ظهَر في اليَمَنِ يحيى بنُ الحُسَينِ بنِ القاسِمِ بنِ إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ الحَسَنِ بنِ الحَسَنِ بنِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وهو من أوائِلِ مَن أدخل التَّشيُّعَ الغاليَ والاعتزالَ إلى اليَمَنِ 308 .
قَدِم إلى اليَمَنِ من الحِجازِ سنةَ (284هـ) فدعا إلى نفسِه بالإمامةِ، وتلقَّب بالهادي، وكان فقيهًا مجتَهِدًا، ومُعتَزِليًّا منحَرِفًا عن أهلِ الحديثِ، وقد خالف زيدَ بنَ عَليٍّ في بعضِ ما ذهب إليه من اجتهاداتٍ فِقهيَّةٍ، ومع هذا غَلَب اسمُ المَذهَبِ الزَّيديِّ على مَذهَبِ الهادي؛ وذلك لأنَّ الهاديَ وأتباعَ مَذهَبِه يقولون بإمامةِ زيدِ بنِ عَليٍّ، ووجوبِ الخروجِ على الظَّلَمةِ، ويعتَقِدون فَضلَه وزعامتَه، ويحصُرون الإمامةَ فيمن قام ودعا من أولادِ الحَسَنينِ، ممَّن هو جامِعٌ لشروطِ الإمامةِ المدوَّنةِ في كُتُبِهم، فمَن قال بإمامتِه فهو زيديٌّ، وإن لم يلتَزِمْ مَذهَبَه في الفروعِ، فأكثَرُ أئمَّةِ الزَّيديَّةِ يخالِفون مَذهَبَ زيدٍ في كثيرٍ من المسائِلِ الفِقهيَّةِ الاجتهاديَّةِ، كالقاسِمِ الرَّسِّيِّ، والهادي، والنَّاصِرِ الأُطروشِ، وغَيرِهم 309 .
قال الإمامُ الزَّيديُّ أحمدُ بنُ يحيى المُرتَضى: (فالزَّيديَّةُ مَنسوبةٌ إلى زَيدِ بنِ عَليٍّ؛ لقَولِهم جميعًا بإمامتِه، وإنْ لم يكونوا على مَذهَبِه في مسائِلِ الفُروعِ، وهي تخالِفُ الشَّافعيَّةَ والحَنَفيَّةَ في ذلك؛ لأنَّهم إنَّما نُسِبوا إلى أبي حنيفةَ والشَّافعيِّ لمتابعتِهم لهما في الفُروعِ) 310 .
وقال الإمامُ الزَّيديُّ يحيى بنُ حمزةَ: (فمَن كان على عقيدتِه في الدِّيانةِ والمسائِلِ الإلهيَّةِ، والقَولِ بالحِكمةِ، والاعترافِ بالوَعدِ والوعيدِ، وحَصرِ الإمامةِ في الفِرْقةِ الفاطميَّةِ، والنَّصِّ في الإمامةِ على الثَّلاثةِ الذين هم عليٌّ ووَلَدُه، وأنَّ طريقَ الإمامةِ الدَّعوةُ فيمن عداهم، فمن كان مُقِرًّا بهذه الأصولِ فهو زيديٌّ) 311 .
وغُلاةُ الزَّيديَّةِ الهادويَّةُ في اليَمَنِ يجعَلون عَليًّا وفاطِمةَ والحَسَنينِ معصومِينَ كالأنبياءِ عليهم السَّلامُ، ويجعلون إجماعَ أبنائِهم حُجَّةً؛ لأنَّهم عندهم وَحدَهم آلُ محمَّدٍ، ولا يجعَلون آلَ العبَّاسِ ولا آلَ عليٍّ من غيرِ الحَسَنينِ من أهلِ البيتِ، ولا يَعُدُّون من عُلَماءِ أهلِ البيتِ العُلَماءَ الهاشِميِّين الذين على غيرِ المَذهَبِ الزَّيديِّ؛ فإنَّ بعضَ الفُقَهاءِ الهاشِميِّين أحنافٌ ومالكيَّةٌ وشافعيَّةٌ وحنابلةٌ، وكثيرٌ من الفُقَهاءِ الحَسَنيِّينَ والحُسَينيِّينَ في اليَمَنِ شوافِعُ معروفون في تِهامةَ وعَدَنٍ وحَضرَموتَ وغَيرِها 312 .
وكان زيديَّةُ اليَمَنِ يعتَقِدون أنَّ المصيبَ في الاجتهاديَّاتِ واحدٌ إلى زَمَنِ الإمامِ المتوكِّلِ أحمدَ بنِ سُلَيمانَ 313 ، الذي استقدم بعضَ عُلَماءِ المُعتَزِلةِ من أهلِ العِراقِ إلى اليَمَنِ، فانتشر بَيْنَ الهادَويَّةِ مَذهَبُ مُعتَزِلةِ البَصرةِ 314 .
وزيديَّةُ اليَمَنِ يُقَلِّدون غالبًا الإمامَ الهاديَ يحيى بنَ الحُسَينِ، وهم يُنسَبون إليه، فيقالُ لهم: الهادَويَّةُ.
وكان الهادي يدعو في كتُبِه إلى مَذهَبِ الشِّيعةِ الزَّيديَّةِ الجاروديَّةِ، لكِنَّه لا ينسُبُ نفسَه إلى أبي الجارودِ، فهو أشرَفُ في نَفسِه من أن ينتَسِبَ إلى أبي الجارودِ الكوفيِّ الذي لم يكُنْ من أهلِ البيتِ، وكذلك الزَّيديَّةُ الغُلاةُ لا ينسُبون أنفُسَهم إلى الجاروديَّةِ، بل ينسُبون أنفُسَهم إلى زيدِ بنِ عَليٍّ أو إلى الهادي يحيى بنِ الحُسَين، ويزعُمون أنَّهم يتَّبِعون أهلَ البيتِ، ويعتَقِدون عقائِدَ الجاروديَّةِ من القَولِ بأنَّ عليًّا هو الوَصيُّ، وبُغضِ الصَّحابةِ والطَّعنِ فيهم، ويُسَمُّون هذه العقائِدَ عقيدةَ أهلِ البيتِ 315 !
وقد خاض في عِلمِ الكلامِ على طريقةِ المُعتَزِلةِ؛ فهو في كتُبِه يجتَهِدُ في الدَّعوةِ إلى عقائِدِهم بالطُّرُقِ الكلاميَّةِ الفَلسفيَّةِ، وبالنُّصوصِ المتشابِهةِ، والحُجَجِ العَقليَّةِ المتكَلَّفةِ، ويَظهَرُ ذلك جَليًّا في كثيرٍ من كتُبِه ورسائِلِه لا سيَّما رسالتِه في الرَّدِّ على الحَسَنِ بنِ مُحمَّدِ بنِ الحَنَفيَّةِ؛ ففيها الخوضُ في أكثَرَ من أربعين مسألةً غالِبُها من فُضولِ العِلمِ، ومن التَّنطُّعِ والتَّكلُّفِ، والهادي لا ينسُبُ نفسَه إلى مَذهَبِ المُعتَزِلة، بل يرى أنَّ عقائِدَ المُعتَزِلةِ التي يوافِقُهم عليها هي نفسُ عقيدةِ أهلِ البيتِ، وهو يخالِفُهم في بعضِ المسائِلِ، مِثلُ قَولِهم بأنَّ الإمامةَ تَصلُحُ في كُلِّ مسلمٍ، وإن كان من غيرِ أهلِ البيتِ، والهادي يعتَقِدُ أنَّ الإمامةَ لا تكونُ إلَّا في نَسلِ الحَسَنِ والحُسَينِ مَّمن شَهَر سيفَه، ودعا إلى نفسِه، وهو في كتُبِه ورسائِلِه يَرُدُّ على الرَّافضةِ الذين يجعلون الأئمَّةَ اثنَي عَشَرَ إمامًا، منهم محمَّدٌ الباقِرُ، وجعفَرٌ الصَّادِقُ، وموسى الكاظِمُ، ومَن بَعدَهم ممَّن لم يخرُجْ على الحُكَّامِ الذين كانوا في زمانِهم 316 .
