الشَّفاعةُ التي أثبَتها أهلُ السُّنَّةِ أربعةُ أنواعٍ:

1- الخَلاصُ مِن هولِ الموقِفِ، وهي خاصَّةٌ بمُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

2- الشَّفاعةُ في قومٍ يدخُلونَ الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ.

3- الشَّفاعةُ في رفعِ الدَّرَجاتِ.

4- الشَّفاعةُ في إخراجِ عُصاةِ المُؤمِنينَ مِن النَّارِ.

والمُعتَزِلةُ وإن اشترَطوا في النَّوعِ الثَّاني مِن الشَّفاعةِ أن تكونَ خاصَّةً بمَن لا تَبِعةَ عليه؛ فإنَّهم قَبِلوا النَّوعَينِ الأوَّلَ والثَّالثَ، في حينِ ردُّوا النَّوعَ الرَّابعَ 1372 ؛ لأنَّهم يُنكِرونَ شفاعةَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأهلِ الكبائِرِ مِن الأمَّةِ الإسلاميَّةِ 1373 مُستنِدينَ إلى المُتشابِهِ مِن قولِ اللهِ تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48] ، ولأنَّها تُخالِفُ مبدأَهم في الوعدِ والوعيدِ.

وقد شذَّ عنهم أبو هاشِمِ بنُ الجُبَّائيِّ؛ حيثُ أقرَّ الشَّفاعةَ معَ كونِ الشَّفيعِ ساخِطًا، وقال: (قد تصِحُّ بلا توبةٍ) 1374 .

أمَّا القاضي عبدُ الجبَّارُ فيُقِرُّ شفاعةَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولكنَّه يجعَلُها خاصَّةً بأهلِ الثَّوابِ دونَ أهلِ العِقابِ، ولأولياءِ اللهِ دونَ أعدائِه، وتتمثَّلُ شفاعتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أن يزيدَهم مِن الفَضلِ والتَّعظيمِ في الجنَّةِ، هذا هو مفهومُ الشَّفاعةِ التي يُثبِتُها ويُخَطِّئُ مَن يُنكِرُها خطأً عظيمًا 1375 ، مُستدِلًّا على ما ذهَب إليه بقولِ اللهِ تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18] ، فأهلُ النَّارِ عندَه يستحِقُّونَ (اللَّعنَ والغَضبَ والسَّخَطَـ فكيف يجوزُ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يشفَعَ لهم؟ ومِن حقِّ الشَّافِعِ أن يكونَ مُحبًّا لمَن يشفَعُ له، راضيًا عنه، وهذا يوجِبُ إن كان عليه السَّلامُ يشفَعُ لهم أن يكونَ راضيًا عمَّن سخِط عليه ولعَنه، وذلك لا يصِحُّ) 1376 .

فهم يَصدُرونَ في إنكارِهم للشَّفاعةِ عن إيمانِهم بالوعدِ والوعيدِ؛ وَعدِ اللهِ للأتقياءِ المُطيعينَ، ووعيدِه للمُذنِبينَ، وقد سبقَت كَلِمةُ اللهِ بذلك، ولا مُبدِّلَ لكلماتِه؛ فإذا خرَج المُؤمِنُ مِن الدُّنيا عن طاعةٍ وتوبةٍ استحقَّ الثَّوابَ، وإذا خرَج عن كبيرةٍ ولم يتُبْ خُلِّد في النَّارِ 1377 ؛ إذ لا يصِحُّ خُروجُهم منها؛ لأنَّهم مِن أهلِ العِقابِ، ولا يجوزُ معَ ذلك أن يكونوا مِن أهلِ الثَّوابِ؛ لأنَّ ذلك كالمُتضادِّ 1378 .

وهُم وإن خلَّدُوهم في النَّارِ فإنَّهم جعَلوا عذابَهم أخَفَّ مِن عذابِ الكافِرينَ.

وبموقِفِهم هذا يكونونَ قد أنكَروا أمرًا ثبَت بالسُّنَّةِ الصَّحيحةِ؛ فقد جاء عن أنسِ بنِ مالِكٍ رضِي اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قولُه: شفاعتي لأهلِ الكبائِرِ مِن أمَّتي 1379 ، وبناءً على ذلك فقد أتَت السُّنَّةُ بأنَّ اللهَ يُخرِجُ قومًا مِن النَّارِ بشفاعةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم 1380 .