هو الحروفُ المنظومةُ، والأصواتُ المُقطَّعةُ، شاهِدًا وغائِبًا 689 .

وقد انتقَد القاضي عبدُ الجبَّارِ هذا التَّعريفَ؛ لأنَّ فيه إخراجًا لِما يتألَّفُ مِن حرفَينِ مِن أن يكونَ كلامًا، وفيه ضَربًا مِن التَّكرارِ؛ لأنَّ الأصواتَ المُقطَّعةَ هي الحروفُ المنظومةُ؛ ولذلك فقد عرَّفه بتعريفٍ آخَرَ، فقال: (هو ما انتظَم مِن حرفَينِ فصاعِدًا، أو ما له نِظامٌ مِن الحُروفِ مخصوصٌ) 690 .

واختلَف المُعتَزِلةُ في الكلامِ، هل هو جسمٌ أم عَرَضٌ، على أقوالٍ؛ أهَمُّها ما يلي:

القولُ الأوَّلُ: أنَّ كلامَ اللهِ جسمٌ، وأنَّه مخلوقٌ.

القولُ الثَّاني: رأيُ النَّظَّامِ وأصحابِه: وهو أنَّ كلامَ الخَلقِ عَرَضٌ، وهو حركةٌ؛ لأنَّه لا عَرَضَ عندَهم إلَّا الحركةُ، وأنَّ كلامَ الخالِقِ جسمٌ، وأنَّ ذلك الجسمَ صوتٌ مُقطَّعٌ مُؤلَّفٌ مسموعٌ، وهو فِعلُ اللهِ وخَلقُه، وإنَّما يفعَلُ الإنسانُ القراءةَ، والقراءةُ الحركةُ، وهي غَيرُ القرآنِ.

القولُ الثَّالثُ: رأيُ أبي الهُذَيلِ، وجَعفَرِ بنِ حربٍ، ومَعمَرٍ، والإسكافيِّ، ومَن تبِعهم، وهو أنَّ الكلامَ عَرَضٌ مخلوقٌ 691 .

مِن هذا العَرْضِ لخلافِهم يتَّضِحُ أنَّ المُعتَزِلةَ قد اختلَفوا في الكلامِ: هل هو جسمٌ أم لا؟ إلَّا أنَّهم اتَّفَقوا على أنَّه مخلوقٌ.

قال القاضي عبدُ الجبَّارِ: (الذي يدُلُّ على حدوثِ كلامِه الذي ثبَت أنَّه كلامٌ له: أنَّ الكلامَ -على ما قدَّمْناه- لا يكونُ إلَّا حُروفًا منظومةً، وأصواتًا مُقطَّعةً، وقد ثبَت فيما هذه حالُه أنَّه مُحدَثٌ؛ لجوازِ العَدمِ عليه، على ما بيَّنَّاه في حُدوثِ الأعراضِ) 692 .

وقال عبدُ الجبَّارِ أيضًا وهو يتكلَّمُ عن مذاهِبِ النَّاسِ في القرآنِ: (أمَّا مذهَبُنا فهو أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ تعالى ووَحيُه، وهو مخلوقٌ مُحدَثٌ...) 693 .

وقال أيضًا: (قد أطلَق مشايِخُنا كُلُّهم في القرآنِ أنَّه مخلوقٌ) 694 .

وقال المُقبِليُّ وهو يَعرِضُ اختِلافَ النَّاسِ في الكلامِ: (المُتكلِّمونَ نظَروا في كيفيَّتِه فاختلَفوا...، ورتَّبَت المُعتَزِلةُ على ذلك إطلاقَ المخلوقِ على القرآنِ) 695 .