والهادي عندَه غُلُوٌّ مُفرِطٌ في آلِ البيتِ، حتى إنَّه كان يحمِلُ قَولَه تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43] على عُلَماءِ أهلِ البيتِ دونَ غَيرِهم من عُلَماءِ الأمَّةِ 317 !
وكان يُفَسِّرُ قَولَ اللَّهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] بأنَّ المرادَ بأُولي الأمرِ أهلُ البَيتِ دونَ غَيرِهم من حُكَّامِ المُسلِمين 318 .
وكان يرى أنَّ معنى قولِ اللَّهِ تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ [آل عمران: 26] أي: يؤتي المُلكَ مَن يشاءُ من الأنبياءِ ثُمَّ الأئمَّةِ مِن بَعدِهم، والذين يشاءُ أن يَنزِعَه منهم هم أعداؤه جَبابرةُ الأرضِ 319 .
وقال الهادي: (مَن أنكَرَ أن يكونَ عَليٌّ أَولى النَّاسِ بمقامِ الرَّسولِ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه فقد ردَّ كتابَ اللَّهِ، وأبطَلَ قَولَ رَبِّ العالمين، وخالف في ذلك ما نطَق به الكِتابُ المُبينُ، وأخرج هارونَ من أمرِ موسى كُلِّه، وأكذَبَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه في قَوِله، وأبطَلَ ما حَكَم به في أميرِ المُؤمِنين، فلا بُدَّ أن يكونَ مَن كَذَّب بهذين المعنيينِ في دينِ اللَّهِ فاجِرًا، وعند جميعِ المسلِمين كافِرًا! حَدَّثني أبي عن أبيه أنَّه سُئِل عن إمامةِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رحمة اللَّهُ عليه: أفرضٌ هي من اللَّهِ؟ فقال: كذلك نقولُ، وكذلك يقولُ العُلَماءُ من آلِ الرَّسولِ عليه وعلى آلِه السَّلامُ، قولًا واحدًا لا يختَلِفون فيه؛ لسَبقِه إلى الإيمانِ باللَّهِ، ولِما كان عليه من العِلمِ بأحكامِ اللَّهِ، ... وهذا بَيِّنٌ والحمدُ للهِ لكُلِّ مرتادٍ طالِبٍ في عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رحمةُ اللَّهِ عليه، لا يجهَلُه إلَّا متجاهِلٌ جائِرٌ، ولا يُنكِرُ الحقَّ فيه إلَّا ألدُّ مكابِرٌ، حَدَّثني أبي عن أبيه أنَّه سُئِل عمَّن حارب أميرَ المُؤمِنين، وعمَّن تخلَّف عنه في حَربِه فلم يكُنْ معه ولا عليه؟ فقال: مَن حارَبَه فهو حَربٌ للهِ ولرَسولِه، ومَن قَعَد عنه بغيرِ إذنِه فضالٌّ هالِكٌ في دينِه... فإذا فَهِم ولايةَ أميرِ المُؤمِنين عليه السَّلامُ واعتقَدَها، وقال في كُلِّ الأمورِ سِرًّا وعلانيةً بها، وَجَب عليه التَّفضيلُ والاعتقادُ، والقولُ بإمامةِ الحَسَنِ والحُسَينِ الإمامَينِ الطَّاهِرَينِ، سِبْطَيِ الرَّسولِ المُفَضَّلين، اللَّذَين أشار إليهما الرَّسولُ، ودَلَّ عليهما، وافترض اللَّهُ سُبحانَه حُبَّهما، وحُبَّ مَن كان مِثلَهما في فِعلِهما من ذريَّتِهما، حينَ يقولُ لرسَولِه صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى: 23] ،... فهما ابناه وولداه بفَرضِ اللَّهِ وحُكمِه،... فإذا أقام معرفةَ ولايتِهما، وقال بتفضيلِهما وإمامتِهما، وَجَب عليه أن يَعرِفَ أُولي الأمرِ مِن ذُرِّيَّتِهما 320 ، الذين أُمِر الخَلقُ بطاعتِهم، فيَعلَمَ أنَّ الأمرَ والنَّهيَ والحِكمةَ والإمامةَ مِن بَعدِهما في ذريَّتِهما دونَ غيرِهما، لا تجوزُ إلَّا فيهم، ولا تُرَدُّ إلَّا إليهم، وأنَّ الإمامَ مِن بَعدِهما مِن ذريَّتِهما مَن سار بسِيرتِهما، وكان مِثلَهما، واحتذى بحَذوِهما، فكان وَرِعًا تقيًّا، صحيحًا نقيًّا، وفي أمرِ اللَّهِ سُبحانَه جاهِدًا، وفي حُطامِ الدُّنيا زاهِدًا، وكان فَهِمًا بما يحتاجُ إليه، عالمَّا بتفسيرِ ما يَرِدُ عليه، شُجاعًا كَمِيًّا، بَذولًا سَخِيًّا، رؤوفًا بالرَّعيَّةِ رَحيمًا، متعَطِّفًا متحنِّنًا حليمًا، مواسيًا لهم بنفسِه، مُشرِكًا لهم في أمرِه، غيرَ مُستأثرٍ عليهم، ولا حاكِمٍ بغيرِ حُكمِ اللَّهِ فيهم، قائمًا شاهِرًا لسَيفِه، داعيًا إلى رَبِّه، رافعًا لرايتِه، مجتَهِدًا في دعوتِه، مُفَرِّقًا للدُّعاةِ في البلادِ، غيرَ مُقَصِّرٍ في تألُّفِ العبادِ، مخيفًا للظَّالمين، ومُؤمِنًا للمُؤمِنين، لا يأمَنُ الفاسقين ولا يأمنونَه، بل يَطلُبُهم ويَطلُبونه، قد باينهم وباينوه، وناصَبهم وناصَبوه، فهم له خائِفون، وعلى إهلاكِه جاهِدون، يبغيهم الغوائِلَ، ويدعو إلى جهادِهم القبائِلَ، متشَرِّدًا عنهم، خائفًا منهم، لا يردَعُه عن أمرِ اللَّهِ رادعٌ، ولا تهولُه الأخوافُ، ولا يمنَعُه عن الجهادِ عليهم كثرةُ الإرجافِ، شِمِّريٌّ مُشَمِّرٌ، مجتَهِدٌ غيرُ مُقَصِّرٍ، فمن كان كذلك من ذُرِّيَّةِ السِّبطَينِ الحَسَنِ والحُسَينِ، فهو الإمامُ المفتَرَضةُ طاعتُه، الواجبةُ على الأمَّةِ نُصرتُه، ومن قَصَّر عن ذلك ولم ينصِبْ نفسَه للهِ، ويَشهَرْ سيفَه له، ويبايِنِ الظَّالمين ويباينوه، ويُبَيِّنْ أمرَه، ويرفَعْ رايتَه ليُكمِلَ الحُجَّةَ لرَبِّه على جميعِ بَرِيَّتِه، بما يَظهَرُ لهم من حُسنِ سِيرتِه، وظاهِرِ ما يبدو لهم من سَريرتِه، فتَجِبُ طاعتُه على الأمَّةِ، والمهاجَرةُ إليه، والمُصابرةُ معه ولَدَيه، فمَن فعل ذلك من الأمَّةِ معه مِن بَعدِ أن قد أبان لهم صاحِبُهم نفسَه، وقصَدَ رَبَّه، وشَهَر سَيفَه، وكَشَف بالمبايَنةِ للظَّالمين رأسَه، فقد أدى إلى اللَّهِ فَرْضَه، ومَن قَصَّر في ذلك كانت الحُجَّةُ عليه للهِ قائمةً، ساطعةً مُنيرةً، بَيِّنةً قاطعةً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: 42] ، مِثلُ مَن قام من ذُرِّيَّتِهما من الأئمَّةِ الطَّاهِرين، الصَّابرينَ للهِ المحتَسِبين، مثلُ زَيدِ بنِ عَليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنه إمامِ المتَّقين، والقائِمِ بحُجَّةِ رَبِّ العالَمين، ومِثلُ يحيى ابنِه المحتَذي بفِعلِه، ومِثلُ مُحمَّدِ بنِ عبدِ اللَّهِ 321 ، وإبراهيمَ أخيه 322 ، المجتَهِدينِ للهِ، المصَمِّمَينِ في أمرِ اللَّهِ، اللَّذينِ لم تأخُذْهما في اللَّهِ لومةُ لائمٍ، اللَّذينِ مَضَيا قَدَمًا قَدَمًا، صابرَينِ محتَسِبَينِ، وقد مُثِّل بآبائِهما وعُمومتِها أقبَحَ المَثْلِ، وقُتِلوا أفحَشَ القَتلِ، فما ردَعَهما ذلك عن إقامةِ أمرِ خالِقِهما، والاجتهادِ في رِضا رَبِّهما، فصَلَواتُ اللَّهِ على أرواحِ تلك المشايخِ وبركاتُه؛ فلقد صبروا للَّهِ واحتَسَبوا، وما وَهَنوا ولا جَزَعوا...
ومِثلُ الحُسَينِ بنِ عَليٍّ الفَخيِّ 323 ، الشَّهيدِ المحرِمِ المجرَّدِ للهِ سُبحانَه، المُصَمِّمِ الباذِلِ نَفسَه للهِ في عصابةٍ قليلةٍ من المُؤمِنين، يأمرون بالمعروفِ، وينهون عن المُنكَرِ، ويَضرِبون ويُضرَبون، حتى لقُوا اللَّهَ على ذلك، وقد رضِيَ عنهم، وقَبِل فِعلَهم منهم، فرحمةُ اللَّهِ وبركاتُه عليهم، ويحيي بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الحَسَنِ 324 القائِمِ للهِ، المحتَسِبِ الصَّابِرِ للهِ على الشِّدَّةِ والغَضَبِ، ومُحمَّدِ بنِ إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ 325 القائِمِ بحُجَّةِ اللَّهِ الجليلِ، الدَّاعي إلى الحَقِّ، والنَّاهي عن الفِسقِ، المتفَرِّدِ للهِ، الصَّابِرِ له في كُلِّ أمرِه، الحاكِمِ في كُلِّ الأمورِ بحَقِّه، ومِثلُ القاسِمِ بنِ إبراهيمَ 326 الفاضِلِ العالِمِ الكريمِ، المجَرِّدِ لسَيفِه، المصَمِّمِ الباذِلِ لنفسِه، المبايِنِ للظَّالمين، الدَّاعي إلى الحقِّ المُبين، صلواتُ اللَّهُ عليهم أجمعين ورحمتُه وبركاتُه، فمَن كان كذلك من ذُرِّيَّةِ الحَسَنِ والحُسَينِ، فهو إمامٌ لجميعِ المسلمين، لا يسَعُهم عصيانُه، ولا يحِلُّ لهم خِذلانُه، بل يجِبُ عليهم طاعتُه ومُوالاتُه، ويُعَذِّبُ اللَّهُ مَن خذَلَه، ويثيبُ مَن نَصَره، ويتولَّى من تولَّاه، ويُعادي مَن عاداهـ) 327 .
وكانت للهادي جُرأةٌ عظيمةٌ على تأويلِ الآياتِ القُرآنيَّةِ على غيرِ ظاهِرِها، كما فعل أيضًا في تأويلِ قَولِ اللَّهِ تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44] ؛ حيث أنكر أن تكونَ الأشياءُ تُسَبِّحُ للهِ حقيقةً كما أخبَرَ اللَّهُ في كتابِه، وأوَّلَ ذلك بأنَّه ما من شيءٍ إلَّا وفيه من أثَرِ الصَّنعةِ والتَّدبيرِ والتَّقديرِ ما يَدُلُّ على اللَّهِ، ويوجِبُ على مَن عَرَف ذلك وتفَكَّرَ فيه تسبيحَ اللَّهِ والإقرارَ بوحدانيَّتِه، ومِثلُ ذلك تفسيرُه قَولَه تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرحمن: 6] بأنَّ المرادَ سُجودُ الإنسانِ الذي يتفَكَّرُ في النُّجومِ والأشجارِ 328 !
ومن ذلك أنَّه في تفسيرِ قَولِه تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: 30] أنكر أن يخاطِبَ اللَّهُ جَهنَّمَ، وأنَّها ترُدُّ عليه بقولِها: هل من مزيدٍ؟ وذكر أنَّ الخِطابَ لخَزَنةِ جهنَّمَ لا لجهنَّمَ، وأنَّ الذي يقولُ: هل من مزيدٍ، هم خَزَنةُ جهنَّمَ لا جَهنَّمُ 329 !
ومن ذلك إنكارُه أن يدعوَ اللَّهُ الكافرين يومَ القيامةِ إلى السُّجودِ فلا يستطيعون، كما هو صريحُ قولِ اللَّه سُبحانَه: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: 42] ، وادَّعى أنَّ المعنى: يُدْعَون إلى إثباتِ حُجَّةٍ ظاهِرةٍ على أنَّهم كانوا من أهلِ السُّجودِ والإيمانِ، ورَدَّ على المفسِّرين الذين فسَّروها بأنَّ اللَّه يأمرُ النَّاسَ يومَ القيامةِ بالسُّجودِ 330 ، وقد جاءت السُّنَّةُ الصَّحيحةُ بما يوافِقُ نَصَّ الآيةِ الكريمةِ 331 .
ومن ذلك إنكارُه انكشافَ سَوءاتِ آدَمَ وحوَّاءَ بعدَ أكلِهما من الشَّجَرةِ، وأوَّلَ ذلك بأنَّ المرادَ بدا لهما سُوءُ فِعْلِهما 332 ، مع أنَّ الآيةَ تنُصُّ على أنَّه قد كُشِفَت سوآتِهما وأنَّهما طَفِقا يخصِفان عليهما مِن وَرَقِ الجنَّةِ، كما قال اللَّهُ تعالى: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: 22] .
