لمعرفةِ حُكمِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ عندَ المُعتَزِلةِ لا بُدَّ أن نسوقَ شيئًا مِن أقوالِهم في ذلك.
قال القاضي عبدُ الجبَّارِ: (اعلَمْ أنَّه لا خِلافَ في وُجوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ) 1120 .
وقال أيضًا: (اعلَمْ أنَّ المقصودَ بالأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ هو: ألَّا يضيعَ المعروفُ، ولا يقعَ المُنكَرُ؛ فإذا ارتفَع هذا الغَرَضُ ببعضِ المُكلَّفينَ سقَط عن الباقينَ؛ فلهذا قُلْنا: إنَّه مِن فُروضِ الكِفاياتِ) 1121 .
وقال الزَّمَخشَريُّ: (الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَرِ مِن فُروضِ الكِفاياتِ) 1122 .
مِن هذه الأقوالِ يتَّضِحُ حُكمُ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ عندَ المُعتَزِلةِ، وهو أنَّه واجِبٌ كِفائيٌّ.
أدلَّةُ المُعتَزِلةِ على وُجوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ وأنَّه كِفائيٌّ
أوَّلًا: أدلَّةُ المُعتَزِلةِ على وُجوبِه
قال القاضي عبدُ الجبَّارِ: (الذي يدُلُّ على وُجوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ.
أمَّا الكتابُ فقولُه تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران: 110] ؛ فاللهُ تعالى مدَحَنا على ذلك، فلولا أنَّها مِن الحَسَناتِ الواجِباتِ، وإلَّا لم يَفعَلْ ذلك.
وأمَّا السُّنَّةُ فقولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليس لعَينٍ ترى اللهَ يُعصى فتَطرِفُ، حتَّى تُغيِّرَ أو تنتقِلَ
1123 .
وأمَّا الإجماعُ فلا إشكالَ فيه؛ لأنَّهم اتَّفَقوا عليهـ) 1124 .
ثانيًا: أدلَّةُ المُعتَزِلةِ على أنَّ الأمرَ بالمعروفِ كِفائيٌّ
أدلَّةُ المُعتَزِلةِ في هذا كثيرةٌ؛ منها:
مِن الكتابِ: قولُ اللهِ تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104] .
قال الزَّمَخشَريُّ: (إنَّ "مِن" في قولِه تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ للتَّبعيضِ؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكَرِ مِن فُروضِ الكِفاياتِ) 1125 .
ومِن السُّنَّةِ: قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وقد سُئِل وهو على المِنبَرِ: مَن خيرُ النَّاسِ؟ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: آمَرُهم بالمعروفِ، وأنهاهم عن المُنكَرِ، وأتقاهم للهِ وأوصَلُهم
1126 ؛ ففي هذا الحديثِ دَلالةٌ على أنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكَرِ لا يجِبُ وُجوبَ عَينٍ؛ إذ إنَّ الأمرَ فيه للتَّرغيبِ، ولو كان واجِبًا وُجوبَ عَينٍ لَما كان كذلك 1127 .