يُعَدُّ الإجماعُ والقياسُ مِن المصادِرِ الأساسيَّةِ للتَّشريعِ الإسلاميِّ بَعدَ القرآنِ والسُّنةِ؛ ذلك أنَّ الشَّريعةَ إنَّما تَستمِدُّ شرعيَّتَها وأحكامَها مِن اللهِ تعالى؛ إمَّا بطريقٍ مُباشِرةٍ وهي القرآنُ، أو غَيرِ مُباشِرةٍ وهي سنَّةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المقبولةِ، صحيحةً وحَسنةً، ثُمَّ الإجماعُ والقِياسُ اللَّذانِ يستنِدانِ إلى القرآنِ والسُّنَّةِ.
وقد عرَّف العُلماءُ القِياسَ بأنَّه إلحاقُ أمرٍ غيرِ منصوصٍ على حُكمِه بأمرٍ آخَرَ منصوصٍ على حُكمِه؛ لاشتِراكِهما في علَّةِ الحُكمِ 1417 ، أو هو الحُكمُ للنَّظيرِ بحُكمِ نظيرِه إذا كان في معناه، والحُكمُ للفَرعِ بحُكمِ أصلِه إذا قامت فيه العلَّةُ التي مِن أجْلِها وقَع الحُكمُ 1418 .
والقياسُ مأخوذٌ مِن أكثَرَ مِن آيةٍ في القرآنِ الكريمِ، وقد قال اللهُ تعالى: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83] ، والاستِنباطُ هو الاستِخراجُ، وهو بالقياسِ؛ لأنَّ النَّصَّ ظاهِرٌ 1419 .
وكذلك مأخوذٌ مِن قياسِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أكثَرَ مِن حُكمٍ، وقد عقَد البُخاريُّ في جامِعِه الصَّحيحِ بابًا ترجَم له بقولِه: (بابُ مَن شبَّه أصلًا معلومًا بأصلٍ مُبهَمٍ)، أورَد فيه عددًا مِن الأحاديثِ التي تُثبِتُ قياسَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الصَّريحَ 1420 .
أمَّا الإجماعُ: فهو إجماعُ عُلماءِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ على أمرٍ فيُصبِحُ بذلك حُكمًا شرعيًّا، والإجماعُ مأخوذٌ مِن قولِ اللهِ تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: 115] ، وقولِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ لا يجمَعُ أمَّتي -أو قال: أمَّةَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- على ضلالةٍ، ويدُ اللهِ معَ الجماعةِ
1421 .
والعملُ بالقياسِ معلومٌ عندَ عُلماءِ الأمَّةِ، وقد ساروا عليه قديمًا وحديثًا؛ حتَّى حدَث أنَّ إبراهيمَ النَّظَّامَ وقومًا مِن المُعتَزِلةِ سلَكوا طريقَه: نَفَوا القياسَ 1422 ، وخالَفوا ما مضى عليه السَّلفُ، واتَّبَعهم مِن أهلِ السُّنَّةِ على نَفيِ القياسِ في الأحكامِ داودُ بنُ عليِّ بنِ خَلفٍ الأصبَهانيُّ الظَّاهِريُّ.
أمَّا النَّظَّامُ فقد ردَّ حُجِّيَّةَ الإجماعِ والقياسِ معًا؛ لأنَّ الحُجَّةَ عندَه تنحصِرُ في قولِ الإمامِ المعصومِ؛ تأسِّيًا بما يذهَبُ إليه بعضُ الشِّيعةِ الذين جعَلوا الدِّينَ طاعةَ رجُلٍ واحدٍ، وهو إمامُهم 1423 .