وقال الهادي في تفسيرِ قولِه تعالى: يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا [الأعراف: 27] : (الذي بلَغَنا عن نبيِّنا محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسلَّم أنَّ لباسَهما هو لِباسُ التَّقوى والإيمانِ لا ما يقولُ الجاهِلون: إنَّه لباسُ ثِيابٍ) 333 .
وقد أنكَر تكليمَ اللَّهِ تعالى لموسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حقيقةً كما أخبر في كتابِه، وفَسَّر قولَه تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] بأنَّ اللَّهَ خَلَق كلامًا أسمعه موسى 334 ، وهذا القولُ يقولُه المُعتَزِلةُ والأشاعِرةُ الذين يُنكِرون أنَّ اللَّهَ سُبحانَه يتكَلَّمُ حقيقةً كما يليقُ بجَلالِه 335 .
وقد أنكَر أن يكونَ موسى عليه السَّلامُ قد طَلَب من اللَّهِ أن يُرِيَه نفسَه، فقال في تفسيرِ قَولِه تعالى: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: 143] : (لم يُرِدْ موسى عليه السَّلامُ ما يتوَهَّمُ الجاهِلون من أن يكونَ سأل أن يَرى ما لا يُرى، وموسى عليه السَّلامُ أعرَفُ باللَّهِ مِن أن يجعَلَه محدودًا، وإنَّما المعنى: أَرِني آيةً مِن كِبارِ آياتِك، أنظُرْ بها إلى عجائِبِ قُدرتِك، فأوحى اللَّهُ إليه إنَّك لَنْ تَرَانِي أي: لن ترى مني تلك الآيةَ؛ لضَعفِ بِنيتِك عمَّا طلَبْتَ مِن عظيمِ آياتي) 336 .
وأنكَر النَّفخَ في الصُّورِ، وذكر أنَّ الصُّورَ جمعُ صُورةٍ، ونفخُ اللَّهِ فيها النَّفخةَ الأولى بمعنى إفنائِها، والنَّفخةُ الثَّانيةُ في الصُّورِ والأبدانِ الباليةِ لحياتِها 337 .
ومن ذلك أنَّه فسَّر قَولَه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: 43] بأنَّ المرادَ سُكرُ النَّومِ، لا سُكرُ الخَمرِ 338 !
ومن ذلك أنَّه فسَّر قَولَه تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: 17] أنَّ العَرشَ هو مُلكُ اللَّهِ، قال: والمُلكُ ما خَلَق اللَّهُ في الآخرةِ والأولى، ومعنى ثمانيةٍ: لا يخلو أن يكونَ ثمانيةَ أصنافٍ من الملائكةِ أو ثمانيةَ آلافٍ، وحَمْلُها للعَرشِ هو قيامُها فيه ونهوضُها، وإنفاذُ أمرِ ربِّها، وإيصالُ الثَّوابِ للمُثابين، والعِقابِ إلى المعاقِبين، وفسَّر فَوقَهم بأنَّ المعنى منهم؛ لأنَّه يُنكِرُ أنَّ للهِ عَرشًا مخلوقًا، وأنَّ اللَّهَ استوى عليه 339 ! وذكر الهادي أنَّ الكُرسيَّ هو العرشُ، وأنَّ معناهما واحِدٌ 340 ، وقال الهادي في بعضِ رسائِلِه ما نصُّه: (إنَّ العَرشَ هو اللَّهُ! وإنَّ الوَجهَ هو اللَّهُ! وإنَّ الكُرسيَّ هو اللَّهُ!) 341 .
ومن ذلك نفيُه أن يكونَ اللَّهُ قد جعَلَ على قُلوبِ الكافِرين أكِنَّةً، وفسَّر قَولَه تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف: 57] بالاستفهامِ للنَّفيِ لينصُرَ قَولَ المُعتَزِلةِ، فقال: (يريدُ سُبحانَه: أإنَّا جعَلْنا على قلوبِهم أكِنَّةً كما قالوا، وفي آذانِهم وَقرًا كما ذكروا؟!) 342 .
ومن ذلك أنَّه فسَّر قَولَه تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: 20] أنَّ المرادَ صلاةُ العِشاءِ، وليس المرادُ صلاةَ قيامِ اللَّيلِ 343 ، وقال مُنكِرًا صلاةَ التَّراويحِ: (لم يبلُغْنا أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلى بالنَّاسِ تراويحَ ليلةً ولا ليلتينِ، ولا ساعةً ولا ساعتينِ، ولم يَرْوِه أحدٌ من علمائِنا، ولم يُؤثِرْه عن النَّبيِّ أحدٌ من آبائِنا) 344 .
هكذا قال الهادي، مع أنَّ التَّراويحَ مذكورةٌ في مسنَدِ الإمامِ زيدٍ، وهو من أشهَرِ الكُتُبِ عِندَ الزَّيديَّةِ، ففيه ما نصُّه: (حَدَّثني زيدُ بنُ عَليٍّ عن أبيه عن جَدِّه عن عليٍّ -عليهم السَّلامُ- أنَّه أمَر الذي يُصَلِّي بالنَّاسِ صلاةَ القيامِ في شَهرِ رمَضانَ أن يُصَلِّيَ بهم عِشرين) 345 .
وغرائِبُ الهادي في الفِقهِ كثيرةٌ؛ منها أنَّه قال: (رَفعُ اليَدَينِ في التَّكبيرِ في الصَّلاةِ لا يجيزُه عُلَماءُ آلِ الرَّسولِ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسلَّم، وقد قيل: إنَّ رفعَ اليَدَينِ فِعلٌ جاهِليٌّ كانت قُرَيشٌ تفعَلُه لآلهتِها وأصنامِها عِندَ وقوفِها تجاهَها) 346 .
والنَّاظِرُ في كتُبِ الهادي يجِدُ أنَّ بعضَ المسائِلِ أصاب فيها، وخالفه بعضُ الزَّيديَّةِ مِن بَعدِه، مِثلُ إثباتِ المعراجِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى السَّمواتِ 347 ، ونجِدُ بعضَ الشِّيعةِ الزَّيديَّةِ الذين يزعُمون اتِّباعَ الهادي يُنكِرون ذلك!
ومن ذلك إثباتُ النِّصابِ في زكاةِ الزُّروعِ؛ قال الهادي: (الزَّكاةُ واجبةٌ على الإنسانِ في مالِه، إذا بلَغ من الطَّعامِ خمسةَ أوسُقٍ في سَنَتِه وَجَب عليه أن يُخرِجَ عُشْرَ ما وقَعَ من الطَّعامِ، والوَسقُ سِتُّون صاعًا) 348 .
وقد وافق الهادي في هذا السُّنَّةَ النَّبَويَّةَ الصَّحيحةَ، ووافق قولَ جُمهورِ الفُقَهاءِ كالمَّالكيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحنابِلةِ، ووافَق فُقَهاءَ أهلِ البَيتِ القُدامى 349 ، لكِنَّ المعتَمَدَ في المَذهَبِ الزَّيديِّ أنَّه لا نِصابَ في الزُّروعِ، وأنَّه يجِبُ إخراجُ الزَّكاةِ من كثيرِ المالِ وقَليلِه، كما هو مَذهَبُ أبي حنيفةَ 350 .
