أوَّلًا: ماهيَّةُ الجسمِ عندَ المُعتَزِلةِ
وقد عرَّف القاضي عبدُ الجبَّارِ الجسمَ، فقال: (اعلَمْ أنَّ الجسمَ هو ما يكونُ عريضًا عميقًا، ولا يحصُلُ فيه الطُّولُ والعَرضُ والعُمقُ إلَّا إذا تركَّب مِن ثمانيةِ أجزاءٍ؛ بأن يحصُلَ جُزآنِ في قُبالةِ النَّاظِرِ، ويُسمَّى طولًا وخطًّا، ويحصُلَ جُزآنِ آخَرانِ عن يمينِه ويسارِه مُنضمَّانِ إليهما، فيحصُلَ العَرَضُ، ويُسمَّى سطحًا أو صَفْحةً، ثُمَّ يحصُلَ فَوقَها أربعةُ أجزاءٍ مِثلِها، فيحصُلَ العُمقُ، وتُسمَّى ثَمانيةُ الأجزاءِ المُركَّبةِ على هذا الوَجهِ جسمًا) 585 .
ويُعلِّلونَ عَدمَ صحَّةِ إطلاقِ لفظِ الجسمِ على اللهِ (أنَّه تعالى لو كان جسمًا لكان مُحدَثًا، وقد ثبَت قِدَمُه؛ لأنَّ الأجسامَ كُلَّها يستحيلُ انفِكاكُها مِن الحوادِثِ التي هي الاجتِماعُ والافتِراقُ، والحركةُ والسُّكونُ، وما لا ينفكُّ عن المُحدَثِ يجِبُ حُدوثُه لا محالةَ) 586 .
مُناقَشةُ رأيِ المُعتَزِلةِ في معنى الجِسميَّةِ:
يُقالُ للمُعتَزِلةِ: ما مقصودُكم مِن نَفيِ الجسمِ عن اللهِ؟ هل هو التَّقيُّدُ بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِه، فتنفونَ الجسمَ؛ لأنَّ النَّقلَ ورَد بنَفيِهما؟ أم تقصِدونَ تنزيهَ اللهِ عن مُشابَهةِ المخلوقاتِ؟!
إن كان الأوَّلَ؛ فإنَّه لم يَرِدْ في الكتابِ والسُّنَّةِ ما يُشيرُ إلى لفظِ الجسمِ بنَفيٍ أو إثباتٍ، وعلى ذلك يجِبُ عليكم السُّكوتُ عمَّا سكَت عنه النَّقلُ.
قال ابنُ القيِّمِ: (اعلَمْ أنَّ لفظَ الجسمِ لم ينطِقْ به الوَحيُ إثباتًا؛ فيكونَ له الإثباتُ، ولا نفيًا؛ فيكونَ له النَّفيُ) 587 .
وإن كان مقصودُكم مِن نَفيِ الجسمِ تنزيهَ اللهِ عن مُشابَهةِ المخلوقاتِ، فنحن نوافِقُكم على أنَّه يجِبُ تنزيهُ اللهِ عن مُشابَهةِ ما سِواه، لكن شريطةَ التَّقيُّدِ بالكتابِ والسُّنَّةِ، ولأنَّهما لم يَرِدا بنَفيِ الجسمِ ولا إثباتِه، فإنَّه يجِبُ السُّكوتُ عمَّا سكَتا عنه. واللهُ أعلَمُ.
ثانيًا: تأويلُ المُعتَزِلةِ للاستِواءِ والمجيءِ والوَجهِ واليدِ والعَينِ والسَّاقِ
رتَّب المُعتَزِلةُ على نَفيِ الجسميَّةِ عن اللهِ تعالى نَفيَ كُلِّ ما يرونَه مُتضمِّنًا لها، وأوَّلوا ما ورَد في ذلك مِن نُصوصٍ؛ كالاستِواءِ، والمجيءِ، والوَجهِ واليدِ، والعَينِ والسَّاقِ. ويُذكَرُ هنا تأويلُهم لها، ثُمَّ الرَّدُّ عليهم:
1- الاستِواءُ:
ورَد في القرآنِ الكريمِ آياتٌ تُؤكِّدُ أنَّ اللهَ تعالى مُستوٍ على عرشِه، كقولِه تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] ، وقد رفَض المُعتَزِلةُ هذا المعنى الظَّاهِرَ الذي تُشيرُ إليه الآيةُ؛ لذا أوَّلوا: الاستِواءَ بالاستيلاءِ والقَهرِ والغَلَبةِ.
