القُرآنُ كلامُ اللهِ مُنزَّلٌ غَيرُ مَخلوقٍ، وعلى هذا دَلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ السَّلَفِ 1399 .
وأمَّا الشِّيعةُ الإماميَّةُ فمَذهَبُهم القَولُ بخَلقِ القُرآنِ، وقد عَقدَ شَيخُ الشِّيعةِ في زَمَنِه المَجلِسيُّ في كِتابِه (بحار الأنوارِ) بابًا بعُنوانِ: (بابُ أنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ) 1400 أورَدَ فيه 11 رِوايةً، ومُعظَمُ هذه الرِّواياتِ تُخالفُ ما ذَهَبَ إليه، ولكِن لشُيوخِ الشِّيعةِ مَسلكٌ آخَرُ في تَأويلِها.
وقال آيةُ اللهِ العُظمى لدى الشِّيعةِ مُحسِن الأمينِ العامِليُّ: (قالتِ الشِّيعةُ والمُعتَزِلةُ: القُرآنُ مَخلوقٌ) 1401 .
وهذا بناءً على إنكارِهم صِفةَ الكلامِ للهِ سُبحانَه، وزَعمِهم أنَّ اللهَ (يوجِدُ الكلامَ في بَعضِ مَخلوقاتِه كالشَّجَرةِ حينَ كلَّمَ موسى، وكجبرائيلَ حينَ أُنزِل بالقُرآنِ) 1402 .
إنَّ مَسألةَ خَلقِ القُرآنِ مِن عَقائِدِ أهلِ الاعتِزالِ، كما قال القاضي عَبدُ الجَبَّارِ: (أمَّا مَذهَبُنا في القُرآنِ فهو أنَّ القُرآنَ كلامُ اللهِ تعالى ووَحيُه، وهو مَخلوقٌ مُحدَثٌ) 1403 .
وأوَّلُ مَن قال بهذه المَقالةِ هو الجَعدُ بنُ دِرهَمٍ 1404 .
قال عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أبي حاتِمٍ: سَمِعتُ أبي يقولُ: (أوَّلُ مَن أتى بخَلقِ القُرآنِ الجَعدُ بنُ دِرهَمٍ) 1405 .
ثُمَّ تَلقَّى ذلك عنه الجَهمُ بنُ صَفوانَ 1406 .
وقد ذَكرَ بَعضُ العُلماءِ أنَّ الجَعدَ أخَذَ القَولَ بخَلقِ القُرآنِ عن أبانَ بنِ سَمعانَ، وأخَذَه أبانُ عن طالوتَ ابنِ أُختِ لَبيدِ بنِ الأعصَمِ اليهوديِّ الذي سَحَرَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّه كان يقولُ بخَلقِ التَّوراةِ، وكان طالوتُ زِنديقًا، وهو أوَّلُ مَن صَرَّحَ بذلك، ثُمَّ أظهَره الجَعدُ بنُ دِرهَمٍ، واللهُ أعلَمُ 1407 .
وقد كان الجَعدُ بنُ دِرهَمٍ مِن أهلِ حرَّانَ، وكان فيهم مِن بَقايا الصَّابئينَ والفلاسِفةِ خُصومِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ فأنكرَ تَكليمَ موسى، وخُلَّةَ إبراهيمَ عليهما السَّلامُ؛ بناءً على أصلِ هؤلاء النُّفاةِ، وهو أنَّ الرَّبَّ تعالى لا يقومُ به كلامٌ ولا مَحَبَّةٌ لغَيرِه، ثُمَّ انتَشَرت مَقالتُه 1408 .
ومِنَ العَجيبِ أنَّ أكثَرَ الرِّواياتِ التي ينقُلُها الشِّيعةُ عن آلِ البَيتِ في هذه المَسألةِ يُخالفُ ما ذَهَبوا إليه! فمِن ذلك: ما رَوَوه عن الرِّضا أنَّه سُئِل عن القُرآنِ، فقال: (إنَّه كلامُ اللهِ غَيرُ مَخلوقٍ) 1409 .
