّجُكِ مُتعةً على كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبيِّه نكاحًا غَيرَ سِفاحٍ، وعلى ألَّا تَرِثيني ولا أرِثَك، كذا وكذا يومًا، بكذا وكذا درهمًا، وعلى أنَّ عليك العِدَّةَ) 2001 .

وفي رِوايةٍ قال: (يقولُ: أتَزَوَّجُكِ كذا وكذا يومًا بكذا وكذا درهمًا، فإذا مَضت تلك الأيَّامُ كان طَلاقُها في شَرطِها، ولا عِدَّةَ لها عليك) 2002 .

وعنه قال: (إن سَمَّى الأجَلَ فهو مُتعةٌ، وإن لم يُسَمِّ الأجَلَ فهو نِكاحٌ باتٌّ) 2003 .

وعن أبانَ بن تَغلِبَ في حَديثِ صيغةِ المُتعةِ أنَّه قال لأبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ: (فإنِّي أستَحيي أن أذكُرَ شَرطَ الأيَّامِ، قال: هو أضَرُّ عليك. قُلتُ: وكيف؟ قال: لأنَّك إن لم تَشتَرِطْ كان تَزويجَ مُقامٍ، ولزِمَتْك النَّفقةُ في العِدَّةِ، وكانت وارِثًا، ولم تَقدِرْ على أن تُطَلِّقَها إلَّا طَلاقَ السُّنَّةِ) 2004 .

وعن هشامِ بنِ سالمٍ قال: قُلتُ لأبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ: أتزَوَّجُ المَرأةَ مُتعةً مَرَّةً مُبهَمةً؟ فقال: (ذاك أشَدُّ عليك، تَرِثُها وتَرِثُك، ولا يجوزُ لك أن تُطلِّقَها إلَّا على طُهرٍ وشاهدينِ. قُلتُ: أصلحَك اللهُ، فكيف أتَزَوَّجُها؟ قال: أيامًا مَعدودةً بشَيءٍ مُسَمًّى مِقدارَ ما تَراضَيتُم به، فإذا مَضت أيَّامُها كان طَلاقُها في شَرطِها، ولا نَفقةَ ولا عِدَّةَ لها عليك) 2005 .

وقَرَّرَ الشِّيعةُ أنَّ أُجرةَ المُتَمَتَّعِ بها في نِكاحِ المُتعةِ على قدرِ استِطاعَتِه، فيُجزِئُ فيه الدِّرهَمُ والكفُّ مِنَ الطَّعامِ أو حتَّى شَربةُ ماءٍ.

عن أبي بَصيرٍ قال: سَألتُ أبا عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ عن أدنى مَهرِ المُتعةِ ما هو؟! قال: (كفٌّ مِن طَعامِ دَقيقٍ أو سَويقِ تَمرٍ) 2006 .

ويجوزُ للرَّجُلِ أن يرفُضَ دَفعَ الأُجرةِ مقدَّمًا، وأنَّه يحتاطُ لنَفسِه، فله أن لا يدفَعَ أُجرةَ الأيَّامِ التي تَخَلَّفت فيها المَرأةُ عن الفِراشِ عَدا أيَّامَ الحَيضِ مثَلًا، فإذا اتَّفقَ مَعَ امرأةٍ على أن يستَأجِرَ جَسَدَها لمُدَّةِ شَهرٍ واحِدٍ بمَبلغٍ مُحَدَّدٍ، وقدَّرَه مثلًا سِتُّونَ درهمًا، ودَفعَ مِنَ الأُجرةِ أربَعينَ، وبَقي عِشرونَ، ثُمَّ حَدثَ أن تَأخَّرَت عنه مُدَّةَ خمسةِ أيَّامٍ، وانقَضَتِ الفترةُ، وطالبَتْه بتَسديدِ الباقي، ففي هذه الحالةِ لا يحِقُّ لها سِوى عَشَرةِ دَراهمَ فقَط؛ لأنَّها لم تواظِبْ على العَمَلِ سِوى خَمسةٍ وعِشرينَ يومًا، وبما أنَّ أُجرةَ اليومِ الواحِدِ دِرهَمانِ، فإنَّها لا تَستَحِقُّ سِوى خَمسينَ درهمًا لا سِتِّينَ.

