إنَّ تعَلُّمَ هذه العُلومِ بطَريقةٍ إجماليَّةٍ بالقَدْرِ الذي تَصِحُّ به عَقيدةُ المسلِمِ فرضُ عَينٍ على كُلِّ مُكَلَّفٍ مِن ذكَرٍ وأُنثى، وأمَّا المَعرِفةُ التَّفصيليَّةُ فهي فرضُ كِفايةٍ، فإذا قامَ القَدْرُ الكافي مِنَ المسلمينَ بدِراسةِ تَفاصيلِ العَقيدةِ، ومَعرِفةِ الأدلَّةِ النَّقليَّةِ والعَقليَّةِ ومَعرِفةِ الرَّدِّ على شُبُهاتِ المخالِفينَ؛ سَقَطَ الإثمُ عَنِ الباقينَ. 19.
قلتُ:: لكِنَّ الواقِعَ يَشهَدُ أنَّ أكثَرَ النَّاسِ يُقَدِّرُ كِفايتَه مِنَ العِلمِ بما تُمليه عليه الفِطرةُ، ورُبَّما يَكونُ الخَلَلُ وَقَعَ في فِطرتِه وهو لا يَعلَمُ، وبما تَعَلَّمَه مِن مُجتَمَعِه الذي يَعيشُ فيه، ويَكونُ ذلك في الغالِبِ تَقليدًا لِمَن حَولَه، والأصلُ أنَّ كُلَّ شَخصٍ مُطالَبٌ بطَلَبِ العِلمِ، فطَلَبُ العِلمِ فَريضةٌ، والسُّؤالُ عَنِ الأدِلَّةِ في كُلِّ مَسألةٍ يَعتَقِدُها أو يَعمَلُ بها، فقد بَوَّبَ الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه : ( بابٌ : العِلمُ قَبلَ القَولِ والعَمَلِ ) ، وساقَ الآيةَ الكَريمةَ : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، حَيثُ بَدَأَ اللهُ - سُبحانَه وتعالى - بالعِلمِ قَبلَ القَولِ والعَمَلِ . وقالَ اللهُ - سُبحانَه وتعالى - : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ . وهذا بابٌ قَصَّرَ فيه كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ يَعتَذِرُ أحَدُهم بأنَّه كانَ جاهِلاً، والصَّحيحُ كما سيَأتي في مَوضِعِه أنْ لَيسَ كُلُّ جَهلٍ يُعذَرُ به صاحِبُه، فقد قَرَّرَ المُحَقِّقونَ مِن أهلِ العِلمِ كشَيخَيِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وابنِ القَيِّمِ، أنَّه لَيسَ مِن شَرطِ الرِّسالةِ في قَولِه تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا أنْ تَبلُغَ الحُجَّةُ الرِّساليَّةُ كُلَّ أحَدٍ بعَينِه، بل يَكفي التَّمَكُّنُ مِنَ العِلمِ، فمَن قَصَّرَ في بَذلِ الجُهدِ في مَعرِفةِ الحَقِّ لم يُنجِه جَهلُه مِنَ الوُقوعِ في الكُفرِ، والعِياذُ باللهِ