ذَهَبَ بَعضُهم إلى أنَّ :
الإيمانُ في اللُّغةِ: بمَعنى التَّصديقِ، وأصلُ الأمنِ: هو طُمَأنينةُ النَّفسِ وزَوالُ الخَوفِ 3.
والصَّحيحُ:
قالَ ابنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ بَعدَ أنْ ذَكَرَ مَذاهِبَ النَّاسِ في الإيمانِ: "والصَّوابُ مِنَ القَولِ في ذلك عِندَنا أنَّ الإيمانَ اسمٌ للتَّصديقِ كما قالَتْه العَرَبُ، وجاءَ به كِتابُ اللهِ تعالى ذِكْرُه خَبَرًا عن إخوةِ يوسُفَ مِن قِبَلِهم لأبيهم يَعقوبَ: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} بمَعنى: ما أنتَ بمُصَدِّقٍ لنا على قِيلِنا، غَيرَ أنَّ المَعنى الذي يَستَحِقُّ به اسمَ المُؤمِنِ بالإطلاقِ هو الجامِعُ لمَعاني الإيمانِ، وذلك أداءُ جَميعِ فَرائِضِ اللهِ تعالى ذِكْرُه، مِن مَعرِفةٍ وقَولٍ وعَمَلٍ". وفي القاموسِ: "آمَنَ به إيماناً: صَدَّقَهُ، والإِيمانُ: الثِّقَةُ، وإظْهارُ الخُضوعِ، وقَبولُ الشَّريعَةِ". وحَتَّى لو قُلنا تَنَزُّلاً هو التَّصديقُ فهو تَصديقٌ مَخصوصٌ كما يُقالُ إنَّ الصَّلاةَ لُغةً هي الدُّعاءُ وأنَّها مُقَرَّرةٌ على استِعمالِ أهلِ اللُّغةِ ومُبْقاةٌ على مُقتَضَياتِها، ولَيسَت مَنقولةً، لكِنَّ الصَّحيحَ أنَّه زِيدَ فيها أُمورٌ، وعلى هذا فالإيمانُ كالصَّلاةِ، له أصلٌ في لُغةِ العَرَبِ، ولكِنَّ الشَّارِعَ أضافَ إليه أُمورًا، وجَعَلَه بالقَلبِ واللِّسانِ والجَوارِحِ. نَقَلَ شَيخُ الإسلامِ4 مُتَحَدِّثًا عن بَعضِ الألفاظِ الشَّرعيَّةِ كالصَّلاةِ والحَجِّ والزَّكاةِ "الصَّحيحُ أنَّها مُقَرَّرةٌ على استِعمالِ أهلِ اللُّغةِ ومُبْقاةٌ على مُقتَضَياتِها ولَيسَت مَنقولةً إلَّا أنَّها زِيدَ فيها أُمورٌ. فلو سَلَّمْنا للخَصمِ كَونَ هذه الألفاظِ مَنقولةً أو مَحمولةً على وَجهٍ مِنَ المَجازِ بدَليلٍ مَقطوعٍ به فعَلَيه إقامةُ الدَّليلِ على وُجودِ ذلك في الإيمانِ". وقالَ "ولَفظُ الإيمانِ: قيلَ أصلُه التَّصديقُ - ولَيسَ مُطابِقًا له؛ بل لا بُدَّ أنْ يَكونَ تَصديقًا عن غَيبٍ، وإلَّا فالخَبَرُ عن مَشهودٍ لَيسَ تَصديقُه إيمانًا؛ لأنَّه مِنَ الأمنِ الذي هو الطُّمَأنينةُ وهذا إنَّما يَكونُ في المُخبَرِ الذي قد يَقَعُ فيه رَيبٌ والمَشهوداتُ لا رَيبَ فيها" ثُمَّ قالَ "وقيلَ: بل هو الإقرارُ؛ لأنَّ التَّصديقَ إنَّما يُطابِقُ الخَبَرَ فقَط وأمَّا الإقرارُ فيُطابِقُ الخَبَرَ والأمرَ كقَولِه: {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا} ولأنَّ قَرَّ وآمَنَ: مُتَقارِبانِ. فالإيمانُ دُخولٌ في الأمنِ والإقرارُ دُخولٌ في الإقرارِ، وعلى هذا فالكَلِمةُ إقرارٌ والعَمَلُ بها إقرارٌ أيضًا. ثُمَّ هو في الكِتابِ بمَعنَيَينِ: أصلٍ وفَرعٍ واجِبٍ فالأصلُ الذي في القَلبِ وَراءَ العَمَلِ فلِهذا يُفَرِّقُ بَينَهما بقَولِه: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} والذي يَجمَعُهما كما في قَولِه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ}. وحَديثُ " الحَياءِ " و " وَفدِ عَبدِ القَيسِ " وهو مُرَكَّبٌ مِن أصلٍ لا يَتِمُّ بدونِه ومِن واجِبٍ يَنقُصُ بفَواتِه نَقصًا يَستَحِقُّ صاحِبُه العُقوبةَ، ومِن مُستَحَبٍّ يَفوتُ بفَواتِه عُلُوُّ الدَّرَجةِ، فالنَّاسُ فيه ظالِمٌ لنَفسِه ومُقتَصِدٌ وسابِقٌ كالحَجِّ وكالبَدَنِ والمَسجِدِ وغَيرِهما مِنَ الأعيانِ والأعمالِ والصِّفاتِ فمِن سَواءِ أجزائِه، ما إذا ذَهَبَ نقَصَ عَنِ الأكمَلِ، ومِنه ما نقَصَ عَنِ الكَمالِ وهو تَركُ الواجِباتِ أو فِعلُ المُحَرَّماتِ، ومِنه ما نَقَصَ رُكنُه، وهو تَركُ الاعتِقادِ والقَولِ، الذي يَزعُمُ المُرجِئةُ والجَهميَّةُ أنَّه مُسَمًّى فقَط، وبهذا تَزولُ شُبُهاتُ الفِرَقِ. وأصلُه القَلبُ وكَمالُه العَمَلُ الظَّاهِرُ بخِلافِ الإسلامِ فإنَّ أصلَه الظَّاهِرُ وكَمالُه القَلبُ".
فالإيمانُ الذي جاءَ ذِكْرُه في الشَّرعِ، أصلُه في اللُّغةِ الإقرارُ؛ لا مُجَرَّدُ التَّصديقِ.