وقد تصدَّى جمعٌ مِن المُعتَزِلةِ أنفُسِهم للرَّدِّ على النَّظَّامِ؛ مِن أمثالِ بِشرِ بنِ المُعتمِرِ شيخِ البغداديِّينَ ورئيسِهم، وأبي الهُذَيلِ العلَّافِ، وهُما مِن رُؤَساءِ المُعتَزِلةِ وأهلِ الكلامِ، وكانا أشَدَّ النَّاسِ نُصرةً للقِياسِ واجتِهادِ الرَّأيِ في الأحكامِ، وقد قمَعا أبا الهُذَيلِ وأصحابَه 1424 .
كما خلَفه بِشرُ بنُ غِياثٍ المِرِّيسيُّ، وهو فقيهٌ مُعتَزِليٌّ عارِفٌ بالفلسفةِ يُرمى بالزَّندَقةِ 1425 ، والقولِ بخَلقِ القرآنِ، أخَذ الفِقهَ عن القاضي أبي يوسُفَ، وكان مِن المُغرِقينَ في القياسِ النَّاصِرينَ له الدَّائِنينَ به 1426 ، وإن كان لا يرى الإجماعَ.
أمَّا موقِفُهم مِن الإجماعِ فيكادُ يكونُ مُتَّحِدًا حولَ ردِّه، وعندَهم الإجماعُ غَيرُ مُرتَبطٍ بالعدَدِ؛ فهو عندَ عبدِ الجبَّارِ ينطبِقُ حتَّى على الفردِ الواحِدِ 1427 ، مُستشهِدًا على رأيِه هذا بما ينسُبُه لابنِ مسعودٍ رضِي اللهُ عنه: (الجماعةُ ما وافَق طاعةَ اللهِ وإن كان رجُلًا واحِدًا) 1428 .
وعلى هذا الأساسِ يصِفُ مَن يُخالِفُ المُعتَزِلةَ مِن المُشنِّعينَ عليهم بأنَّهم (عندَ التَّحقيقِ لا يُميِّزونَ ما يقولونَ) 1429 ، ويصِفُ أصحابَه بأنَّهم هم المُتمسِّكونَ بالسُّنَّةِ والجماعةِ دونَ هؤلاء المُشنِّعينَ عليهم 1430 .
وفي الحقيقةِ فإنَّ الواحِدَ لا يُمكِنُ أن يكونَ إجماعًا، وإلَّا فإنَّ المفاهيمَ تُصبِحُ مقلوبةً منكوسةً، ولعلَّ في اعتِرافِ القاضي عبدِ الجبَّارِ بالإجماعِ -وهو مِن رجالِ القَرنِ الرَّابعِ وأوائِلِ الخامسِ، وقد شهِد ما لحِق المُعتَزِلةَ مِن النَّكَباتِ نتيجةَ غُلُوِّهم ومُخالفتِهم الصَّريحةِ للكثيرِ ممَّا يَدينُ به المُسلِمونَ، وممَّا هو وارِدٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ- لعلَّ في اعترافِه بحُجِّيَّةِ الإجماعِ تخفيفًا عن المُعتَزِلةِ بعضَ أوزارِهم، إلَّا أنَّ التَّوفيقَ جانَبه لمَّا عرَّف ذلك التَّعريفَ المُتجافيَ حتَّى معَ المعنى اللُّغويِّ للإجماعِ فضلًا عن معناه الاصطِلاحيِّ.
أمَّا النَّظَّامُ فإنَّه أبطَل صراحةً حُجِّيَّةَ الإجماعِ، وذهَب إلى تجويزِ إجماعِ الأمَّةِ في جميعِ الأعصارِ على الخطأِ مِن جهةِ الرَّأيِ والاستِدلالِ 1431 .
ويستدِلُّ على رأيِه هذا فيقولُ: (ومِن ذلك إجماعُهم على أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بُعِث إلى النَّاسِ كافَّةً دونَ جميعِ الأنبِياءِ، وليس كذلك. وكُلُّ نبيٍّ في الأرضِ بعَثه اللهُ تعالى فإلى جميعِ الخَلقِ بعَثَه؛ لأنَّ آياتِ الأنبِياءِ لشُهرتِها تبلُغُ آفاقَ الأرضِ، وعلى كُلِّ مَن بلَغه ذلك أن يُصدِّقَه ويتَّبِعهـ) 1432 .