قال القاضي عبدُ الجبَّارِ بَعدَ سياقِه الآيةَ: (الاستِواءُ ههنا بمعنى الاستيلاءِ والقَهرِ والغَلَبةِ، وذلك مشهورٌ في اللَّغةِ؛ قال الشَّاعِرُ:
قد استوى بِشرٌ على العِراقِ مِن غَيرِ سيفٍ أو دَمٍ مُهْراقِ) 588 .
المُناقَشةُ:
إنَّ تأويلَ المُعتَزِلةِ للاستِواءِ بالاستيلاءِ باطِلٌ مِن وُجوهٍ؛ منها:
1- أنَّ هذا التَّأويلَ يوجِبُ أن يكونَ تعالى لم يكنْ مُستولِيًا على العرشِ قَبلَ استِوائِه عليه، وهذا باطِلٌ، فما يُؤدِّي إليه مِثلُه.
2- أنَّ هذا التَّأويلَ لو كان صحيحًا لَما كان العرشُ أَولى بالاستيلاءِ مِن سائِرِ المخلوقاتِ، ولجاز لنا أن نقولَ: الرَّحمنُ على الأرضِ استوى؛ لأنَّه تعالى مُستولٍ عليها، وعلى كُلِّ ما خلَق، وهذا لا يقبَلُه أحدٌ؛ فدلَّ على بُطلانِه 589 .
3- استِشهادُكم بقولِ الشَّاعِرِ: "قد استَوى بِشرٌ على العراقِ...".
فيُقالُ: البيتُ مُحرَّفٌ، ولو لم يكنْ مُحرَّفًا فإنَّه دليلٌ عليكم لا لكم.
قال ابنُ القيِّمِ في جُملةِ ردِّه على مَن فسَّر الاستِواءَ بالاستيلاءِ: (إنَّ هذا البيتَ مُحرَّفٌ، وإنَّما هو هكذا: بِشرٌ قد استَولى على العراقِ... ثُمَّ قال: ولو صحَّ هذا البيتُ وصحَّ أنَّه غَيرُ مُحرَّفٍ، لم يكنْ فيه حُجَّةٌ، بل هو حُجَّةٌ عليهم، وهو على حقيقةِ الاستِواءِ؛ فإنَّ بِشرًا هذا كان أخا عبدِ الملِكِ بنِ مَروانَ، وكان أميرًا على العراقِ، فاستَوى على سريرِها، كما هو عادةُ المُلوكِ ونُوَّابِهم أن يجلِسوا فوقَ سريرِ المُلْكِ مُستوينَ عليه، وهذا هو المُطابِقُ لمعنى هذه اللَّفظةِ في اللَّغةِ، كقولِه تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف: 13] ، وقولِه تعالى: ... وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود: 44] ...) 590 .
وأيضًا، فإنَّه لو كان استَوى في البيتِ بمعنى استَولى، كان المفروضُ أن يُقالَ: استَوى عبدُ الملِكِ لا بِشرٌ؛ لأنَّه هو الذي له المُلكُ، وإنَّما بِشرٌ أخوه والٍ عنه 591 ؛ فدلَّ ما ذكَرْنا على بُطلانِ تأويلِ المُعتَزِلةِ للاستِواءِ بالاستيلاءِ. واللهُ أعلَمُ.
2- المجيءُ:
ورَد في القرآنِ الكريمِ آياتٌ تدُلُّ على مجيءِ اللهِ تعالى، كقولِه تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22] ، وقد رفَض المُعتَزِلةُ ما تدُلُّ عليه الآيةُ مِن المجيءِ؛ لذا أوَّلوها، فقالوا: (وجاء أمرُ ربِّك...).
