بنى المُعتَزِلةُ مذهَبَهم في الصِّفاتِ على النَّفيِ، فكانوا ينفونَ الصِّفاتِ الإلهيَّةَ، وكان هذا في جملةِ ما أخَذوه مِن الجَهميَّةِ، على اختِلافٍ بَينَهم في طريقةِ نَفيِها 441 .
لقد وردَت في القرآنِ الكريمِ آياتٌ قرآنيَّةٌ تُثبِتُ صِفاتِ اللهِ تعالى؛ كصِفةِ القُدرةِ، والعِلمِ، والإرادةِ. وكُلُّ اسمٍ مِن أسمائِه تعالى يدُلُّ على صِفةٍ مِن صفاتِه. وقد كان الصَّحابةُ رضِي اللهُ عنهم ومَن أتى بعدَهم يعتقِدونَ هذه الصِّفاتِ مِن غَيرِ أن يسألوا عن كُنهِها أو كيفيَّتِها، ودليلُ ذلك: أنَّه لم يَرِدْ مِن طريقٍ صحيحٍ ولا سقيمٍ عن أحدٍ مِن الصَّحابةِ رضِي اللهُ عنهم -على اختِلافِ طَبَقاتِهم، وكثرةِ عددِهم- أنَّهم سألوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن معنى شيءٍ ممَّا وصَف الرَّبُّ به نَفسَه في كتابِه، أو على لِسانِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل كُلُّهم فهِموا معنى ذلك وسكَتوا 442 .
ثُمَّ جاء الجَعدُ بنُ دِرهَمٍ، فكان أوَّلَ مَن تكلَّم في الصِّفاتِ الإلهيَّةِ في الإسلامِ؛ فإنَّه قد نفاها وقال بخَلقِ القرآنِ 443 ، وعن الجَعدِ أخَذ الجَهمُ بنُ صَفوانَ هذه المقالةَ ونشَرها في خُراسانَ 444 .
وقد أنكَر المُسلِمونَ هذا القولَ، ونظَروا إليه بوَصفِه بِدعةً، فضلَّلوا الجَهميَّةَ، وحذَّروا النَّاسَ منهم، وذمُّوا مَن جالَسهم، وكتَبوا في الرَّدِّ عليهم 445 .
إنَّ الجَهميَّةَ هي أوَّلُ فِرقةٍ أحدثَت القولَ بنَفيِ الصِّفاتِ، ومِن جملةِ الأمورِ التي أخذَتها المُعتَزِلةُ عن الجَهميَّةِ نَفيُ الصِّفاتِ، والسَّلفُ كانوا يُطلِقونَ لقبَ "الجَهميَّةِ" على المُعتَزِلةِ، وكانوا يرُدُّونَ على أقوالِهم في كُتبِهم الموسومةِ بـ "الرَّدِّ على الجَهميَّةِ".
قال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ السَّلفَ يُسمُّونَ مَن قال بخَلقِه -أي: القرآنِ-، ونَفيِ الصِّفاتِ والرُّؤيةِ: جَهميًّا) 446 ، وهذه هي أسسُ مذهَبِ المُعتَزِلةِ في هذا البابِ.
وكانت بداياتُ الخوضِ في نَفيِ الصِّفاتِ عندَ المُعتَزِلةِ على يدِ رأسِهم الأوَّلِ واصِلِ بنِ عطاءٍ؛ فإنَّه كان يقولُ في إشاراتٍ منه إلى ذلك: (إنَّ مَن أثبَت للهِ معنًى وصفةً قديمةً فقد أثبَت إلهَينِ) 447 .
ويرى الشَّهْرَسْتانيُّ أنَّ القولَ بنَفيِ الصِّفاتِ الذي قال به واصِلُ بنُ عطاءٍ لم يبلُغْ مرحلةَ الاكتِمالِ بشُبهاتِه وحُججِه حتَّى يكونَ مقالةً مُختصَّةً بالمُعتَزِلةِ، وهو كما قال: (كان واصِلُ بنُ عطاءٍ يُشرِّعُ فيها على قولٍ ظاهِرٍ، وهو الاتِّفاقُ على استِحالةِ وُجودِ إلهَينِ قديمَينِ أزليَّينِ، قال: ومَن أثبَت معنى صفةٍ قديمةٍ فقد أثبَت إلهَينِ) 448 .
