تمسَّك بعضُ المُعتَزِلةِ بالرَّأيِ الشَّاذِّ حولَ حدِّ الخمرِ القائِلِ: إنَّ الرَّسولَ لم يفرِضْ في الخمرِ حدًّا، وإنَّه وبعضَ الصَّحابةِ إنَّما ضرَبوا بالجَريدِ والنِّعالِ والأردِيةِ، وعزَف هؤلاء المُعتَزِلةُ عمَّا أجمَع عليه الصَّحابةُ مِن وُجوبِ الحدِّ في الخمرِ 1404 ، بل وهاجَموا الحدَّ، ومِن ذلك أنَّ جَعفَرَ بنَ مُبشِّرٍ زعَم (أنَّ إجماعَ الصَّحابةِ على حدِّ شارِبِ الخمرِ كان خطأً؛ إذ المُعتبَرُ في الحُدودِ النَّصُّ والتَّوقيفُ) 1405 .

والمُلاحَظُ أنَّ النَّصَّ والتَّوقيفَ مُتوفِّرانِ؛ فالاتِّفاقُ كامِلٌ بَينَ الصَّحابةِ والعُلماءِ على أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جلَد مَن شَرِبَ الخمرِ، ولكن ثَمَّةَ اختِلافٌ حولَ عددِ الجَلَداتِ 1406 .

وقد أطنَب الفُقَهاءُ والمُحدِّثونَ في الحديثِ عن ذلك وسردِ كُلِّ الآراءِ مهما كانت مُتضارِبةً ومُتطرِّفةً، وقد أورَد ابنُ حُجرٍ خُلاصةً حولَ هذا الموضوعِ؛ قال فيها: (قد استقرَّ الإجماعُ على ثُبوتِ حدِّ الخمرِ وأنْ لا قَتلَ فيه، واستمرَّ الاختِلافُ في الأربعينَ والثَّمانينَ) 1407 .

والمُلاحَظُ أنَّ حدَّ النَّبيذِ بدورِه ثمانونَ جَلدةً 1408 ، أي إنَّه مُساوٍ لحدِّ الخمرِ؛ فقد قرَّر الفُقهاءُ وُجوبَ جلدِ مَن شرِب خمرًا أو نبيذًا مُسكِرًا ثمانينَ، سواءٌ سكِر أو لم يسكَرْ 1409 .

وخالَف عَمرُو بنُ عُبَيدٍ؛ فنسَب إلى الحسنِ البَصريِّ أنَّه قال: إنَّ السَّكرانَ مِن النَّبيذِ لا يُجلَدُ، وقد أكذَبه أيُّوبُ السَّختيانيُّ، وقال: أنا سمعْتُ الحَسنَ يقولُ: يُجلَدُ 1410 .