يجِبُ ردُّ الأحوالِ والأذواقِ والمكاشَفاتِ والرُّؤى ونَحوِها إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، ووَزْنُها بميزانِ الشَّرعِ.
قال اللهُ تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65] .
وقال الله سُبحانَه: قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 31] .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسولِ [النساء: 59] .
فالشَّرع هو الحاكِمُ والميزانُ، وكُلُّ الأقوالِ والاعتقاداتِ والأحوالِ مَردودةٌ مرفوضةٌ إلَّا ما قَبِلَه الشَّرعُ منها وزكَّاه.
فمَنشَأُ ضَلالِ مَن ضَلَّ من المتصَوِّفةِ جَعْلُهم الذَّوقَ والوَجدَ والحالَ ونحوَ ذلك حاكِمًا يتحاكَمون إليه فيما يصِحُّ ويمتَنِعُ، ونبَذوا لذلك مُوجِبَ العِلمِ والنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ 193.
وإنَّ المؤمِنَ إذا صحَّت مَعرِفتُه باللهِ ورَسولِه ودينِه، وصدَقَت متابعَتُه للشَّرعِ ظاهِرًا وباطنًا؛ يَفتَحُ اللهُ عليه بإلهاماتٍ صَحيحةٍ، وفِراساتٍ صائبةٍ، وأحوالٍ صادِقةٍ.
قال اللهُ تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء: 66] .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 282] .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال: 29] .
وعن حُذيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال عن الدَّجَّالِ: (مَكتوبٌ بين عَينَيه: كافِرٌ، يَقرَؤه كُلُّ مُؤمِنٍ كاتبٍ وغيرِ كاتِبٍ ) 194.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (دَلَّ على أنَّ المؤمِنَ يتبيَّنُ له ما لا يتبيَّنُ لغيرِه، ولا سيَّما في الفِتَنِ، ويَنكشِفُ له حالُ الكذَّابِ الوضَّاعِ على اللهِ ورَسولِه؛ فإنَّ الدَّجَّالَ أكذَبُ خَلْقِ اللهِ، مع أنَّ اللهَ يُجري على يديه أمورًا هائلةً، ومخاريقَ مُزلزِلةً؛ حتى إنَّ من رآه افتَتَن به، فيكشِفُها اللهُ للمؤمِنِ حتى يعتَقِدَ كَذِبَها وبُطلانَها، وكلَّما قَوِيَ الإيمانُ في القَلبِ قَوِيَ انكِشافُ الأمورِ له، وعَرَف حقائِقَها من بواطِلِها، وكُلَّما ضَعُف الإيمانُ ضَعُف الكَشفُ، وذلك مِثلُ السِّراجِ القَويِّ والسِّراجِ الضَّعيفِ في البيتِ المُظلِمِ) 195.
ورُوِيَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال: (اقتَرِبوا من أفواه المطيعينَ، واسمَعوا منهم ما يقولونَ؛ فإنَّه تتجَلَّى لهم أمورٌ صادِقةٌ) 196.
وقال أبو حَفصٍ النَّيسابوريُّ: (من لم يُرَبِّ أفعالَه وأحوالَه كُلَّ وَقتٍ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، ولم يتَّهِم خواطِرَه، فلا تعُدَّه مِنَ الرِّجالِ!) 197.
وقال أبو عثمانَ النَّيسابوريُّ: (من أمَّرَ السُّنَّةَ على نَفْسِه قولًا وفعلًا نَطَق بالحِكمةِ، ومن أمَّرَ الهوى على نَفْسِه نَطَق بالبِدعةِ؛ لأنَّ اللهَ يَقولُ: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النــور: 54]) 198.
وقال أبو العبَّاسِ بنُ عَطاءٍ: (من ألزمَ نَفْسَه آدابَ السُّنَّةِ نوَّرَ اللهُ قَلْبَه بنورِ المعرفةِ، ولا أشرَفَ من متابعةِ الحَبيبِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أوامِرِه وأفعالِه وأخلاقِه، والتأدُّبِ بآدابِهـ) 199.
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (اتَّفق أولياءُ اللهِ على أنَّ الرَّجُلَ لو طار في الهواءِ أو مشى على الماءِ لم يُغتَرَّ به حتى يُنظَرَ متابعتُه لرَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وموافقتُه لأمرِه ونَهْيِهـ) 200.
وقال أيضًا: (كثيرٌ مِنَ المتَصَوِّفةِ والفُقَراءِ يَبني على مَناماتٍ وأذواقٍ وخَيالاتٍ يَعتَقِدُها كَشْفًا، وهي خَيالاتٌ غَيرُ مُطابِقةٍ وأوهامٌ غَيرُ صادِقةٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم: 28] )( 9.
وخرقُ العادةِ لا يدُلُّ على الوِلايةِ، فقد يظهَرُ شيءٌ مِمَّا يُظَنُّ أنَّه كرامةٌ على يدِ أُناسٍ غيرِ صَالِحينَ بل قد يحصُلُ على لسانِ بعضِ المجانينِ شَيءٌ من ذلك، فيغترُّ به مَن جَهِل حالَه، فيَظُنُّ أنَّه مِن أولياءِ اللهِ المقَرَّبين 202 !