وهذه الحُجَّةُ تتنافى معَ قولِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وكان النَّبيُّ يُبعَثُ إلى قومِه خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ كافَّةً
1433 .
وقد خالَف النَّظَّامُ إجماعَ الأمَّةِ على وُجوبِ الوُضوءِ مِن النَّومِ، وابتدَع القولَ بأنَّ النَّومَ لا ينقُضُ الوُضوءَ، وعلَّل مُخالَفتَه هذه بقولِه: (إنَّما أجمَع النَّاسُ على الوُضوءِ مِن نومِ الضِّجعةِ؛ لأنَّهم كانوا يرَونَ أوائِلَهم إذا قاموا بالغَداةِ مِن نومِ اللَّيلِ تطهَّروا؛ لأنَّ عاداتِ النَّاسِ الغائِطُ والبولُ مِن الصُّبحِ، ولأنَّ الرَّجلَ يستيقظُ وبعَينِه رَمَصٌ وبِفِيه خُلوفٌ، وهو مُتهيِّجُ الوَجهِ، فيتطهَّرُ للحَدَثِ والنَّشرةِ لا للنَّومِ) 1434 .
والنَّومُ خِلافًا لِما يذهَبُ إليه النَّظَّامُ ينقُضُ الوُضوءَ، لا سيَّما إذا لم يكنْ نَعسةً أو خَفقةً خفيفةً، وقد عقَد البُخاريُّ في جامِعِه بابًا ترجَم له بقولِه: بابُ الوُضوءِ مِن النَّومِ 1435 ، أورَد فيه أحاديثَ كثيرةً تُثبِتُ تلك التَّرجمةَ.
وخالَف النَّظَّامُ إجماعَ الأمَّةِ أيضًا بقولِه: (إنَّ الطَّلاقَ لا يقعُ بشيءٍ مِن الكِناياتِ، كقولِ الرَّجلِ لامرأتِه: أنتِ خَليَّةٌ أو بَريَّةٌ، أو حَبلُكِ على غارِبِك، أو البتَّةَ، أو الحَقي بأهلِك، أو اعتَدِّي، أو نَحوِها مِن كِناياتِ الطَّلاقِ عندَ الفُقهاءِ، سواءٌ نوى بها الطَّلاقَ أو لم ينوِهـ) 1436 .
ذلك أنَّ ما ذهَب إليه المُسلِمونَ اعتِبارَ النِّيَّةِ، وقد عقَد البُخاريُّ لهذا المعنى بابًا ترجَم له بقولِه: (بابُ إذا قال: فارَقْتُك، أو سرَّحْتُك، أو الخَلِيَّةُ، أو البَريَّةُ، أو ما عُنِي به الطَّلاقُ؛ فهو على نيَّتِهـ) 1437 .
ومِن لطيفِ ما يُروى عن بِشرِ بنِ غِياثٍ المِرِّيسيِّ المُعتَزِليِّ في ردِّ الإجماعِ أنَّه سأل الإمامَ الشَّافِعيَّ في حَضرةِ هارونَ الرَّشيدِ: (ادَّعَيتَ الإجماعَ، فهل تعرِفُ شيئًا أجمَع النَّاسُ عليه؟) قال الشَّافِعيُّ: (نعَم، أجمَعوا على أنَّ هذا الحاضِرَ أميرُ المُؤمِنينَ، فمَن خالَفه قُتِلَ!) 1438 .
فالإجماعُ حقيقةٌ تستنِدُ إلى الكتابِ والسُّنَّةِ، لا يُمكِنُ إنكارُها، ولا يُمكِنُ فَهمُه إلَّا بالشَّكلِ السَّوِيِّ الذي فهِمه به السَّلفُ الصَّالِحُ.