يعودُ إنكارُ بعضِ المُعتَزِلةِ لمُعجِزاتِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومُعجِزاتِ الرُّسلِ السَّابِقينَ إلى تصوُّرِهم للنُّبوَّةِ؛ فقد اختلَفوا فيما بَينَهم: هل هي جزاءٌ أو ثوابٌ؟ أم لا؟ فقال بعضُهم: هي ثوابٌ وجزاءٌ على عَملٍ صالِحٍ عمِلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاستحقَّ أن يجزيَه اللهُ بالنُّبوَّةِ.

وقال آخَرونَ: ليست بجزاءٍ ولا ثوابٍ 1381 .

وممَّن قال بأنَّها جزاءٌ على عَملٍ: عبَّادُ بنُ سُلَيمانَ، وممَّن قال بأنَّها تكونُ ابتداءً: أبو عليٍّ الجُبَّائيُّ 1382 .

ونَفيُ الاصطِفاءِ عن النُّبوَّةِ رأيٌ قديمٌ أبداه بعضُ الفلاسِفةِ؛ حيثُ جعَلوا النُّبوَّةَ مَرتَبةً مِن المعرفةِ والسُّموِّ الرُّوحيِّ، يبلُغُها المُجتهِدونَ الذين يتدرَّجونَ في مُعاناةٍ ورياضةٍ نفسيَّةٍ خاصَّةٍ.

وبذلك افتقدَت النُّبوَّةُ جَلالَها وقُدسيَّتَها، وصارت لدى هؤلاء الفلاسِفةِ ومَن تأثَّر بهم مِن المُعتَزِلةِ مِن الموضوعاتِ التي يتناوَلونَها بعيدًا عمَّا تستحِقُّه مِن الاحتِرامِ؛ فهذا واصِلُ بنُ عطاءٍ يخطُبُ فيُجيدُ، فيقولُ عَمرُو بنُ عُبَيدٍ -وكان شاهِدًا الجَمعَ-: (ترَونَ لو أنَّ مَلَكًا مِن الملائِكةِ أو نبيًّا مِن الأنبِياءِ يزيدُ على هذا؟!) 1383 .

بل بلَغ بهم استِهانتُهم بمَقامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ جوَّز عليه بعضُهم تعمُّدَ ارتِكابِ المعاصي، إلَّا أنَّها لا تكونُ إلَّا صغائِرَ 1384 .

وبناءً على هذا فإنَّ الكثيرَ مِن المُعتَزِلةِ يعتبِرونَ الحُجَّةَ قائِمةً على النَّاسِ بالعقلِ لا بالنُّبوَّةِ، فحتَّى مَن لم يبلُغْه خبرُ الرَّسولِ فهو محجوجٌ 1385 ؛ لتَقصيرِه في إعمالِ عَقلِه للوُصولِ إلى الحقيقةِ!

ومِن المُعتَزِلةِ مَن نفى أن تكونَ المُعجِزاتُ دلائِلَ صِدقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في دَعواه الرِّسالةَ؛ ففَلْقُ البحرِ، وقَلْبُ العصا حيَّةً، ومَحْقُ السِّحرِ، وانشِقاقُ القَمَرِ، والمَشيُ على الماءِ، وغَيرُها: لا تدُلُّ -في زَعمِهم- على صِدقِ الرِّسالةِ 1386 .

والقرآنُ نَفسُه عندَ بعضِهم -كما ذهَب إلى ذلك هشامٌ الفُوَطيُّ وعبَّادُ بنُ سُلَيمانَ- (لم يُجعَلْ عَلَمًا على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو عَرَضٌ مِن الأعراضِ لا يدُلُّ شيءٌ منها على اللهِ، ولا على نُبوَّةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم!) 1387 .

فهل نعجَبُ بَعدَ هذا إذا أنكَر النَّظَّامُ ما رُوِي مِن مُعجِزاتِ نبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن انشِقاقِ القمرِ، وتسبيحِ الحصا في يدِه، ونُبوعِ الماءِ بَينَ أصابِعِه؟! 1388 .

فهو حينَ يتحدَّثُ عن روايةِ ابنِ مسعودٍ لحديثِ الانشِقاقِ 1389 يتناوَلُها دونَ التِزامٍ لأيِّ لونٍ مِن ألوانِ الأدَبِ إزاءَ الصَّحابةِ الذين قال عنهم الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تسبُّوا أصحابي 1390 ، فقال: (هذا مِن الكذِبِ الذي لا خَفاءَ به؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يشُقُّ القمرَ له وحدَه، ولا لآخَرَ معَه، وإنَّما يشُقُّه ليكونَ آيةً للعالَمينَ، فكيف لم يعرِفْ بذلك العامَّةُ، ولم يُؤرِّخِ النَّاسُ بذلك العامِ، ولم يذكُرْه شاعِرٌ، ولم يُسلِمْ عنه كافِرٌ، ولم يحتَجَّ به مُسلِمٌ على مُلحِدٍ؟!) 1391 .