فعن عُمَرَ بنِ حَنظَلةَ قال: قُلتُ لأبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ: أتزَوَّجُ المَرأةَ شهرًا فأحبسُ عنها شيئًا؟ فقال: (نَعَمْ، خُذ منها بقدرِ ما تُخلِفُك، إن كان نِصفَ شَهرٍ فالنِّصفُ، وإن كان ثلثًا فالثُّلثُ) 2007 .

وإنْ عَلِم أنَّ لها زوجًا مقيمًا مَعَها بَعدَ الدُّخولِ بها، وقد أعطاها بَعضَ أُجرَتِها، وأخَّرَ الباقيَ، فالحُكمُ عِندَهم أنَّه لا يُعطيها ما تَبقَّى مِن أُجرةِ جَسَدِها؛ لأنَّها عَصَتِ اللهَ تعالى؛ فعن حَفصِ بنِ البختريِّ عن أبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ قال: (إذا بَقيَ عليه شَيءٌ مِنَ المَهرِ، وعَلِم أنَّ لها زوجًا، فما أخَذَته فلها بما استَحَلَّ مِن فرجِها، ويحبسُ عليها ما بَقيَ عِندَهـ) 2008 .

ويجوزُ التَّمَتُّعُ بأكثَرَ مِن أربَعِ نِساءٍ، وإن كان عِندَه أربَعُ زَوجاتٍ زَواجًا دائِمًا؛ وذلك لأنَّهنَّ مُستَأجَراتٌ، فيجوزُ له أن يجمَعَ منهنَّ ما يشاءُ.

عن زُرارةَ عن أبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ قال: ذَكرتُ له المُتعةَ أهي مِنَ الأربَعِ؟ فقال: (تَزَوَّجْ منهنَّ ألفًا فإنَّهنَّ مُستَأجَراتٌ) 2009 .

وعن مُحَمَّدِ بنِ عَليِّ بنِ الحُسَينِ عن الفُضَيلِ بنِ يَسارٍ أنَّه سَأل أبا عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ عن المُتعةِ؟ فقال: (هي كبَعضِ إمائِك) 2010 .

ويجوزُ التَّمَتُّعُ بالمَرأةِ الواحِدةِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، فلا بَأسَ بالرُّجوعِ إليها متى شاءَ.

عن أبانَ عن بَعضِ أصحابِه عن أبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ في الرَّجُلِ يتَمَتَّعُ مِنَ المَرأةِ المَرَّاتِ، قال: (لا بَأسَ، يتَمَتَّعُ منها ما شاءَ) 2011 .

وإذا أرادَ المُتَمَتِّعُ أن يستَأنِفَ الدُّخولَ بالمُتَمَتَّعِ بها بَعدَ انتِهاءِ المُدَّةِ، فيجِبُ عليه أن يزيدَ مِن أُجرَتِها، وليسَ له عليها عِدَّةٌ؛ وذلك لأنَّ المُدَّةَ قد انتَهت.

عن أبي بَصيرٍ قال: (لا بَأسَ أن تَزيدَك وتَزيدَها إذا انقَطَعَ الأجَلُ فيما بَينَكما، تَقولُ لها: استَحلَلْتُكِ بأجَلٍ آخَرَ، برِضًا منها، ولا يحِلُّ ذلك لغَيرِك حتَّى تَنقَضيَ عِدَّتُها) 2012 .

ولا تَرثُ المُتَمَتَّعُ بها مِنَ المُتَمَتِّعِ. عن سَعيدِ بنِ يَسارٍ عن أبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ قال: سَألتُه عن الرَّجُلِ يتَزَوَّجُ المَرأةَ مُتعةً، ولم يَشتَرِطِ الميراثَ؟ قال: (ليسَ بَينَهما ميراثٌ، اشتَرَطَ أو لم يَشتَرِطْ) 2013 .