قال القاضي عبدُ الجبَّارِ: (الآيةُ لا تدُلُّ على صحَّةِ ما يتعلَّقُ به المُشبِّهةُ في أنَّه تعالى كالواحِدِ منَّا... يجيءُ ويذهَبُ، ولو كان كذلك لكان مُحدَثًا...، والمُرادُ بالآيةِ: وجاء أمرُ ربِّك) 592 .
المُناقَشةُ:
إنَّ نَفيَ المُعتَزِلةِ المجيءَ وتأويلَهم للآيةِ الدَّالَّةِ على ذلك: باطِلٌ، ويدُلُّ على بُطلانِ هذا التَّأويلِ ما يلي:
1- أنَّ في سياقِ الآيةِ ما يُبطِلُه، وهو عَطفُ مجيءِ الملَكِ على مجيءِ الرَّبِّ تعالى، وهذا يدُلُّ على تغايُرِ المجيئَينِ، وأنَّ مجيئَه تعالى حقيقةٌ، كما أنَّ مجيءَ الملَكِ حقيقةٌ، بل إنَّ مجيئَه تعالى أَولى بأن يكونَ حقيقةً مِن مجيءِ الملَكِ.
2- اطِّرادُ نِسبةِ المجيءِ إليه تعالى دليلٌ على الحقيقةِ، وقد صرَّحْتُم بأنَّ مِن علاماتِ الحقيقةِ الاطِّرادَ، فكيف كان هذا المُطَّرِدُ مَجازًا؟!
3- أنَّ إضمارَ ما لا يدُلُّ اللَّفظُ عليه أو ادِّعاءَ حذفِ ما لا دليلَ عليه: يرفَعُ الوُثوقَ بالخِطابِ، ويفتَحُ البابَ لكُلِّ مُبطِلٍ في ادِّعاءِ إضمارِ ما يُصحِّحُ باطِلَه.
4- أنَّ صحَّةَ اللَّفظِ واستِقامةَ التَّركيبِ لا تتوقَّفُ على هذا المحذوفِ، بل الكلامُ مستقيمٌ بدونِه، فإضمارُه خِلافُ الأصلِ؛ فلا يجوزُ 593 .
3- الوَجهُ:
وردَت آياتٌ قرآنيَّةٌ تُشيرُ إلى أنَّ للهِ تعالى وَجهًا مِثلَ قولِه تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27]، وقولِه تعالى: ... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] .
وقد رفَض المُعتَزِلةُ أن يكونَ للهِ وَجهٌ هو جُزءٌ منه؛ لذا أوَّلوا الوَجهَ الوارِدَ في الآيتَينِ، فقالوا: إنَّ المُرادَ بالوَجهِ هو الذَّاتُ.
قال القاضي عبدُ الجبَّارِ: (المُرادُ بالوَجهِ في قولِه تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] أي: ذاتُه، والوَجهُ بمعنى الذَّاتِ مشهورٌ في اللَّغةِ، يُقالُ: وَجهُ هذا الثَّوبِ جيِّدٌ، أي: ذاتُه جيِّدةٌ) 594 .
وقال بعضُهم: إنَّ كَلِمةَ "الوَجهِ" في الآيةِ زائِدةٌ، والتَّقديرُ: ويبقى ربُّك 595 .
وذهَب البعضُ الآخَرُ منهم إلى أنَّ وَجهَ اللهِ تعالى هو قِبلتُه أو ثوابُه أو جزاؤُه 596 .
المُناقَشةُ:
1- يُقالُ لهم: إنَّ تأويلَكم الوَجهَ بهذه التَّأويلاتِ حَملٌ للحقيقةِ على المجازِ، والمجازُ لا يمتنِعُ نَفيُه؛ فعلى هذا لا يمتنِعُ أن يُقالَ: ليس للهِ وجهٌ، ولا حقيقةَ لوَجهِه، وهذا تكذيبٌ صريحٌ لِما أخبَر الله به عن نَفسِه، وأخبَر به رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يُؤدِّي إلى هذا فإنَّه لا شكَّ في بُطلانِه 597 .