والهادي كان جاهِلًا بالسُّنَّةِ النَّبَويَّةِ، والأمثلةُ على ذلك كثيرةٌ مِن كُتُبِه؛ منها:
أنَّه ذكَرَ أنَّ الملائِكةَ خَلَقها اللَّهُ من الرِّيحِ والهواءِ 351 ، مع أنَّه قد صَحَّ في السُّنَّةِ النَّبويَّةِ المشهورةِ أنَّ اللَّهَ خَلَق الملائكةَ مِن نورٍ 352 .
وأنكَر أن يكونَ الشَّيطانُ يجري من ابنِ آدَمَ مجرى الدَّمِ 353 ، كما ثبت ذلك في الحديثِ الصَّحيحِ 354 .
وأنكر أحاديثَ الشَّفاعةِ المتواتِرةَ 355 356 .
وأنكَر أحاديثَ انشِقاقِ القَمَرِ 357 ، وفسَّر قَولَ اللَّهِ تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1] بقَولِه: (اقترب انشِقاقُ القَمَرِ، وانشِقاقُه هو في يومِ الدِّينِ) 358 ، وجَهِل أنَّ اللَّهَ سُبحانَه أخبَرَ في كتابِه أنَّ القَمَرَ يومَ القيامةِ لا يَنشَقُّ بل يُخسَفُ، ويجمَعُ بينَه وبينَ الشَّمسِ؛ قال اللَّهُ تعالى: وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [القيامة: 8-9] .
والهادي يعتَمِدُ في بعضِ الأحكامِ على رواياتٍ يرويها عن أبيه عن جَدِّه القاسِمِ الرَّسِّيِّ، وروى قليلًا من الأحاديثِ النَّبَويَّةِ عن طريقِ أبيه عن جَدِّه؛ منها ما هو مُرسَلٌ، ومنها ما هو موقوفٌ، وكثيرًا ما يذكُرُ أحاديثَ موضوعةً بلا إسنادٍ، يقولُ فيها: بلَغَنا عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويروي بعضَ الأحاديثِ النَّبَويَّةِ وبعضَ أقوالِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ بإسنادٍ تالفٍ لا يصِحُّ عِندَ أهلِ الحديثِ، وهو هذا الإسنادُ: حَدَّثني أبي عن أبيه قال: حَدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي أُوَيسٍ عن الحُسَينِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ ضميرةَ عن أبيه عن جَدِّه عن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ 359 .
ولم يلتَفِتِ الهادي إلى الأدِلَّةِ المرويَّةِ عِندَ أهلِ الحديثِ، فيستَنبِطُ منها أحكامًا فقهيَّةً، ولكِنَّه أعرَضَ عنها، وما عَلِمَه منها تجاهَلَه؛ لأنَّه كان يُنكِرُ صِحَّةَ تلك الأحاديثِ وإن كانت في صحيحِ البُخاريِّ ومُسلِمٍ، كما بَيَّنَ ذلك المهديُّ أحمدُ بنُ يحيى بنِ المرتضى في كتابه (الغايات)، ناقلًا عن الهادي يحيى بنِ الحُسَينِ في ذِكرِ المخالِفِ أنَّه قال: (ولهم -أي أهلِ السُّنَّةِ- كتابانِ يسمُّونَهما بالصَّحيحينِ، ولَعَمْري هما عن الصِّحَّةِ لخاليانِ)، وعَقَّب المهديُّ على كلامِ الهادي بقولِه: (ولَعَمْري إنَّه - أي الهاديَ- لا يقولُ ذلك على غيرِ بَصيرةٍ) 360 !
فالهادي والمتعَصِّبون من أتباعِ مَذهَبِه لا يعتدُّون بأحاديثِ كُتُبِ السُّنَّةِ؛ لأنَّ رُواتَها لم يكونوا من الشِّيعةِ، ويقتَصِرون على الأحاديثِ المرويَّةِ عن أسلافِهم بأسانيدِهم.
والنَّاظِرُ في كتُبِ عُلَماءِ الزَّيديَّةِ يجِدُ أنَّ أكثَرَهم يؤثِرون العَمَلَ بما قرَّره عُلَماءُ مَذهَبِهم، حتَّى لو كان مصادِمًا لأدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإذا تعارَض ما رجَّحه أهلُ المَذهَبِ الزَّيديِّ في مسألةٍ ما مع النَّصِّ يقولون: والمَذهَبُ بخِلافِه! ويعتَمِدُ المتعَصِّبون ما هو مقرَّرٌ في المَذهَبِ وإن خالف الدَّليلَ، بل وإن خالف قولَ زيدِ بنِ عَليٍّ الذي ينتَسِبون إليه، ومن ذلك أنَّ اللَّهَ تعالى أحلَّ للمُسلِمين أكلَ طعامِ أهلِ الكتابِ، وأحَلَّ زواجَ المُسلِمِ بالكتابيَّةِ؛ قال اللَّهُ تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ [المَّائدة: 5] ، لكِنَّ الهادويَّةَ لم يأخُذوا بما دلَّت عليه هذه الآيةُ الكريمةُ 361 !
قال نَشوانُ بنُ سَعيدٍ الحِميَريُّ (ت 573 هـ) مُنكِرًا على بعضِ المقَلِّدين من عُلَماءِ عَصرِه من متعَصِّبةِ الزَّيديَّةِ الهادويَّةِ؛ لإيثارِهم رأيَ الإمامِ الهادي يحيى بنِ الحُسَينِ على قَولِ اللَّهِ سُبحانَه:
إذا جادَلْتُ بالقرآنِ خَصمي
أجاب مجادِلًا بكلامِ يحيى
فقُلتُ: كلامُ رَبِّك عنه وَحيٌ
أتجعَلُ قَولَ يحيى عنه وَحيَا؟ 362
على أنَّ هذا التَّعصُّبَ للأئمَّةِ المتبوعين ليس خاصًّا بالمَذهَبِ الزَّيديِّ، بل هو شائِعٌ في المذاهِبِ الأخرى كذلك 363 .
والهادي كان يرى نفسَه أفضَلَ أهلِ زمانِه وأعلَمَهم، ويُصَرِّحُ بأنَّ اللَّهَ فَضَّله على أهلِ دَهْرِه، ويرى أنَّه تجِبُ على النَّاسِ طاعتُه، وأنَّه تجِبُ الهِجرةُ إليه لنُصرتِه، وكان يكاتِبُ النَّاسَ بذلك يدعوهم إلى الهِجرةِ إليه وطاعتِه ونُصرتِه 364 ، وبلغ به الأمرُ أنَّه أخبر باستبشارِ الملائكةِ في السَّماءِ بأمرِه، وضَمِن لمن أطاعه الجنَّةَ 365 ، وقال: (واللَّهِ واللَّهِ لو عَلِمتُ أنَّ أحدًا في هذا العَصرِ أقوَمَ بهذا الأمرِ منِّي أو عرَفْتُه من أهلِ البيتِ يقومُ بأفضَلَ ممَّا أقومُ به لاتَّبَعْتُه حيثُ كان، ولكِنِّي لا أعلَمُهـ) 366 !
وقال جامِعُ سيرتِه عَليُّ بنُ محمَّدٍ العَلَويُّ: (سمِعتُه ما لا أحصيه إذا اجتَمَع عندَه النَّاسُ يقولُ: واللَّهِ لئِنْ أطعْتُموني لا فقَدْتُم من رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسلَّم إلَّا شَخْصَه إن شاء اللَّهُ تعالى) 367 !
