ليس كُلُّ الشِّيعةِ الإماميَّةِ على اتِّفاقٍ في مَسألةِ وُقوعِ نَقصٍ أو زيادةٍ أو تحريفٍ في القُرآنِ.
وهناك تضارُبٌ في الرِّواياتِ المَنسوبةِ لأئِمَّةِ آلِ البَيتِ، وفي أقوالِ عُلماءِ الشِّيعةِ الإماميَّةِ بَيْنَ نَفيِ وُجودِ تَحريفٍ أو نَقصٍ في القُرآنِ الذي بَيْنَ أيدينا اليومَ، وبَينَ مَن يعتَقِدُ وُجودَ تَحريفٍ أو نَقصٍ فيه. وقد ألَّف بَعضُ الشِّيعةِ في نَفيِ التَّحريفِ، بَينَما ألَّف بَعضُهم رِسالةً في إثباتِه.
فألَّف النُّوريُّ الطَّبَرسيُّ كِتابًا أسماه: (فصلَ الخِطابِ في إثباتِ تَحريفِ كِتابِ رَبِّ الأربابِ)، وألَّف عَليٌّ الحُسَينيُّ الميلانيُّ كِتابَ (التَّحقيق في نَفيِ التَّحريفِ عن القُرآنِ الشَّريفِ). فبَعضُ الإماميَّةِ مِنَ المُتَقدِّمينَ والمُتَأخِّرينَ والمُعاصِرينَ ينفونَ وُقوعَ ذلك نَفيًا مُؤَكَّدًا. وبَعضُهم يحمِلُ الرِّواياتِ والأقوالَ التي ظاهِرُها يُؤَيِّدُ وُقوعَ شَيءٍ مِن ذلك على أنَّها شاذَّةٌ أو أخبارُ آحادٍ لا يُعمَلُ بها عِندَهم، أو أنَّ المُرادَ وُقوعُ التَّحريفِ في التَّأويلِ والمَعنى لا في اللَّفظِ، وبَعضُهم يُفسِّرُها بأنَّ المُرادَ الزِّياداتُ اليسيرةُ التي لا تُؤَثِّرُ في القُرآنِ وحِفظِ اللهِ تعالى له، مِثلُ زيادةِ كَلِمةٍ عَليٍّ في بَعضِ المَواضِعِ القُرآنيَّةِ لدى البَعضِ.
وهناك مِنَ الإماميَّةِ المُتَأخِّرينَ مَن تَشَدَّدَ في هذه المُسألةِ وأخَذَ بظاهرِ بَعضِ تلك المرويَّاتِ وقَرَّرَ أنَّها وإن كانت آحادًا لكِنَّ كثرَتَها قد تُفيدُ التَّواتُرَ المَعنَويَّ؛ مِمَّا يقطَعُ بوُجودِ شَيءٍ مِنَ النَّقصِ أو الزِّيادةِ أو التَّحريفِ في القُرآنِ، وحَمل بَعضُ هؤلاء كلامَ أئِمَّتِهم المُتَقدِّمينَ منهم والمُتَأخِّرينَ الذينَ يُصَرِّحونَ بنَفيِ ذلك نَفيًا قاطِعًا على أنَّه صادِرٌ منهم على سَبيلِ التَّقيَّةِ سَدًّا لبابِ الطَّعنِ على تلك الرِّواياتِ!
قال أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ: (اختَلفتِ الرَّوافِضُ في القُرآنِ هَل زيدَ فيه أو نُقِص منه.
وهم ثَلاثُ فِرَقٍ: ... الفِرقةُ الثَّالثةُ منهم، وهم القائِلونَ بالاعتِزالِ والإمامةِ، يزعُمونَ أنَّ القُرآنَ ما نُقِص منه ولا زِيدَ فيه على ما أنزَل اللهُ تعالى على نَبيِّه عليه السَّلامُ، لم يُغَيَّرْ ولم يُبَدَّلْ، ولا زال عَمَّا كان عليهـ) 1605 .
وقال رَحمةُ اللهِ الهنديُّ: (القُرآنُ المَجيدُ عِندَ جُمهورِ عُلماءِ الشِّيعةِ الإماميَّةِ الاثنَي عَشريَّةِ مَحفوظٌ عن التَّغَيُّرِ والتَّبديلِ، ومَن قال منهم بوُقوعِ النُّقصانِ فيه فقَولُه مَردودٌ غَيرُ مَقبولٍ عِندَهم... المَذهَبُ المُحَقَّقُ عِندَ عُلماءِ الفِرقةِ الإماميَّةِ الاثنَي عَشريَّةِ أنَّ القُرآنَ الذي أنزَله اللهُ على نَبيِّه هو ما بَيْنَ الدَّفَّتَينِ، وهو ما في أيدي النَّاسِ، ليس بأكثَرَ مِن ذلك، وأنَّه كان مجموعًا مؤلَّفًا في عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وحَفِظَه ونَقَله أُلوفٌ مِنَ الصَّحابةِ وجَماعةٌ مِنَ الصَّحابةِ كعَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعبٍ وغَيرِهما، خَتَموا القُرآنَ على النَّبيِّ عِدَّةَ خَتَماتٍ، ويظهَرُ القُرآنُ ويُشهَرُ بهذا التَّرتيبِ عِندَ ظُهورِ الإمامِ الثَّاني عَشَرَ رَضِيَ اللهُ عنه، والشِّرذِمةُ القَليلةُ التي قالت بوُقوعِ التَّغَيُّرِ فقَولُهم مَردودٌ، ولا اعتِدادَ بهم فيما بَينَهم، وبَعضُ الأخبارِ الضَّعيفةِ التي رُوِيَت في مَذهَبِهم لا يُرجَعُ بمِثلِها عن المَعلومِ المَقطوعِ على صِحَّتِه، وهو حَقٌّ؛ لأنَّ خَبَرَ الواحِدِ إذا اقتَضى عِلمًا ولم يوجَدْ في الأدِلَّةِ القاطِعةِ ما يدُلُّ عليه، وجَبَ رَدُّه، على ما صَرَّحَ ابنُ المُطَهَّرِ الحليُّ في كِتابِه المُسَمَّى بـ "مَبادِئ الوُصولِ إلى عِلمِ الأُصولِ") 1606 .