العَقلُ الصَّريحُ لا يُعارَضُ به النَّقلُ الصَّحيحُ، فالعَقلُ تابِعٌ للنَّقلِ ولَيسَ مُستَقِلاً عنه. والصَّحيحُ مِنَ الأحكامِ العَقليَّةِ مُوافِقٌ للشَّرعِ قَطعاً، ولا يُمكِنُ أنْ يُعارِضَه، بل العَقلُ يَحتاجُ إلى تَنبيهِ الشَّرعِ، وإرشادِه إلى الأدلَّةِ، فالعَقلُ لن يَهتَديَ إلَّا بالوَحيِ، والوَحيُ لا يُلغي العَقلَ. قالَ السَّمعانيُّ أبو المُظَفَّرِ المَروَزيُّ69: "وَاعْلَمْ أَنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُبْتَدِعَةِ هُوَ مَسْأَلَةُ الْعَقْلِ فَإِنَّهُم أَسَّسُوا دِينَهُم عَلَى الْمَعْقُولِ وَجَعَلُوا الِاتِّبَاعَ وَالمَأْثُورَ تَبَعًا لِلْمَعْقُولِ، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ قَالُوا الأَصْلُ الِاتِّبَاعُ وَالعُقُولُ تَبَعٌ، وَلَوْ كَانَ أَسَاسُ الدِّينِ عَلَى الْمَعْقُولِ لَاسْتَغْنَى الْخَلْقُ عَنِ الْوَحْيِ وَعَنِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم، وَلَبَطَلَ مَعْنَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، وَلَوْ كَانَ الدِّينُ بُنِيَ عَلَى الْمَعْقُولِ وَجَبَ أَلَّا يَجُوزَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقْبَلُوا شَيْئًا حَتَّى يَعْقِلُوا" ونَقَلَها عنه قِوامُ السُّنَّةِ وشَيخُ الإسلامِ مُقِرَّانِ له.

والنُّصوصُ الشَّرعيَّةُ قد جاءَت مُتَضمِّنةً لأدِلَّةٍ عَقليَّةٍ صافيةٍ مِن كُلِّ كَدَرٍ، فما على العَقلِ إلَّا فَهمُها وإدراكُها.

قال ابنُ تَيميَّةَ: (لا تَحسَبَنَّ أنَّ العُقولَ لو تُرِكَت وعُلومَها التي تَستَفيدُها بمُجَرَّدِ النَّظَرِ، عَرَفَت اللهَ مَعرِفةً مُفَصَّلةً، بصِفاتِه وأسمائِه على وَجهِ اليَقينِ) 70.

وخَوضُ العَقلِ في أُمورِ الإلهيَّاتِ باستِقلالٍ عَنِ الوَحيِ: مَظِنَّةُ الهَلاكِ، وسَبيلُ الضَّلالِ.

قالَ أبو القاسِمِ الأصبَهانيُّ: (أمَّا أهلُ الحَقِّ فجَعَلوا الكِتابَ والسُّنَّةَ إمامَهم، وطَلَبوا الدِّينَ مِن قِبَلِهما، وما وَقَعَ لهم مِن مَعقولِهِم وخَواطِرِهم عَرَضوه على الكِتابِ والسُّنَّةِ، فإنْ وَجَدوه مُوافِقًا لهما قَبِلوه، وشَكَروا اللهَ حَيثُ أراهم ذلك ووَفَّقَهم إليه، وإنْ وَجَدوه مُخالِفًا لهم تَرَكوا ما وَقَعَ لهم، وأقبَلوا على الكِتابِ والسُّنَّةِ، ورَجَعوا بالتُّهمةِ على أنفُسِهم؛ فإنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ لا يَهدِيانِ إلَّا إلى الحَقِّ، ورَأيُ الإنسانِ قد يَرى الحَقَّ، وقد يَرى الباطِلَ، وهذا مَعنى قَولِ أبي سُلَيمانَ الدَّارانيِّ، وهو واحِدُ زَمانِه في المَعرِفةِ: ما حَدَّثَتني نَفسي بشَيءٍ إلَّا طَلَبتُ مِنها شاهِدَينِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فإنْ أتَت بهما، وإلَّا رَدَدْتُه في نَحرِها. أو كَلامًا هذا مَعناهـ) 71.

وقال ابنُ تَيميَّةَ: (ما خالَفَ العَقلَ الصَّريحَ فهو باطِلٌ، ولَيسَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ باطِلٌ، ولكِنْ فيه ألفاظٌ قد لا يَفهَمُها بَعضُ النَّاسِ، أو يَفهَمونَ مِنها مَعنًى باطِلًا، فالآفةُ مِنهم لا مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ) 72.

وقالَ أيضًا: (هذا أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ نَشَأَ في الاعتِزالِ أربَعينَ عامًا يُناظِرُ عليه، ثُمَّ رَجَعَ عن ذلك وصَرَّحَ بتَضليلِ المُعتَزِلةِ، وبالَغَ في الرَّدِّ عليهم! وهذا أبو حامِدٍ الغَزاليُّ مع فَرطِ ذَكائِه وتَألُّهِه ومَعرِفتِه بالكَلامِ والفَلسَفةِ وسُلوكِه طَريقَ الزُّهدِ والرِّياضةِ والتَّصَوُّفِ؛ يَنتَهي في هذه المَسائِلِ إلى الوَقفِ والحَيرةِ، ويُحيلُ في آخِرِ أمرِه على طَريقةِ أهلِ الكَشْفِ، وإنْ كانَ بَعدَ ذلك رَجَعَ إلى طَريقةِ أهلِ الحَديثِ، وصَنَّفَ "إلجام العوامِّ عن علمِ الكلامِ".

وكذلك أبو عَبدِ اللهِ مُحمَّدُ بنُ عُمَرَ الرَّازيُّ، قالَ في كِتابِه الذي صَنَّفَه في أقسامِ اللَّذَّاتِ: لقد تَأمَّلْتُ الطُّرُقَ الكَلاميَّةَ، والمَناهِجَ الفَلسَفيَّةَ، فما رَأيتُها تَشفي عَليلًا، ولا تَروي غَليلًا، ورَأيتُ أقرَبَ الطُّرُقِ طَريقةَ القُرآنِ؛ أقرَأُ في الإثباتِ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] ، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10] ، وأقرأُ في النَّفيِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ، وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: 110] ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: 65] ، ثُمَّ قالَ: ومَن جَرَّبَ مِثلَ تَجرِبتي، عَرَفَ مِثلَ مَعرِفتي) 73.

وقالَ السَّفارينيُّ: (لو كانَت مُستَقِلَّةً يَعني: العُقولَ بمَعرِفةِ الحَقِّ وأحكامِه، لكانَت الحُجَّةُ قائِمةً على النَّاسِ قَبلَ بَعْثِ الرُّسُلِ وإنزالِ الكُتُبِ، واللَّازِمُ باطِلٌ بالنَّصِّ؛ قالَ اللهُ تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] 74.