بيَّن النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ هذه الأُمَّةَ ستَفتَرِقُ إلى ثلاثٍ وسبعينَ فِرقةً، وأنَّ جميعَها في النَّارِ إلَّا واحِدةً هي النَّاجيةُ، وهي الجماعةُ، وهي الفِرقةُ المنصورةُ، وأنَّ سَبَبَ نَجاتِها هو التِزامُها بما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه عِلمًا وعَمَلًا 260.

وقد قرَّرَ أهلُ العِلمِ بأنَّ الفِرقةَ النَّاجيةَ والطَّائِفةَ المنصورةَ هم أصحابُ الحديثِ، حتى قال الإمامُ أحمَدُ: (إنْ لم يكونوا أصحابَ الحديثِ، فلا أدري من هم) 261. ورُوِيَ نحوُه عن يزيدَ بنِ هارونَ، وأحمدَ بنِ سنان، وعليِّ بنِ المَدينيِّ، والبُخاريِّ، رَحِمَهم اللهُ 262.

وأهلُ الحديث والسُّنَّة: هم الذين ليس لهم مَتبوعٌ يتعصَّبون له إلَّا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فهم أعلمُ النَّاسِ بأقوالِه وأحوالِه، وأعظمُهم تَمييزًا بين صَحيحِ السُّنَّة وسقيمِها، وأئمَّتُهم فُقَهاءُ فيها، وأهلُ معرفةٍ بمعانيها، وهم أيضًا أعظَمُ النَّاسِ اتِّباعًا لها؛ تصديقًا وعَمَلًا وحُبًّا، ومُوالاةً لِمن والاها، ومُعاداةً لمن عاداها... فلا يَنصِبونَ مَقالةً عن رأيٍ أو ذَوقٍ، ويَجعَلونَها مِن أُصولِ دينِهم وجُمَلِ كَلامِهم، إنْ لم تكُنْ ثابتةً فيما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل يَجعَلونَ ما بُعِث به من الكِتابِ والحِكمةِ هو الأصلَ الذي يَعتَقِدونَه ويَعتَمِدونَه.

وما تنازع فيه النَّاسُ من مسائِلِ الصِّفاتِ والقَدَرِ والوَعيدِ والأسماءِ والأحكامِ، ومسائِلِ المَعادِ وحَشْرِ الأجسادِ وغيرِ ذلك، يردُّونَه إلى اللهِ ورَسولِه، فما كان من معانيها مُوافِقًا للكتابِ والسُّنَّةِ أثبَتوه، وما كان منها مُخالِفًا للكتابِ والسُّنَّةِ أبطَلوه، ولا يتَّبعون الظَّنَّ وما تهوى الأنفُسُ؛ فإنَّ اتِّباعَ الظنِّ جَهلٌ، واتِّباعَ هوى النَّفسِ بغيرِ هُدًى مِنَ اللهِ ظُلمٌ 263.

وعليه، فما عدا طائفةَ أهلِ الحديثِ هم أهلُ أهواءٍ وبِدَعٍ وتفَرُّقٍ، محكومٌ على جُملتِهم بمخالَفةِ الصِّراطِ المُستقيمِ؛ صراطِ الذين أنعم اللهُ عليهم بالهدايةِ والتَّوفيقِ.

قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (أَجمعَ أهلُ الفِقهِ والآثارِ مِن جَميعِ الأمصارِ أنَّ أهلَ الكلامِ أهلُ بِدَعٍ وزَيغٍ، ولا يُعَدُّونَ عند الجَميعِ في جميعِ الأمصارِ: في طَبَقاتِ العُلَماءِ، وإنَّما العُلَماءُ أهلُ الأثَرِ والتفقُّهِ فيه، ويتفاضَلونَ فيه بالإتقانِ والمَيْزِ والفَهمِ) 264.

وقال هارونُ الرَّشيدُ: (طلبتُ أربعةً فوَجْدتُها في أربعةٍ: طَلَبتُ الكُفرَ فوجَدْتُه في الجَهْميَّةِ، وطلبتُ الكَلامَ والشَّغْبَ فوجَدْتُه في المعتَزِلةِ، وطلبتُ الكَذِبَ فوجَدْتُه عند الرَّاِفضةِ، وطلبتُ الحَقَّ فوجدتُه مع أصحابِ الحديثِ) 265.

وقال الشَّافعيُّ: (حُكمي في أصحابِ الكَلامِ أن يُضرَبوا بالجَريدِ والنِّعالِ، ويُحمَلوا على الإبِلِ، ويُطافَ بهم في العشائِرِ والقبائِلِ، فينادَى عليهم: هذا جزاءُ مَن تَرَك الكِتابَ والسُّنَّةَ، وأخَذَ في الكلامِ) 266.

وقال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: (إنَّه لا يُفلِحُ صاحِبُ كَلامٍ أبدًا، ولا تكادُ ترى أحدًا نَظَر في الكَلامِ إلَّا وفي قَلْبِه دَغَلٌ) 267.

وقال ابنُ خُوَيزٍ المالكيُّ: (أهلُ الأهواءِ عندَ مالكٍ وسائِرِ أصحابِنا هم أهلُ الكلامِ، فكُلُّ مُتكلِّمٍ فهو من أهلِ الأهواءِ والبِدَعِ؛ أشعريًّا كان أو غيرَ أشعريٍّ، ولا تُقبَلُ له شهادةٌ في الإسلامِ أبدًا، ويُهجَرُ ويؤدَّبُ على بِدعتِه، فإن تمادى عليه استُتيبَ منها) 268.