ويجوزُ التَّمَتُّعُ بالبنتِ البكرِ دونَ افتِضاضِها.

عن زيادِ بنِ أبي الحَلالِ قال: سَمِعتُ أبا عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ يقولُ: (لا بَأسَ أن يتَمَتَّعَ بالبكرِ ما لم يُفضِ إليها؛ كراهيةَ العَيبِ على أهلِها) 2014 .

ويجوزُ التَّمَتُّعُ بالبنتِ البِكرِ دونَ الحاجةِ إلى أخذِ موافقةِ وليِّها.

عن أبي سَعيدٍ القماطِ عَمَّن رَواه قال: قُلتُ لأبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ: جاريةٌ بكرٌ بَيْنَ أبَوَيها تَدعوني إلى نَفسِها سِرًّا مِن أبَويها، أفأفعَلُ ذلك؟ قال: (نَعَم، واتَّقِ مَوضِعَ الفَرجِ. قال: قُلتُ: فإن رَضِيَت بذلك؟ قال: وإن رَضِيَت؛ فإنَّه عارٌ على الأبكارِ) 2015 .

وتوجَدُ رِواياتٌ في كُتُبِهم تَكرَهُ التَّمَتُّعَ بهنَّ؛ فعن حَفصِ بنِ البختريِّ عن أبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ في الرَّجُلِ يتَزَوَّجُ البكرَ مُتعةً؟ قال: (يُكرَهُ؛ للعَيبِ على أهلِها) 2016 .

وعن عَبدِ المَلكِ بنِ عَمرٍو قال: سَألتُ أبا عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ عن المُتعةِ. فقال: (إنَّ أمرَها شَديدٌ، فاتَّقوا الأبكارَ) 2017 .

وأمَّا التَّمَتُّعُ بالزَّانياتِ فجائِزٌ كذلك ولو على كراهةٍ عِندَهم.

عن إسحاقَ بنِ جَريرٍ قال: قُلتُ لأبي عَبدِ اللهِ عليه السَّلامُ: إنَّ عِندَنا بالكوفةِ امرَأةً مَعروفةً بالفُجورِ، أيَحِلُّ أن أتَزَوَّجَها مُتعةً؟! قال: فقال: رَفعَت رايةً 2018 ؟ قُلتُ: لا، لو رَفعَت رايةً أخَذَها السُّلطانُ 2019 ، قال: نَعَم، تَزَوَّجْها مُتعةً، قال: ثُمَّ أصغى إلى بَعضِ مواليه، فأسَرَّ إليه شيئًا، فلَقِيتُ مَولاه، فقُلتُ له: ما قال لك؟ فقال: إنَّما قال لي: (ولو رَفَعَت رايةً ما كان عليه في تَزويجِها شَيءٌ، إنَّما يُخرِجُها مِن حَرامٍ إلى حَلالٍ) 2020 .

وعن الحَسَنِ بنِ ظَريفٍ قال: كتَبتُ إلى أبي مُحَمَّدٍ عليه السَّلامُ 2021 : قد تَرَكتُ التَّمَتُّعَ ثَلاثينَ سَنةً ثُمَّ نَشِطتُ لذلك، وكان في الحَيِّ امرَأةً وُصِفَت لي بالجَمالِ، فمال قَلبي إليها، وكانت عاهرًا لا تَمنَعُ يدَ لامِسٍ، فكرِهتُها، ثُمَّ قُلتُ: قد قال الأئِمَّةُ عليهم السَّلامُ: تَمَتَّعْ بالفاجِرةِ فإنَّك تُخرِجُها مِن حَرامٍ إلى حَلالٍ، فكتَبتُ إلى أبي مُحَمَّدٍ عليه السَّلامُ أُشاوِرُه في المُتعةِ، وقُلتُ: أيجوزُ بَعدَ هذه السِّنينَ أن أتَمَتَّعَ؟ فكتَبَ: (إنَّما تُحيي سُنَّةً وتُميتُ بدعةً، فلا بَأسَ) 2022 .