وفي رِوايةٍ أنَّه قيل لأبي الحَسَنِ موسى الكاظِمِ: (يا ابنَ رَسولِ اللهِ، ما تَقولُ في القُرآنِ؛ فقد اختَلف فيه مَن قَبلنا، فقال قَومٌ: إنَّه مَخلوقٌ، وقال قَومٌ: إنَّه غَيرُ مَخلوقٍ؟ فقال رَضِيَ اللهُ عنه: أمَا إنِّي لا أقولُ في ذلك ما يقولونَ، ولكِنِّي أقولُ: إنَّه كلامُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ) 1410 .
وفي هذا المعنى رواياتٌ كثيرةٌ عِندَهم 1411 .
وقد أوَّل شَيخُ الشِّيعةِ في زَمَنِه ابنُ بابَويهِ القُمِّيُّ هذه النُّصوصَ بأنَّ قَولَ الأئِمَّةِ: القُرآنُ غَيرُ مَخلوقٍ، يعني أنَّه: (غَيرُ مَكذوبٍ، لا يعني به أنَّه غَيرُ مُحدَثٍ) 1412 . وقال: (إنَّما امتَنَعنا مِن إطلاقِ المَخلوقِ عليه؛ لأنَّ المَخلوقَ في اللُّغةِ قد يكونُ مَكذوبًا، ويُقال: كلامٌ مَخلوقٌ، أي: مَكذوبٌ) 1413 .
ولا شَكَّ أنَّ هذا التَّأويلَ لا يُسَلَّمُ له؛ لأنَّه مِنَ الواضِحِ أنَّ النُّصوصَ السَّابقةَ تَرِدُ على ما ذَهَبَ إليه أهلُ الاعتِزالِ مِنَ القَولِ بأنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ، فقال السَّلَفُ رَدًّا عليهم: إنَّه غَيرُ مَخلوقٍ، ولم يُريدوا بذلك أنَّه غَيرُ مَكذوبٍ، كما زَعَمَ ابنُ بابَويهِ وغَيرُه؛ فإنَّ أحَدًا مِنَ المُسلمينَ لم يقُلْ: إنَّه مَكذوبٌ، وإنَّما قال بَعضُهم: إنَّه مَخلوقٌ خَلقَه في غَيرِه، فرَدَّ السَّلفُ هذا القَولَ، كما تَواتَرَتِ الآثارُ عنهم بذلك، وصَنَّف فيه العُلماءُ مُصَنَّفاتٍ مُتَعَدِّدةً 1414 .
وعن ابنِ بابَويهِ تَأويلٌ آخَرُ، وهو أن تُحملَ تلك النُّصوصُ الصَّريحةُ عن الأئِمَّةِ في أنَّ القُرآنَ غَيرُ مَخلوقٍ، على التَّقيَّةِ، قال: (ولعَلَّ المَنعَ مِن إطلاقِ الخَلقِ على القُرآنِ إمَّا للتَّقيَّةِ مُماشاةً مَعَ العامَّةِ، أو لكونِه موهِمًا لمَعنًى آخَرَ أطلقَه الكفَّارُ عليه بهذا المَعنى في قَولِهم: إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ [ص: 7] ) 1415 .
والرِّواياتُ المَنقولةُ في كُتُبِهم عن أهلِ البَيتِ بأنَّ كلامَ اللهِ مُنزَّلٌ غَيرُ مَخلوقٍ توافِقُ ما في كُتُبِ أهلِ السُّنَّةِ؛ فقد أخرَجَ البُخاريُّ في كِتابِ أفعالِ العِبادِ 1416 ، وابنُ أبي حاتمٍ 1417 ، وأبو سعيدٍ الدَّارميُّ 1418 ، والآجُرِّيُّ 1419 ، والبَيهقيُّ 1420 ، واللَّالَكائيُّ في شَرحِ أصولِ اعتقادِ أهلِ السُّنَّةِ 1421 ، وأبو داودَ 1422 عن جَعفرٍ الصَّادِقِ أنَّه قال حينَما سُئِل عن القُرآنِ: (ليسَ بخالقٍ ولا مَخلوقٍ).
