إنَّ عَقيدةَ خَتمِ الوِلايةِ فِكرةٌ صوفيَّةٌ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بها الحَكيمُ التِّرمِذيُّ، وابنُ عَرَبيٍّ وغَيرُهما، فأخَذَها المُتَصَوِّفةُ عنهم ونَسَبَها كُلٌّ منهم لشَيخِه، فنُسِبَت بَعدَ ذلك لعَبدِ القادِرِ الجيلانيِّ والتِّيجانيِّ وغَيرِهما.

وقد ذَكَرَ أبو الهدى الصَّيَّاديُّ في عَدَدٍ من كُتُبِه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ظَهَرَ على مَنصورٍ البطائحيِّ -خالِ الرِّفاعيِّ- وبَشَّرَه أنَّ اللهَ سيَرزُقُ أختَه بولدٍ يَأتي من بَعدِه اسمُه أحمَدُ الرِّفاعيُّ، يَكونُ رَأسًا في الأولياءِ، كما أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَأسٌ في الأنبياءِ 626 .

وقالوا: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَرَ عَليًّا الواسِطيَّ أن يَعتَنيَ بالرِّفاعيِّ، وأكَّدَ له بأنَّه كما هو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَأسٌ في الأنبياءِ فكذلك يَكونُ الرِّفاعيُّ رَأسًا في الأولياءِ، وحَذَّرَه من مَغَبَّةِ إهمالِ وصيَّتِه في الرِّفاعيِّ؛ لأنَّ شَأنَه عِندَ اللهِ عَزيزٌ 627 .

وقد ضرَبَ الصَّيَّاديُّ مَثَلًا لتَفضيلِ الرِّفاعيِّ على الأولياءِ، فقال: إذا ذُكِرَ الأنبياءُ فحَدِّثوا عنهم، وإذا ذُكِرَ مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاسكُتوا، وإذا ذُكِرَ الأولياءُ فحَدِّثوا عنهم، وإذا ذُكِرَ السَّيِّدُ أحمَدُ الرِّفاعيُّ فاسكُتوا 628 .

ثمَّ بلغَ بهمُ الغُلوُّ في إطراءِ الرِّفاعيِّ أن جَعَلوه خاتَمَ الأولياءِ كما أنَّ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خاتَمٌ في الأنبياءِ، وذلك جريًا على المُشابَهةِ التي جَعَلوها بَينَهما، فذَكَرَ القُرَشيُّ أنَّ اللهَ قد خَتَمَ بالرِّفاعيِّ الوِلايةَ كما خَتَمَ بمُحَمَّدٍ النُّبوَّةَ 629 .

ومن خِلالِ استِعراضِ سيرةِ الرِّفاعيِّ يَتَبَدَّى للنَّاظِرِ من خِلالِ ما كَتَبَه عنه الرِّفاعيُّونَ أنَّهم يُحاكونَه بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وببَعضِ ما جَرى له، مِثلُ حادِثةِ شَقِّ المَلائِكةِ لصَدرِ الرِّفاعيِّ، ومِثلُ التَّلميحِ من وقتٍ لآخَرَ بعِصمَتِه، بل إنَّهم يَدفعونَ أولياءَهم دَفعًا إلى مَرتَبةِ النُّبوَّةِ، حتَّى إنَّهم ليَعتَقِدونَ فيهم أنَّهمُ الأولياءُ الكُمَّلُ الذين هم في غالِبِ أمورِهم لا يَعمَلونَ عَمَلًا إلَّا عن إذنٍ سَماويٍّ 630 . ولا يَختَلفُ الإذنُ السَّماويُّ عنِ الوحيِ السَّماويِّ إلَّا في العِبارةِ.

ذَكَر الرِّفاعيُّونَ عنِ الرِّفاعيِّ أنَّه قال لإبراهيمَ الأعزَبِ: (اعلَمْ أنِّي لمَّا دُعيتُ إلى هذا الأمرِ حُمِلتُ إلى قِبلةِ هذا البَلدِ، وشَقَّ صَدري مَلَكٌ منَ المَلائِكةِ المُقَرَّبينَ، فأخرَجَ منه شيئًا مُظلِمًا وغَسَله بماءِ الحَيَوانِ منَ الرِّياءِ وسوءِ الخُلُقِ وكُلِّ ما للشَّيطانِ فيه نصيبٌ، كُلُّ ذلك وأنا أنظُرُ بعَيني كما فُعِل برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) 631 .

وثَمَّةَ عِبارةٌ أخرى بَينَ كُتُبِ الرِّفاعيَّةِ قد تُحَدِّدُ ما هو هذا الأمرُ الذي دُعيَ إليه الرِّفاعيُّ؛ فقد جاءَ في كِتابِ (سَوادُ العَينَينِ) أنَّ اللهَ قد رَفعَ الرِّفاعيَّ إلى مَقامِ القُطبيَّةِ والغَوثيَّةِ، وإنَّه من أجلِ ذلك ذَهَبَ إلى قَبرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتَمَلمَلَ على عَتَبَتِه وصارَ يَقولُ: (العَفوَ العَفوَ) إلى أن أحاطَ به النِّداءُ من كُلِّ جانِبٍ (فاستَقِمْ كما أُمِرتَ) 632 .

ولقد أثنى الصَّيَّاديُّ على الشَّيخِ الرِّفاعيِّ بأبياتٍ قال فيها:

برْقَعَتْك العِنايةُ الإلهيَّة

يا رِفاعيُّ بالبُرودِ السَّنيَّة

لم نَقُلْ أنتَ في مَقامِك مَعصو

مٌ ولكِنْ حِفظًا هَجَرتَ الخَطيَّة 633

أنتَ زيتـونةٌ كَريمةُ أصلٍ

لا شَرقيَّةٌ ولا غَربيَّة

أنتَ فردُ الأغواثِ يا نَبَويَّ الـ

خَلْقِ والخَلْقُ يُثبتُ الفَرديَّة 634 .

ثمَّ زَعَمَ أنَّ الرِّفاعيَّ مُنَزَّهٌ عن مَرتَبةِالغَوثيَّةِ؛ لأنَّه نال ما هو أعلى وأجَلُّ منها، وهي رُتبةُ النِّيابةِ عنِ النُّبوَّةِ 635 !