فمِثالُ الأوَّلِ: ما ورَد في قولِ اللهِ تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف: 28] ؛ فإنَّ الجُمهورَ على إسنادِ الفِعلِ لـ "أنا"، وهو ضميرُ العَظَمةِ العائِدُ إليه سُبحانَه، و"قَلْبَه" بالفَتحِ مفعولٌ به، كما عليه القِراءةُ المُتواتِرةُ، على معنى: جعَلْناه غافِلًا؛ فالإغفالُ فِعلُ اللهِ في العبدِ بمشيئتِه وإرادتِه 1449 .
وخالَفَت المُعتَزِلةُ، فزعَموا أنَّ المعنى: وجدْناه، أو صادَفْناه كذلك، أو نسبْناه إلى الغَفلةِ، أو سمَّيناه غافِلًا، لا أنَّ اللهَ فعَل به ذلك، واستنَدوا إلى قراءةٍ شاذَّةٍ لعَمرِو بنِ عُبَيدٍ، وعَمرِو بنِ فائِدٍ وموسى بنِ سيَّارٍ الأَسْواريَّينِ في الآيةِ، بفَتحِ اللَّامِ في (أَغْفَلَنَا)، ورَفعِ الباءِ في (قَلْبُهُ) على أنَّه فاعِلٌ، بمعنى: مَن نَسِيَنا قَلبُه فأصبَح غافِلًا عنَّا، قالوا: هو المُتعيِّنُ؛ لأنَّ اللهَ عادِلٌ، ولا يفعَلُ القبيحَ؛ فهو مُنزَّهٌ عنه 1450 .
قال الزَّمَخشَريُّ وهو ينصُرُ هذا التَّفسيرَ بَعدَ أن ذكَره: (قد أبطَل اللهُ توهُّمَ المُجْبرةِ بقولِه: وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وقُرِئ: (أَغْفَلَنَا قَلْبَهُ) بإسنادِ الفِعلِ للقلبِ، على معنى: حَسِبنا قَلبَه غافِلًا، مِن أغفَلْتُه: إذا وجَدْتَه غافِلًا) 1451 .
ومثالُ الثَّاني: قراءةُ عَمرِو بنِ عُبَيدٍ وعَمرِو بنِ فائِدٍ وبعضِ المُعتَزِلةِ لقولِ اللهِ تعالى: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق: 2] بالتَّنوينِ والنَّفيِ 1452 ، مُخالِفينَ قِراءةَ الجماهيرِ بالإضافةِ، واعتِبارِ مَا موصوليَّةً، قال ابنُ عطيَّةَ: (هي قراءةٌ مردودةٌ مبنيَّةٌ على مذهَبٍ باطِلٍ) 1453 .
وكذلك تأييدُ ابنِ جنِّي لقراءةٍ منسوبةٍ لإبراهيمَ النَّخَعيِّ في قولِ اللهِ تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] بنصبِ "الله"، فقال: (يشهَدُ لهذه القِراءةِ قولُه عزَّ وجلَّ حِكايةً عن موسى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: 143] ، وغَيرُه مِن الآيِ التي فيها كلامُه للهِ تعالى) 1454 .
والحامِلُ لهم على هذا الإعرابِ، ومُخالَفةِ القِراءاتِ المُتواتِرةِ: هو ما تدُلُّ عليه آيةُ "سورةِ الكهفِ" مِن خَلقِ اللهِ أفعالَ العِبادِ، وآيةُ "سورةِ النَّاسِ" مِن خَلقِ اللهِ للشَّرِّ، وهُم لا يقولونَ بذلك، وما تدُلُّ عليه آيةُ "سورةِ النِّساءِ" مِن إثباتِ صفةِ الكلامِ للهِ سُبحانَه؛ فاضطُرُّوا إلى الإعرابِ الشَّاذِّ في الموضِعِ الأوَّلِ، وإلى القراءةِ الشَّاذَّةِ في الموضِعَينِ الثَّاني والثَّالثِ 1455 .