وفي الحقيقةِ فإنَّه بإنكارِه للكثيرِ مِن مُعجِزاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنَّما يرمي إلى إنكارِ ثُبوتِه 1392 ، لا سيَّما والنَّظَّامُ مُعجَبٌ بقولِ البراهِمةِ بإبطالِ النُّبوَّاتِ، (ولم يجسُرْ على إظهارِ هذا القولِ خوفًا مِن السَّيفِ) 1393 .

وقد ثبَت حديثُ انشِقاقِ القمرَ عن ابنِ مسعودٍ 1394 ، وابنِ عُمرَ 1395 ، وأنسٍ 1396 ، وابنِ عبَّاسٍ 1397 .

جاء عن ابنِ مسعودٍ رضِي اللهُ عنه قولُه: انشقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شِقَّتَينِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اشهَدوا 1398 .

قال القاضي عِياضٌ: (آيةُ انشِقاقِ القمرِ مِن أمَّهاتِ آياتِ نبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومُعجزاتِه، وقد رواها عِدَّةٌ مِن الصَّحابةِ، وظاهِرُ الآيةِ أيضًا وسياقُها وما بَعدَها مِن تمادي قُرَيشٍ على التَّكذيبِ يشهَدُ بصحَّتِها؛ لقولِه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، قال أبو إسحاقَ الزَّجَّاجُ: وقد أنكَرها بعضُ أهلِ البِدَعِ، وضاهى في ذلك مُخالِفي الملَّةِ، وذلك لمَّا أعمى اللهُ قلبَه، ولا إنكارَ للعقلِ في جهتِها؛ إذ هو خَلقٌ مِن خَلقِ اللهِ يفعَلُ اللهُ به ما يشاءُ، كما يُفنيه ويُكوِّرُه آخِرَ أمرِهـ) 1399 .

وبلغَت ببعضِ المُعتَزِلةِ مُناوأَتُهم للإسلامِ وللرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن أنكَروا إعجازَ القرآنِ، فقال النَّظَّامُ: (إنَّ نَظمَ القرآنِ وحُسنَ تأليفِ كلماتِه ليس مُعجِزةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا دَلالةَ فيه على صِدقِه في دَعواه النُّبوَّةَ؛ ذلك أنَّ القرآنَ كتابٌ كسائِرِ الكُتبِ المُنزَّلةِ لبيانِ الأحكامِ مِن الحلالِ والحرامِ، ووَجهُ الدَّلالةِ في هذا الكتابِ على صِدقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنَّما هو ما فيه مِن الأخبارِ عن الغُيوبِ، فأمَّا نَظمُ القرآنِ وحُسنُ تأليفِ آياتِه فإنَّ العِبادَ قادِرونَ على مِثلِه، وعلى ما هو أحسَنُ منه في النَّظمِ والتَّأليفِ! ولم يُعارِضْه العربُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى صرَفهم عن ذلك، وسلَب عُلومَهم به، وهو ما عُرِف عندَهم بالصَّرْفةِ) 1400 .

وقال عيسى بنُ صَبيحٍ المُلقَّبُ بالمُرْدارِ: (إنَّ النَّاسَ قادِرونَ على مِثلِ القرآنِ فصاحةً ونَظمًا وبلاغةً) 1401 .

وذهَب ابنُ الرَّاوَنديُّ في كتابِه (الدَّامِع) إلى الطَّعنِ في نَظمِ القرآنِ ومعانيه 1402 .

إلَّا أنَّ هذه الآراءَ الغريبةَ كان قد تناوَلها العديدُ مِن رجالِ الاعتِزالِ بالطَّعنِ والتَّجريحِ والرَّدِّ عليها، فتولَّى أبو الحُسَينِ الخيَّاطُ وأبو عليٍّ الجُبَّائيُّ الرَّدَّ على ابنِ الرَّاوَنديِّ، فنقَض ما تورَّط فيه مِن الانحِرافاتِ في كتابِه (الدَّامع)، وتولَّى الجاحِظُ في كتابِه (نَظم القرآنِ) الرَّدَّ على النَّظَّامِ في قولِه بالصَّرْفةِ 1403 .