وليس ببعيدٍ أن يكونَ قولُه هذا هو النَّواةَ الأولى التي انطلَق منها تَبنِّي المُعتَزِلةِ لمذهَبِ الجَهميَّةِ في نَفيِ الصِّفاتِ، وتطويرُه على يدِ مَن جاء بَعدَ واصِلٍ مِن أئمَّتِهم الذين عاصَروا حركةَ التَّرجمةِ لكُتبِ الفلسفةِ القديمةِ، واختلاطَ المُسلِمينَ بالشُّعوبِ المُجاوِرةِ لهم بَعدَ توسُّعِ الفَتحِ الإسلاميِّ، الذين كان لهم اشتِغالٌ كبيرٌ بعُلومِ الأوائِلِ، وقد تأثَّر المُعتَزِلةُ بهؤلاء الفلاسِفةِ، واقتبَسوا عنهم مذهَبَهم في الصِّفاتِ 449 ، وكان الفلاسِفةُ يرَونَ أنَّ اللهَ تعالى واجِبُ الوُجودِ بذاتِه، وأنَّه واحِدٌ مِن كُلِّ وَجهٍ 450 ؛ فنَفَوا صفاتِ الباري تعالى زائِدةً على الذَّاتِ، وقالوا: إنَّه تعالى عالِمٌ بالذَّاتِ لا يعلَمُ زائِدًا على ذاتِه 451 .
فهذا أفْلُوطينُ الذي تأثَّر به المُسلِمونَ أكثَرَ مِن تأثُّرِهم بغَيرِه مِن فلاسِفةِ اليونانِ، يتحدَّثُ عن تعالِي اللهِ تعالى، ويمنَعُ أن نُطلِقَ عليه صفةً مِن الصِّفاتِ؛ لأنَّنا بذلك نُشبِّهُه تعالى بالأفرادِ، فلا نقولُ: إنَّ للهَ تعالى عِلمًا؛ لأنَّه هو العِلمُ، وليس يحتاجُ تعالى إلى بَصرٍ؛ لأنَّه ذاتُه النُّورُ الذي يُبصِرُ به النَّاسُ 452 .
ولذا، فإنَّ المُعتَزِلةَ الذين جاؤوا بَعدَ واصِلٍ أخَذوا بتأثيرِ الفلسفةِ يُفسِّرونَ قولَه، ويُضيفونَ إليه بعضَ التَّعديلاتِ التي لا تُؤثِّرُ على الجوهَرِ، ويُؤيِّدونَ ذلك بشُبُهاتٍ عقليَّةٍ، فقالوا: إنَّ اللهَ عالِمٌ بذاتِه، قادِرٌ بذاتِه.
وقد نقَل ابنُ المُرتضى المُعتَزِليُّ إجماعَ المُعتَزِلةِ على قولِهم في الصِّفاتِ، فقال: (أمَّا ما أجمعَت عليه المُعتَزِلةُ فقد أجمَعوا على أنَّ للعالَمِ مُحدِثًا، قديمًا، قادِرًا، عالِمًا، حيًّا، لا لِمعانٍ) 453 .
فالمُعتَزِلةُ تُجمِعُ على نَفيِ إثباتِ أن تكونَ الصِّفاتُ الإلهيَّةُ حقيقيَّةً في الذَّاتِ ومُتميِّزةً عنها؛ وذلك أنَّهم يجعلونَها عَينَ الذَّاتِ؛ فاللهُ عالِمٌ بذاتِه بدونِ عِلمٍ، أو عالِمٌ بعِلمٍ وعِلمُه ذاتُه، وهذا يعني أنَّهم سلَكوا طريقَينِ في موقِفِهم مِن الصِّفاتِ:
الطَّريقُ الأوَّلُ: الذي عليه أغلبيَّتُهم وهو نَفيُها صراحةً، فقالوا: إنَّ اللهَ عالِمٌ، قادِرٌ، حيٌّ بذاتِه، لا بعِلمٍ، ولا قُدرةٍ، ولا حياةٍ، وهكذا في باقي الصِّفاتِ 454 .
والطَّريقُ الثَّاني: وهو الذي عليه بعضُهم، وهو إثباتُها اسمًا ونَفيُها فِعلًا، فقالوا: إنَّ اللهَ عالِمٌ بعِلمٍ، وعِلمُه ذاتُه، وهكذا بقيَّةُ الصِّفاتِ، فكان مُجتمِعًا معَ الرَّأيِ الأوَّلِ في الغايةِ، وهي نَفيُ الصِّفاتِ حقيقةً 455 .
وهناك آراءٌ أخرى للمُعتَزِلةِ لكنَّها تجتمِعُ في الغايةِ معَ الرَّأيَينِ الأوَّلَينِ، وهو نَفيُ إثباتِ الصِّفاتِ حقيقةً في الذَّاتِ ومُتميِّزةً عنها.