الحقُّ يُقبَلُ لكَونِه مُوافِقًا للدَّليلِ في نَفْسِه، وإن جاء من غيرِ أهلِه، وأهلُ السُّنَّةِ يَقبَلونَ ما عندَ جَميعِ الطَّوائِفِ مِن الحقِّ، ويردُّون ما عندَها مِنَ الباطِلِ.

ولَمَّا دَلَّ الشَّيطانُ أبا هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه إلى آيةِ الكُرسيِّ؛ لتكونَ له حِرْزًا من الشَّيطانِ، وذلك مقابِلَ فكِّه مِنَ الأسرِ، قال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: صدَقَك، وهو كذوبٌ 210.

وعن معاذٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (أُحذِّرُكم زَيغةَ الحَكيمِ؛ فإنَّ الشَّيطانَ قد يَقولُ كَلِمةَ الضَّلالةِ على لِسانِ الحَكيمِ، وقد يقولُ المنافِقُ كَلِمةَ الحَقِّ. فقيل له: ما يُدريني -رحمك اللهُ- أنَّ الحَكيمَ قد يقولُ كَلِمةَ الضَّلالةِ، وأنَّ المنافِقَ قد يقولُ كَلِمةَ الحَقِّ؟ قال: بلى، اجتنِبْ من كلامِ الحَكيمِ المشتَهراتِ التي يُقالُ لها: ما هذه؟! ولا يَثْنِك ذلك عنه؛ فإنَّه لعَلَّه أن يراجِعَ، وتلقَّ الحقَّ إذا سَمِعْتَه؛ فإنَّ على الحَقِّ نُورًا) 211.

قال ابنُ تَيميَّةَ -مبيِّنًا مَنْهَجَه في التَّعامُلِ مع المخالِفينَ له مِن أهلِ الكلامِ وغَيرِهم-: (ليس كلُّ من ذكَرْنا شيئًا من قَولِه مِن المتكلِّمينَ وغَيرِهم يقولُ بجَميعِ ما نقولُه في هذا البابِ وغَيرِه، ولكِنَّ الحقَّ يُقبَلُ من كُلِّ من تكلَّم بهـ) 212.

وقال ابنُ القَيِّمِ: (فمن هداه اللهُ سُبحانَه إلى الأخذِ بالحقِّ حيثُ كان، ومع مَن كان، ولو كان مع من يُبغِضُه ويُعاديه، وردِّ الباطِلِ مع من كان، ولو كان مع مَن يحِبُّه ويُواليه؛ فهو ممَّن هُدِيَ لِما اختُلِفَ فيه من الحَقِّ) 213.