النَّقلَ الصَّحيحَ يَشمَلُ الكِتابَ والسُّنَّةَ الصَّحيحةَ، وآثارَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، خِلافاً لأهلِ البِدَعِ يَجعَلونَ العَقلَ هو مَصدَرَ العَقيدةِ، أو يُحَرِّفونَ مَعانيَ الكِتابِ والسُّنَّةِ حَسَبَ أهوائِهم وفَهمِهم.
وقد يُعبَّرُ عن آثارِ السَّلَفِ تارةً بالإجماعِ، وتارةً باتِّفاقِ السَّلَفِ، وتارةً بما جَرى عليه العَمَلُ، وتارةً بعَدَمِ وُجودِ مُخالِفٍ.
تَنبيهٌ:
بَعضُهم مِمَّن نَظُنُّ فيهم خَيراً، يَحصُرونَ فَهمَ السَّلَفِ في الإجماعِ، ثُمَّ يُقَرِّرونَ ما يُذكَرُ في كُتُبِ الأُصولِ - والتي غَلَبَ عليها عِلمُ الكَلامِ- عَنِ الإجماعِ، وخُلاصةُ ما هُنالك صُوَرٌ للإجماعِ لا تَقَعُ، ولو وَقَعَت، لا يُمكِنُ إثباتُها. والمُقَرَّرُ عِندَ جَماعةٍ مِنَ المُحَقِّقينَ ومِنهم شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ أنَّ الإجماعَ الذي يَقَعُ والذي يُمكِنُ إثباتُه هو بمَعنى الاتِّفاقِ، ويُعرَفُ بعَدَمِ وُجودِ مُخالِفٍ. قالَ شَيخُ الإسلامِ63 "والذينَ كانوا يَذكُرونَ الإجماعَ كالشَّافِعيِّ وأبي ثَورٍ وغَيرِهما يُفَسِّرونَ مُرادَهم: بأنَّا لا نَعلَمُ نِزاعاً"، وقد رَأيتُ صاحِبَ كِتابِ "من أصول الفقه على منهج أهل الحديث" جَعَلَ كَلامَ شَيخِ الإسلامِ السَّابِقَ تَحتَ قاعِدةِ "عَدَمُ العِلمِ بالمُخالِفِ لا يَصِحُّ به دَعوى الإجماعِ" قُلتُ : والسَّبَبُ عَدَمُ تَحقيقِه للإجماعِ المُعتَبَرِ عِندَ أهلِ الحَديثِ(تَجِدُ تَفصيلَ المَسألةِ في الكِتابِ الثَّالِثِ مِن "سلسلة مالا يسع الشيخ جهله" وفي كِتابِ "العقيدة كعلم" وكِلاهما للدُّكتورِ أبي مالِكٍ السَّعديِّ)
والمَقصودُ بالسَّلَفِ الصَّالِحِ، أصحابُ القُرونِ الثَّلاثةِ الفاضِلةِ، المَشهودِ لهم بالعِلمِ، والعَمَلِ، وصِحَّةِ الاعتِقادِ.
وهذا هو الفَرقُ بَينَ أهلِ السُّنَّةِ وأهلِ البِدَعِ، فكُلُّهم يَزعُمُ أنَّه يَتَّبِعُ الكِتابَ والسُّنَّةَ الصَّحيحةَ، لكِنَّهم يُحَكِّمونَ فَهمَهم مُستَنِدينَ إلى العَقلِ، وفَهمِهم للُّغةِ العَرَبيَّةِ.
قالَ اللهُ تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89] ، والعَقيدةُ في اللهِ تعالى مِن أهَمِّ ما بَيَّنَ اللهُ في كِتابِه.
وقال اللهُ سُبحانَه عن نبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 3-4] .
لهذا كانَت نُصوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ هي مُعتَمَدَ السَّلَفِ في الاستِدلالِ على مَسائِلِ الاعتِقادِ، وبفَهمِهم للكِتابِ والسُّنَّةِ أُمِرْنا بالأخذِ بفَهمِهم
قالَ البَرْبَهاريُّ: (اعلَمْ -رَحِمَك اللهُ- أنَّ مَن قالَ في دينِ اللهِ برَأيِه وقياسِه وتَأويلِه مِن غَيرِ حُجَّةٍ مِنَ السُّنَّةِ والجَماعةِ، فقد قالَ على اللهِ ما لا يَعلَمُ، ومَن قالَ على اللهِ ما لا يَعلَمُ فهو مِنَ المُتَكَلِّفينَ، والحَقُّ: ما جاءَ مِن عِندِ اللهِ، والسُّنَّةُ: سُنَّةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والجَماعةُ: ما اجتَمَعَ عليه أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في خِلافةِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ، ومَنِ اقتَصَرَ على سُنَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وما كانَ عليه أصحابُه والجَماعةُ، فَلَجَ على أهلِ البِدَعِ كُلِّهم، واستَراحَ بَدَنُه، وسَلِمَ له دينُه إنْ شاءَ اللهُ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: سَتَفتَرِقُ أُمَّتي
، وبَيَّنَ لنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النَّاجيةَ مِنها، فقالَ: ما كُنتُ أنا عليه اليَومَ وأصحابي
64 ، فهذا هو الشِّفاءُ والبَيانُ، والأمرُ الواضِحُ، والمَنارُ المُستَنيرُ) 65.
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (مِن طَريقةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ: اتِّباعُ آثارِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باطِنًا وظاهِرًا، واتِّباعُ سَبيلِ السَّابِقينَ الأوَّلينَ مِنَ المُهاجِرينَ والأنصارِ، واتِّباعُ وَصيَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حَيثُ قالَ: عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ مِن بَعدي، تَمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأُمورِ؛ فإنَّ كُلَّ مُحْدَثةٍ بِدعةٌ، وكُلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ
66 ، ويَعلَمونَ أنَّ أصدَقَ الكَلامِ كَلامُ اللهِ، وخَيرَ الهَدْيِ هَديُ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويُؤْثِرونَ كَلامَ اللهِ على كَلامِ غَيرِه مِن كَلامِ أصنافِ النَّاسِ، ويُقَدِّمونَ هَدْيَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على هَدْيِ كُلِّ أحَدٍ، وبهذا سُمُّوا أهلَ الكِتابِ والسُّنَّةِ) 67.