قال البَيهَقيُّ: (هو عن جَعفرٍ صَحيحٌ مَشهورٌ، وقد رُوِيَ ذلك عن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ عن أبيه عَليِّ بنِ الحُسَينِ، ورُوِيَ عن الزُّهريِّ عن عَليِّ بنِ الحُسَينِ، ورُوِّيناه مِن أوجِهٍ عن مالكِ بنِ أنَسٍ، وهو مَذهَبُ كافَّةِ أهلِ العِلمِ قديمًا وحَديثًا) 1423 .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (إنَّه قد استَفاضَ ذلك عن جَعفَرٍ) 1424 .
فالاعتِقادُ بأنَّ القُرآنَ مُنزَّلٌ غَيرُ مَخلوقٍ هو الثَّابتُ عن أهلِ البَيتِ؛ فليسَ مِن أئِمَّةِ أهلِ البَيتِ مَن يقولُ بخَلقِ القُرآنِ، ولكِنَّ الإماميَّةَ تُخالفُ أهلَ البَيتِ في عامَّةِ أُصولِهم 1425 .
أمَّا قَولُ الشِّيعةِ مُتابَعةً للمُعتَزِلةِ بأنَّ كلامَ اللهِ لموسى خَلقَه في شَجَرةٍ؛ فهو مُخالفٌ لصَريحِ قَولِه سُبحانَه: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] ، فالتَّأكيدُ بالمَصدَرِ (تَكليمًا) ينفي التَّأويلُ الذي يُشيرونَ إليه؛ ولذا قال غَيرُ واحِدٍ مِنَ العُلماءِ: التَّوكيدُ بالمَصدَرِ ينفي المَجازَ 1426 ، ولو كان الأمرُ على ما يدَّعونَ لم يكُنْ في ذلك مَزيَّةٌ لموسى عليه السَّلامُ، ولا فضيلةٌ اختَصَّ بها؛ فإنَّ (مَن سَمِعَ كلامَ اللهِ مِن مَلَكٍ أو مِن نَبيٍّ أتاه به مِن عِندِ اللهِ أفضَلُ مَرتَبةً في سَماعِ الكلامِ مِن موسى؛ لأنَّهم سَمِعوه مِن نَبيٍّ، وموسى سَمِعَه مِن شَجَرةٍ، ويلزَمُهم أن تَكونَ الشَّجَرةُ هي التي قالت: إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه: 14] ! وهذا ظاهرُ الفسادِ) 1427 .
والعَجَبُ أنَّهم حينَ يُنكِرونَ مُناجاةَ اللهِ لموسى ومُناداتَه، وزَعمِهم أنَّ الشَّجَرةَ هي التي كلَّمت موسى عليه السَّلامُ، لم يأخُذوا بهذا المَنهَجِ فيما يتَّصِلُ بحَديثِهم عن فضائِل الأئِمَّةِ؛ ففي كِتابِ (بحار الأنوارِ) بابٌ بعُنوانِ (بابُ أنَّ اللهَ تعالى ناجاه صَلواتُ اللهِ عليهـ) 1428 ، وساقَ فيه المَجلِسيُّ مَجموعةً مِن رِواياتِهم في هذا المَعنى!
وفي إحدى رِواياتِهم: (لمَّا بَعَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببَراءةَ مَعَ أبي بَكرٍ، وأنزَل اللهُ عليه: تَترُكُ مَن ناجَيتُه غَيرَ مَرَّةٍ، وتَبعَثُ مَن لم أُناجِه؟! 1429 ، أرسَل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخَذَ بَراءةَ منه، ودَفعَها إلى عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه! فقال له عليٌّ: أوصِني يا رَسولَ اللهِ، فقال له: إنَّ اللهَ يوصيك ويُناجيك، قال: فناجاه يومَ بَراءةَ قَبلَ صَلاةِ الأولى إلى صَلاةِ العَصرِ) 1430 .
وفي رِوايةٍ أُخرى: (إنَّ اللهَ ناجى عَليًّا يومَ الطَّائِفِ، ويومَ عَقَبةِ تَبوكَ، ويومَ حُنَينٍ) 1431 .