ذَهَبَ بَعْضُ البَاحِثِينَ المُعَاصِرِينَ إِلَى أَنَّ عُلَمَاءَ القُرُونِ المُفَضَّلَةِ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا لَفْظَ "العَقِيدَةِ"، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَخْدَمَهُ هُوَ الإِمَامُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ (ت277 هـ). وَبَعْضُهُمْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا فِي أُمَّهَاتِ المَعَاجِمِ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ جَمَعَهَا عَلَى "عَقَائِدَ" هُوَ القُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ، ثُمَّ جَاءَ الغَزَالِيُّ فَذَكَرَهَا مُفْرَدَةً. بَيْنَمَا نَجِدُ بَعضَهم قَدْ عَدَّهَا لَفْظَةً مُوَلَّدَةً فِي الِاصْطِلَاحِ، سَبَقَهَا اسْتِعْمَالُ كَلِمَاتٍ أُخْرَى مِثْلَ: "اِعْتِقَادٍ" وَ"مُعْتَقَدٍ". وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَدَدٌ مِنَ البَاحِثِينَ.
الأدِلَّةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ
قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. فاليَمينُ المعْقَدَةُ مَأخوذةٌ مِن عَقْدِ القَلبِ على فِعلٍ في المُستَقبَلِ، فاللهُ سُبحانَه يُؤاخِذُ عِبادَه على الأيمانِ المعْقَدَةِ، المُوثَّقةِ بالقَصدِ والنِّيَّةِ، إذا حنثتوا فيها. وهذه الآيةُ والتي سَتَأتي فيهما تَعَلُّقٌ بالقَلبِ أو ما انعَقَدَ في القَلبِ فيَنشَأُ عن ذلك (عَقيدةٌ). قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ.﴾. وفي قِراءةٍ (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)، بالألِفِ وهي قِراءةُ سَبعيَّةٌ مُتواتِرةٌ. وفيهما تَعَلُّقٌ بالقَلبِ أو ما انعَقَدَ في القَلبِ خاصَّةً أنَّها نَزَلَت في التَّآخي بَينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ .
ومِنَ السُّنَّةِ
وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ اسْتِعْمَالُ فِعْلِ "يَعْتَقِدُ" بالمَعْنَى القَلْبِيِّ الجَازِمِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ، وَفِيهِ: "لَا يَعْتَقِدُ قَلْبُ مُسْلِمٍ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ: إِخْلَاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الأَمْرِ، وَلُزُومُ الجَمَاعَةِ."
فهل يُتَصَوَّرُ أنْ تَكونَ هذه الألفاظُ مُتَداوَلةً في العَهدِ الأوَّلِ ولا يُتَصَوَّرُ وُجودُ لَفظِ (عَقيدةٍ) أو (العَقيدةِ)؟ مُستَبعَدٌ جِدّاً، إلَّا أنْ يَقصِدَ النَّافونَ عَدَمَ وُرودِ ذلك في المُؤلَّفاتِ فحينَئذٍ يَسقُطُ الخِلافُ .