فالهادي كان يرى أنَّه يقومُ مقامَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسلَّم، وأنَّه خيرُ أهلِ الأرضِ الواجِبُ طاعتُه، وكان يُلقِّبُ نفسَه: الهادي إلى الحَقِّ أميرُ المُؤمِنين يحيى بنُ الحُسَينِ ابنِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسلَّم، وقيل: كان يتواضَعُ للنَّاسِ ويَرحَمُ المساكينَ ويُوَزِّعُ الصَّدَقاتِ عليهم مع الحِرصِ على إظهارِ هَيبتِه في مَلبَسِه، ولا يحِبُّ أن يُنادى بالسَّيِّدِ، ويحِبُّ أن يُنادى بابنِ رَسولِ اللَّهِ، وكان يأمُرُ بالمعروفِ وينهى عن المُنكَرِ، ويُعلِّمُ النَّاسَ، ويتفَقَّدُ أحوالَهم، وكان يتورَّعُ عن الحرامِ في مأكَلِه، ويحرِصُ على العَدلِ في حُكمِه 368 . ومن حَسَناتِه التي تُذكَرُ له إقامةُ الحُدودِ والقِصاصِ، وإلزامُ النِّساءِ بالحِجابِ، والإصلاحُ بَيْنَ القبائِلِ، ومحاربةُ القرامِطةِ الباطنيَّةِ في اليَمَنِ، وله مواقِفُ طيِّبةٌ في العَفوِ عِندَ المقدِرةِ، والغَضَبِ على عساكِرِه إن وقع منهم ظُلمٌ وتَعَدٍّ على النَّاسِ 369 .
وكان الهادي قويًّا حازِمًا، فارِسًا شُجاعًا، قَويَّ القَلبِ، ثابتَ الجأشِ، شديدًا على مخالِفيه، وربَّما رمى بالكُفرِ مَن يقاتِلُهم ولعَنَهم، وقد قَتَل بيَدِه في حروبِه كثيرًا من الذين يقاتِلونه 370 ، وهَدَم كثيرًا من القُرى والبُيوتِ، وربَّما أمَرَ بحَرقِها بعد هَدمِها، وقطَعَ كثيرًا من نخيلِ أهلِ اليَمَنِ وأعنابِهم، وأفسَد كثيرًا من مزارِعِهم وآبارِهِم، وطَرَد بعضَ أهلِ القُرى من قراهم وشَرَّدَهم، وفي بعضِ المعارِكِ التي انتَصَر فيها أمَرَ بقطعِ رُؤوس القتلى، وفي بعضِ المواطِنِ في نجرانَ عَلَّق جُثَثَ القتلى على الأشجارِ بعراقيبِهم مُنَكَّسين حتى أنتَنَت القريةُ نَتْنًا شديدًا 371 !
وكان الهادي يرى أنَّ أكبَرَ فرائِضِ اللَّهِ على خَلقِه، وأعظَمَ ما افترض على عبادِه ضَرْبُ وجوهِ أعداءِ اللَّهِ بالسَّيفِ، وسَفكُ دمائِهم، ومجاهَدتُهم على مخالفةِ الحَقِّ؛ ولهذا خُلِق الخَلقُ؛ لأنَّه أفضَلُ عبادتِه 372 .
قال العَلَويُّ جامِعُ سيرةِ الهادي: (سمعتُه يقولُ: لأضرِبَنَّ ضَربًا ما ضربه إلَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ رحمةُ اللَّهِ عليه،... وسمِعتُه يقولُ يومًا وعندَه النَّاسُ: ما أشتفي ولا يشفي قلبي إلَّا أن أطَأَ جِيَفَ المخالِفين للحَقِّ بفَرَسي) 373 .
والنَّاظِرُ في سيرةِ الهادي التي جمَعَها أحَدُ أصحابِه يجِدُ فيها أمورًا مُنكَرةً غيرَ قَتلِ المخالفين له، وقَطْعِ أشجارِهم، وهَدْمِ بُيوتِهم وحُصونِهم، وحَرقِ بَعضِ القُرى، وطَرْدِ أهلِها؛ فمِن ذلك أخذُه أموالَ الذين يقاتِلونه غنائِمَ، وربما أباح لجُندِه أن ينهَبوا أموالَهم، مع أنَّ المحاربينَ له لم يكونوا من القرامِطةِ أحيانًا، بل كانوا مُسلِمين ممن يقاتِلُهم ويقاتِلونَه على المُلْكِ 374 ! ومن ذلك أنَّه كان في بعضِ السِّنينَ لا يُعطي الزَّكاةَ لمُستَحقِّيها من الفُقَراءِ، وقد أنكر عليه بعضُ أتباعِه، فبَيَّن لهم حجَّتَه في مَنعِ الفُقَراءِ الزَّكاةَ في بعضِ السَّنواتِ، وأنَّه كان محتاجًا لصَرفِها لأنصارِه وجُندِه، حتَّى لا يضعُفَ عن إقامةِ دَولتِه 375 ، مع كونِه كان أحيانًا يأخُذُ ضرائِبَ على النَّاسِ بقَدْرِ غِناهم وفَقرِهم لينفِقَها على عساكِرِه، ويُقَوِّيَ بها دولتَه 376 !
أئمَّةُ الزَّيديَّةِ ودَورُهم في نَشرِ القُبوريَّةِ في اليَمَنِ:
النَّاظِرُ في كتُبِ عقائِدِ الزَّيديَّةِ وكتُبِ التَّاريخِ والتَّراجِمِ المتعَلِّقةِ بهم يجِدُ أنَّ عُلَماءَ الزَّيديَّةِ وأئمَّتَهم لم يهتمُّوا كثيرًا بتقريرِ توحيدِ الألوهيَّةِ، ولم يجتَهِدوا في الدَّعوةِ إليه، ولم يحرِصوا على التَّحذيرِ من الشِّركِ باللَّهِ عزَّ وجَلَّ في عبادتِه 377 .
ومن أعظَمِ ما يُقَرِّرونه في كتُبِهم نفيُ صفاتِ اللَّهِ الثَّابتةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وادِّعاءُ أنَّ إثباتَها تشبيهٌ للهِ سُبحانَه، وتقريرُ كثيرٍ من عقائِدِ المُعتَزِلةِ، كالقَولِ بخَلقِ القرآنِ، وخَلقِ أفعالِ العِبادِ، والقَولِ بتخليدِ العُصاةِ في النَّارِ، ومن أعظَمِ ما يُقَرِّرونه في كتُبِهم تثبيتُ الوَصيَّةِ لعَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، وإثباتُ حَقِّ الإمامةِ في ذُرِّيَّةِ الحَسَنِ والحُسَينِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، والطَّعنُ في كثيرٍ من الصَّحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، وأنَّ الخروجَ على الحُكَّامِ الجائرين جهادٌ في سبيلِ اللَّهِ، ولم يكتفوا بتقريرِه بلا عَمَلٍ، بل نجِدُهم في كُلِّ عَصرٍ يقومون بالثَّوراتِ والخُروجِ على الحُكَّامِ، ولا يتوَرَّعون عمَّا يحصُلُ بسبَبِ ذلك من مفاسِدَ عظيمةٍ، وحُروبٍ طاحنةٍ، يُسفَكُ فيها كثيرٌ من دماءِ أتباعِهم وأعدائِهم، وهم يحسَبون أنَّهم يُحسِنون صُنعًا! وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 11-12] 378 .
