خبرُ الآحادِ هو ما رواه واحِدٌ أو اثنانِ أو ثلاثةٌ فأكثَرُ دونَ بُلوغِ عددِ التَّواتُرِ، أو بلَغَه ولكِنْ فقَد شرطًا مِن شُروطِ التَّواتُرِ، وقد اشترَط العُلماءُ في راويه لقَبولِه: العدالةَ والضَّبطَ 1317 .
ومتى توفَّرَت فيه شُروطُ القَبولِ يُصبِحُ حُجَّةً معمولًا به وُجوبًا على رأيِ الجُمهورِ، سواءٌ كان خبرُ الآحادِ صحيحًا لذاتِه أو صحيحًا لغَيرِه، حَسنًا لذاتِه أو حسنًا لغَيرِه 1318 .
وخالَف المُعتَزِلةُ ما ذهَب إليه جُمهورُ العُلماءِ، وردُّوا خبرَ الواحِدِ مُشترِطينَ التَّعدُّدَ؛ فأبو الحَسنِ الخيَّاطُ أنكَر حُجَّةَ أخبارِ الآحادِ 1319 ، وأبو عليٍّ الجُبَّائيُّ -كما نقَله عنه المازَرِيُّ وغَيرُه 1320 - لا يَقبَلُ الخبرَ إذا رواه العدلُ الواحِدُ إلَّا:
إذا عضَّده ظاهِرُ خبرٍ آخَرَ، أو مُوافَقةُ ظاهِرِ الكتابِ.
أو نُسِب إليه خبرُ عدلٍ آخَرَ.
أو عَمِل به بعضُ الصَّحابةِ.
بل قد نُسِب إلى الجُبَّائيِّ أنَّه لا يقبَلُ الخبرَ إلَّا إذا رواه أربعةٌ 1321 .
وللمُعتَزِلةِ في ردِّ خبرِ الواحِدِ حُجَجٌ؛ منها:
1- قصَّةُ ذي اليدَينِ، وكونُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم توقَّف في خبرِه حتَّى تابَعه عليه غَيرُه 1322 .
2- قصَّةُ عُمرَ حينَ توقَّف في خبرِ أبي موسى في الاستِئذانِ، حتَّى تابَعه أبو سعيدٍ الخُدْريُّ 1323 .
وقد تناوَل عُلماءُ السُّنَّةِ التَّدليلَ على حُجِّيَّةِ خبرِ الواحِدِ؛ فعقَد الإمامُ الشَّافعيُّ بابًا بهذا العُنوانِ في رسالتِه 1324 .
كما أنَّ البُخاريَّ عقَد في جامِعِه الصَّحيحِ بابًا لهذا الغَرضِ ترجَم له بقولِه: (بابُ ما جاء في إجازةِ خبرِ الواحِدِ الصَّدوقِ)، ولا يكادُ كتابٌ مِن كُتبِ المُصطلَحِ يخلو مِن إثباتِ حُجِّيَّةِ خبرِ الواحِدِ، ودَحضِ الشُّبَهِ التي تحومُ حَولَه، وقد تولَّى ابنُ حجرٍ الرَّدَّ على حُجَجِ المُعتَزِلةِ في خبرِ الآحادِ، فبيَّن أنَّ توقُّفَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قَبولِ خبرِ ذي اليدَينِ لا حُجَّةَ فيه للمُعتَزِلةِ؛ لأنَّ سُؤالَ ذي اليدَينِ عارَض عِلمَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكُلُّ خبرِ واحِدٍ إذا عارَض العِلمَ لم يُقبَلْ 1325 .
وانفِرادُ ذي اليدَينِ بمُراجَعةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دونَ المُصلِّينَ جميعًا على كثرتِهم وأهميَّتِهم ممَّا يدعو الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى استِبعادِ حِفظِ ذي اليدَينِ، وتجويزِ الخطأِ عليه 1326 .
وقد طفحَت كُتبُ الآثارِ بأمثلةٍ عديدةٍ تُؤيِّدُ اعتِبارَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لخبرِ الواحِدِ حُجَّةً؛ فقد (بعَث رُسلَه واحِدًا واحِدًا إلى المُلوكِ، ووفَد عليه الآحادُ مِن القبائِلِ، فأرسَلهم إلى قبائِلِهم، وكانت الحُجَّةُ قائِمةً بإخبارِهم عنه معَ عَدمِ اشتِراطِ التَّعدُّدِ) 1327 .
أمَّا عن قصَّةِ توقُّفِ أبي بكرٍ في خبرِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ في ميراثِ الجدَّةِ؛ فهذا ليس منه مُطَّرِدًا، فهو يطلُبُ مزيدًا مِن التَّثبُّتِ والتَّحوُّطِ لا اتِّهامًا للمُغيرةِ باعتِبارِه راويًا فَردًا، وقد قبِل أبو بكرٍ أخبارَ آحادٍ كثيرةً 1328 .
وأمَّا قصَّةُ عُمرَ فإنَّ أبا موسى أخبَره بذلك الحديثِ بَعدَ أن أنكَر عليه رُجوعَه بَعدَ الاستِئذانِ ثلاثًا، وتوعَّده، فأراد عُمرُ أن يتثبَّت خَشيةَ أن يكونَ أبو موسى إنَّما أورَد الحديثَ دَفعًا عن نَفسِه 1329 .
وغايةُ ما يُؤخَذُ مِن الحديثِ -على حدِّ تعبيرِ ابنِ بطَّالٍ- (التَّثبُّتُ في خبرِ الواحِدِ لِما يجوزُ عليه مِن السَّهوِ وغَيرِهـ) 1330 لا سيَّما وجاء في إحدى الرِّواياتِ أنَّ عُمرَ قال لأبي موسى: (إنِّي لم أتَّهِمْك، ولكنَّ الحديثَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شديدٌ) 1331 .
وقد قَبِل عُمرُ كثيرًا مِن أخبارِ الآحادِ العُدولِ:
فقد قَبِل خبرَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ وحدَه في أخذِ الجِزيةِ مِن المجوسِ 1332 .
كما قَبِل خبرَه في الرُّجوعِ عن البلدِ الذي فيه الطَّاعونُ 1333 .
وقَبِل خبرَ الضَّحَّاكِ بنِ سُفيانَ في توريثِ امرأةِ أشيَمَ مِن دِيَةِ زَوجِها 1334 .
كما قَبِل خبرَ عَمرِو بنِ حَزمٍ في أنَّ دِيَةَ الأصابِعِ سواءٌ 1335 .
وقَبِل أيضًا خبرَ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ في المسحِ على الخُفَّينِ 1336 .
وقد يُضطرُّ المُعتَزِلةُ أحيانًا لقَبولِ خبرِ الواحِدِ 1337 لسببٍ أو لآخَرَ؛ إلَّا أنَّهم حينَ يُضطرُّونَ إليه فلا يروونَه بصيغةِ الجزمِ، وإنَّما يروونَه بصيغةِ التَّمريضِ 1338 .
وردُّهم لخبرِ الآحادِ يُفسِّرُ هدفَهم الرَّاميَ إلى إنكارِ أكثَرِ أحكامِ الشَّريعةِ؛ لأنَّ أغلَبَ الفُروضِ والمسائِلِ الشَّرعيَّةِ قائِمةٌ على أخبارِ الآحادِ 1339 .