وأئمَّةُ الزَّيديَّةِ في اليَمَنِ يُجَوِّزون البناءَ على قُبورِ عُظَمائِهم، ولا يحَذِّرون النَّاسَ من التَّوسُّلِ والتَّبرُّكِ بها، ووُجِدَت في اليَمَنِ كثيرٌ من المشاهِدِ والقِبابِ المبنيَّةِ على القُبورِ، ووُجِدَ حولَها سَدَنةٌ يتأكَّلون منها، ويحكون للعوامِّ الخُرافاتِ التي ترغِّبُهم في النُّذورِ لها والتَّوسُّلِ بها، ويبنون بتلك القبورِ مجدًا وجاهًا على أنقاضِ عقائِدِ الأمَّةِ، بعد أن تحوَّلت تلك القبورُ إلى مزاراتٍ مُقَدَّسةٍ يعتَقِدُ فيها العوامُّ وأشباهُهم ما لا يجوزُ اعتقادُه إلَّا في اللَّهِ تعالى، حتَّى إنَّ مِن العوامِّ مَن يتبَرَّكُ بتربتِها، ومِن العوامِّ مَن يدعو أصحابَ تلك القبورِ مِن دونِ اللَّهِ سُبحانَه، وتغاضى أئمَّةُ الزَّيديَّةِ عن ذلك، وتركوا العوامَّ يَغرَقون في بحرِ الشِّركِ والخُرافةِ!
والإمامُ الزَّيديُّ المتعَصِّبُ المنصورُ باللَّهِ عبدُ اللَّهِ بنُ حَمزةَ أوَّلُ مَن سَنَّ لأئمَّةِ الزَّيديَّةِ سُنَّةَ البناءِ على المشاهِدِ 379 ، فكأنَّه أراد أن يُظْهِرَ بذلك شيئًا من أبَّهةِ المُلكِ للأئمَّةِ وهم أمواتٌ، كما هي لهم وهم أحياءٌ 380 !
وقد خَطَا الإمامُ الزَّيديُّ عبدُ اللَّهِ بنُ حَمزةَ بالقُبوريَّةِ في الدِّيارِ اليَمنيَّةِ خُطواتٍ كبيرةً جِدًّا؛ إذ لم يكتَفِ بأن يبنيَ لنفسِه مَشهَدًا في حياتِه أو يوصِيَ أن يُبنى له ذلك بعدَ وَفاتِه، وإنَّما سَنَّ ذلك عمليًّا في حياتِه بأمرٍ إماميٍّ وتهديدٍ شَديدِ اللَّهجةِ لأهلِ قَريةِ لَصَفٍ 381 التي قُتِلَ فيها أخوه إبراهيمُ بنُ حمزةَ وهو يقاتِلُ الأيوبيِّينَ؛ فقد كَتَب لهم عبدُ اللَّهِ بنُ حَمزةَ هذه الرِّسالةَ:
(بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، من عبدِ اللَّهِ المنصورِ باللَّهِ أميرِ المُؤمِنين إلى كافَّةِ السَّاكنينَ بلَصَفٍ من المُؤمِنين والمُسلِمين، سلامٌ عليكم، فإنَّا نحمَدُ اللَّهَ إليكم الذي لا إلهَ إلَّا هو، ونسألُه لنا ولكم التَّوفيقَ لِمَا يحِبُّ ويرضى. أمَّا بعدُ: فقد بلَغَنا جَفْوتُكم للشَّهيدِ الذي تُوُفِّيَ بَيْنَ أظهُرِكم، وحطَّ رحْلَه بَيْنَ أفنِيَتِكم، وجاد بنفسِه دونَ بِلادِكم، واستقبَلَ بوَجهِه العدوَّ صبرًا واحتسابًا حين زاغت الأبصارُ فَشَلًا، وبلغت القلوبُ الحناجِرَ وَجَلًا، وظَنَّ قومٌ باللَّهِ الظُّنونا جَزَعًا، وابتُلِيَ المُؤمِنون بالهزيمةِ امتحانًا، وزُلزِلوا بالحادثةِ اختبارًا، فرَخَص عنده من الموتِ ما غلا عِندَ غيرِه، وغلا عنده من الفِرارِ ما رَخَص عِندَ سواه، وعَلِمَ القصدَ فتَمَّ العَزمُ، ومضى على البصيرةِ على مناهِجِ السَّلَفِ الصَّالحِ مُستقبِلًا لكثرةِ العَدُوِّ وعَزمِه، ومُستصغرًا لعظيمةِ نجدِه، فبلَغَنا أنَّكم هاجِرون لقَبرِه، قالونَ لمصرَعِه، قد صغَّرتُم منه ما عظَّم اللَّهُ سُبحانَه جَهلًا، وجَهِلتُم ما عَلِم الصَّالحون حَيرةً وشَكًّا، كأنَّكم لم تسمعوا أقوالَ محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه فينا: أقرَبُ النَّاسِ منِّي موقفًا يومَ القيامةِ بعدَ حمزةَ وجَعفَرٍ رجُلٌ منَّا أهلَ البيتِ خَرَج بسيفِه فقاتَل إمامًا ظالِمًا فقُتِل
382 ، فهَلَّا -رَحِمَكم اللَّهُ- استشفَيتُم بتُرابِ مَصرَعِه من الأدواءِ، وسألتُم بتُربِة مَضجَعِه رَفْعَ الأسواءِ، واستمطَرْتُم ببركةِ قَبرِه من رحمةِ رَبِّكم طوالِعَ الأنواءِ، وعظَّمتُم حالَه كما يُعَظَّمُ حالُ الشُّهَداءِ، وأوجَبتُم مِن حَقِّه ما ضيَّع الأعداءُ، وعمَّرتُم على قَبِره مَشهَدًا، وجعَلْتُموه للاستغفارِ مَثابةً ومَقصِدًا، ونذَرْتُم له النُّذُرَ تَقَرُّبًا، وزُرتُموه تودُّدًا إلى اللَّهِ سُبحانَه وإلى رسولِه صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وإلينا تحبُّبًا... ألا فاعلَموا بعدَ الذي بلَغَنا عنكم أنَّا قد قَلَيْنا له جوارَكم، ورَغِبنا به عن دارِكم، وعزَمْنا بعدَ الخِيرةِ للهِ سُبحانَه وتعالى على نَقلِه من أوطانِكم إلى مَن يَعرِفُ حَقَّه، ويتيقَّنُ فَضلَه وسَبْقَه، فلو رعيتُم له حُرمةَ القَرابةِ وفَضْلَ وِراثةِ النُّبُوَّةِ لعَلِمتُم حُرمةَ ذلك الدَّمِ الزَّكيِّ) 383 !
والإمامُ يحيى بنُ محمَّدٍ حميدِ الدِّينِ أمَر قبيلةَ أرحَبَ الهَمدانيَّةِ ببناءِ تابوتٍ وقُبَّةٍ على قبرِ الإمامِ أحمدَ بنِ هاشِمٍ الويسيِّ للتَّبرُّكِ به! وهدَّدهم إن لم يفعَلوا ذلك بأنَّه سينقُلُ رُفاتَه إلى مكانٍ آخَرَ، فما كان من أهلِ أرحَبَ إلَّا أن بَنَوا له قُبَّةً ووضَعوا على قَبرِه تابوتًا 384 !
وقد ترتَّب على ذلك خَلَلٌ كبيرٌ في عقيدةِ كثيرٍ من العوامِّ وأشباهِهم، كما صوَّر ذلك الشَّوكانيُّ حينَ ذكَرَ ما يجري عِندَ مشهَدِ الإمامِ أحمَدَ بنِ الحُسَينِ 385 .
وبعد أن ألِفَ عُلَماءُ البلادِ الزَّيديَّةُ هذه المشاهِدَ التي شيَّدها أئمَّةٌ مجتَهِدون في نَظَرِهم ركَنوا إلى ذلك الواقِعِ، وأحسَنوا الظَّنَّ بمن سَنَّ لهم تلك السُّنَّةَ، وتابعوهم عليها بالفِعلِ وبالإفتاءِ، حتَّى إنَّه أفتى بجوازِ البناءِ على القُبورِ الإمامُ الزَّيديُّ يحيى بنُ حمزةَ الحُسَينيُّ الذي أثنى عليه الشَّوكانيُّ في (البَدرِ الطَّالِعِ) ثناءً عاطرًا 386 ! فقد نقل عنه الإمامُ الزَّيديُّ أحمد المرتضى فقال: (مسألة «ي» ولا بأسَ بالقِبابِ والمشاهِدِ على الفُضَلاءِ لاستعمالِ المُسلِمين، ولم يُنكَرْ) 387 . وحرف (ي) في كتابِ (البَحرِ الزَّخَّارِ) رَمزٌ لقولِ الإمامِ يحيى بنِ حمزةَ، وقال المرتضى في كتابِه (الأزهار) الذي هو أشهَرُ متنٍ فِقهيٍّ عِندَ الزَّيديَّةِ على الإطلاقِ، وهو المعتَمَدُ عِندَهم في الدِّراسةِ والفتوى، قال وهو يتكَلَّمُ عمَّا يُندَبُ في القَبرِ: ومنه رَفعُه قَدْرَ شِبرٍ: (وكُرِهَ ضِدُّ ذلك، والإنافةُ بقَبرِ غيرِ فاضِلٍ) 388 .
وقد ردَّ الشَّوكانيُّ على مَن جَوَّز رَفعَ القُبورِ والبناءَ عليها من أئمَّةِ الزَّيديَّةِ في كتابِه: (شَرحُ الصُّدورِ في تحريمِ رَفعِ القُبورِ).
هذا ما يتعَلَّقُ ببناءِ المشاهِدِ والقِبابِ، وأمَّا هَدمُ تلك المشاهِدِ للسِّياسةِ كذلك فهو أظهَرُ، ومن ذلك: ما حَدَث من هَدمِ القُبورِ المُشرِفةِ والمشاهدِ المقامةِ عليها زمَنَ الإمامِ المنصورِ وابنِه المتوكِّلِ على اللَّهِ اللَّذينِ كانا في عَصرِ الشَّوكانيِّ؛ حيثُ إنَّه أجاب أئمَّةَ الدَّعوةِ النَّجديَّةِ إلى هَدمِ بعضِ المشاهِدِ في صَنعاءَ وما حولها، وكتَبَ بذلك إلى سائِرِ الجِهاتِ، ذَكَر ذلك الشَّوكانيُّ في كتابِه (البَدرُ الطَّالِعُ) 389 ، وصاحِبُ كتابِ (حوليَّاتٌ يمانيةٌ) 390 .
والذي يدُلُّ على أنَّ هَدْمَهما للمشاهِدِ على القُبورِ كان سياسةً لا تديُّنًا أنَّ ذلك الإمامَ بينما كان يرضَخُ للنَّجديِّين ويداهِنُهم -كما عبَّرَ بذلك صاحِبُ الحَوليَّاتِ- كان في نفسِ الوَقتِ يكاتِبُ الأتراكَ والمِصريِّين للقُدومِ إلى الجزيرةِ العَرَبيَّةِ للقَضاءِ على الدَّولةِ النَّجديَّةِ 391 .
ومُعظَمُ المشاهِدِ المُعَظَّمةِ في الدِّيارِ الزَّيديَّةِ هي للأئمَّةِ وأقارِبِهم.
قائِمةٌ بأهَمِّ القُبورِ التي عليها مشاهِدُ لبَعضِ أئمَّةِ الزَّيديَّةِ على حَسَبِ التَّسلسُلِ الزَّمَنيِّ لإنشائِها:
1- مَشهَدُ الإمامِ المنصورِ باللَّهِ عبدِ اللَّهِ بنِ حمزةَ الحَسَنيِّ في مِنطَقةِ ظَفارِ ذيبين.
2- مَشهَدُ الأميرِ عمادِ الدِّين يحيى بنِ حمزةَ (أخي عبدِ اللَّهِ بنِ حمزةَ) بمدينةِ كَحلانَ.
3- مَشهَدُ الإمامِ أحمدَ بنِ الحُسَينِ المعروفِ بأبي طيرٍ في مدينةِ ذيبينَ.
4- مَشهَدُ الإمامِ يحيى بنِ حمزةَ الحُسَيني في مدينةِ ذِمارِ.
5- مَشهَدُ الإمامِ الهادي إلى الحَقِّ يحيى بنِ الحُسَينِ بصَعدةَ، ومعه عددٌ من أبنائِه وأحفادِه، ومنهم الإمامُ المهديِّ لدينِ اللَّهِ عَليِّ بنِ محمَّدٍ الذي بنى تلك القِبابَ والمشاهِدَ.
6- مَشهَدُ الإمامِ صلاحِ الدِّينِ بصَنعاءَ.
7- مَشهَدُ الإمامِ المهديِّ لدينِ اللَّهِ أحمدَ بنِ المرتضى في حِصنِ الظَّفيرِ بحَجَّةَ.
8- مَشهَدُ الإمامِ المهديِّ صلاحِ بنِ عَليِّ بنِ مُحمَّدِ بنِ أبي القاسِمِ في صَعدةَ.
9- مَشهَدُ الإمامِ النَّاصِرِ مُحمَّدِ بنِ يوسُفَ بنِ صَلاحِ بنِ المرتضى في مدينةِ ثَلا.
10- مَشهَدُ الإمامِ شَرَفِ الدِّينِ يحيى بنِ شَمسِ الدِّينِ أحمدَ بنِ يحيى المرتضى في الظَّفيرِ بحَجَّةَ.
11- مَشهَدُ مدرَسةِ الإمامِ شَرَفِ الدِّينِ في ثلا، وفيه عددٌ من أبنائِه وبناتِه وذَويه.
12- مَشهَدُ الأميرِ صلاحِ الدِّينِ بنِ شمسِ الدِّينِ بنِ الإمامِ شَرَفِ الدِّينِ في مدينةِ ثلا.
هذه بعضُ المشاهدِ الزَّيديَّةِ، ويوجَدُ غيرُها حتَّى في صنعاءَ عاصِمةِ اليَمَنِ، ففيها مثلًا قُبَّةُ المهديِّ عبَّاسٍ، وقُبَّةُ المتوكِّلِ، وكُلُّ هذه القِبابِ والمشاهِدِ مُشاهَدةٌ للعِيانِ عَبْرَ القُرونِ، ولم يُزِلْها أحدٌ من ملوكِ الزَّيديَّةِ الذين يُسَمُّون أنفُسَهم أئمَّةَ الإسلامِ 392 !