من أبرَزِ مُعتَقَداتِ البَريلَويَّةِ اعتِقادُهم أنَّ الأنبياءَ عليهمُ السَّلامُ والصَّالحينَ من عِبادِه والأولياءَ يَعلمونَ الغَيبَ، مُخالفينَ النُّصوصَ الصَّريحةَ منَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وحتَّى الفِقهِ الحَنَفيِّ أيضًا مَعَ انتِسابهم إلى الحَنَفيَّةِ؛ فاللهُ تَبارَكَ وتعالى يَقولُ في مُحكَمِ كِتابِه: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: 65] ، وقال اللهُ سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [فاطر: 38] ، وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحجرات: 18] ، وقال اللهُ تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: 123] .

وأمر اللهُ عَزَّ وجَلَّ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَقولَ: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ [يونس: 20] .

وقال اللهُ سُبحانَه: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام: 59] .

وقال وهو أصدقُ القائلينَ: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: 34] .

وبمِثل هذا ورَدت الأحاديثُ النَّبَويَّةُ؛ فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد نَفى عِلمَ الغَيبِ عنه وعن غَيرِه، وبَيَّن أنَّه مُختَصٌّ بالرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ وحدَه، فلا يُشارِكُه أحَدٌ في العِلمِ به، كما ورَدَ في حَديثِ جِبريلَ المَشهورِ: قال: مَتى السَّاعةُ؟ قال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ منَ السَّائِلِ، وسَأخبرُك عن أشراطِها: إذا ولدَتِ الأَمَةُ رَبَّها، وإذا تَطاول رُعاةُ الإبِلِ البُهمُ في البُنيانِ، في خَمسٍ لا يَعلمُهنَّ إلَّا اللهُ. ثمَّ تَلا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ... الآية [لقمان: 34] 1533 .

وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَفاتيحُ الغَيبِ خَمسٌ لا يَعلمُهنَّ إلَّا اللهُ: لا يَعلمُ ما تَغيضُ الأرحامُ إلَّا اللهُ، ولا يَعلمُ ما في غَدٍ إلَّا اللهُ، ولا يَعلمُ مَتى يَأتي المَطَرُ إلَّا اللهُ، ولا تَدري نَفسٌ بأيِّ أرضٍ تَموتُ إلَّا اللهُ، ولا يَعلمُ مَتى تَقومُ السَّاعةُ إلَّا اللهُ 1534 .

وقال جابرٌ رَضِيَ اللهُ عنه: سَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ قَبلَ أن يَموتَ بشَهرٍ: تَسألوني عنِ السَّاعةِ؟ وإنَّما عِلمُها عِندَ اللهِ 1535 .

ولكِنَّ البَريلَويَّ يَعتَقِدُ عَكسَ ذلك فقال: (لم يَخرُجْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا بَعدَ أن أعلمَه اللهُ تعالى بهذه الغُيوبِ الخَمسِ) 1536 .

وقال أيضًا: (إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوتيَ عِلمَ الخَمسِ في آخِرِ الأمرِ، لكِنَّه أُمِرَ فيها بالكِتمانِ) 1537 .

وقال أيضًا: (إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَكُنْ يَعلمُ هذه الغُيوبَ الخَمسةَ فحَسبُ، بل كان يُعطي هذه العُلومَ مَن شاءَ مِن خَدَمِهـ) 1538 .

ثمَّ هذه الغُيوبُ الخَمسةُ لم يَعلمْها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحدَه، بل يَعلمُها كَثيرٌ منَ النَّاسِ، كما صَرَّحَ بذلك البَريلَويُّ؛ حَيثُ قال ناقِلًا عن أمثالِه: (إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَخفى عليه شَيءٌ منَ الخَمسِ المَذكورةِ في الآيةِ الشَّريفةِ، وكَيف يَخفى عليه ذلك والأقطابُ السَّبعةُ من أمَّتِه الشَّريفةِ يَعلمونَها وهم دونَ الغَوثِ؟! فكَيف بسَيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، الذي هو سَبَبُ كُلِّ شَيءٍ ومنه كُلُّ شَيءٍ؟) 1539 .

وممَّا قاله البَريلَويَّةُ: (إنَّ الأنبياءَ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعلمونَ بل يَرَونَ ويُشاهدونَ جَميعَ ما كان وما يَكونُ من أوَّلِ يَومٍ إلى آخِرِهـ) 1540 . و(إنَّ الأنبياءَ يَعلمونَ الغَيبَ مُنذُ وِلادَتِهم) 1541 . وأمَّا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقد حَصَّل بزَعمِهم جَميعَ العُلومِ الجُزئيَّةِ والكُلِّيَّةِ وأحاطَ بها 1542 .

و(إنَّ عِلمَ اللَّوحِ وعِلمَ القَلَمِ وعِلمَ ما كان وما يَكونُ جُزءٌ واحِدٌ من عُلومِ النَّبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) 1543 .

و(إنَّ عُلومَه -أي النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- تَتَنَوَّعُ إلى الجُزئيَّاتِ والكُلِّيَّاتِ، وحَقائِقَ ودَقائِقَ وعَوارِضَ ومَعارِفَ تَتَعَلَّقُ بالذَّاتِ والصِّفاتِ، وعِلمُ اللَّوحِ والقَلَمِ إنَّما يَكونُ سطرًا من سُطورِ عِلمِه ونَهرًا من بُحورِ حِلمِه، ثمَّ مَعَ هذا ببَرَكةِ وجودِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو وسِعَ العالَمينِ عِلمًا وحِلمًا) 1544 .

و(إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليمٌ بجَميعِ الأشياءِ من شُؤوناتِ الإلهيَّةِ وأحكامِ صِفاتِ الحَقِّ والأسماءِ والأفعالِ والآثارِ، وأحاطَ بجَميعِ العُلومِ الظَّاهرةِ والباطِنةِ والأولى والآخِرةِ) 1545 .

(ولم يُحجَبْ عن روحِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيءٌ منَ العالمِ، فهو مُطَّلعٌ على عَرشِه وعُلوِّه وسُفلِه ودُنياه وآخِرَتِه ونارِه وجَنَّتِه؛ لأنَّ جَميعَ ذلك خُلِقَ لأجلِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) 1546 .

و(إنَّ عِلمَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحيطٌ بجَميعِ المَعلوماتِ الغَيبيَّةِ الملكوتيَّةِ) 1547 .

و(إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعلمُ جَميعَ المَخلوقاتِ والمَوجوداتِ وجَميعَ أحوالِهم تَمامًا وكمالًا من ماضيهم وحالِهم ومُستَقبَلِهم، ولا يَخفى عليه خافيةٌ، كما أنَّه يَعلمُ خالِقَهم وبارِئَهم) 1548 .

و(إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لو وضَعَ قدَمَه على حَيَوانٍ لعَلِمَ الحاضِرَ والغائِبَ، فالوليُّ الذي يَضَعُ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه كَيف لا يَصيرُ عالِمًا للشَّاهدِ والغائِبِ؟) 1549 .

و(إنَّ أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جازِمونَ باطِّلاعِه على الغَيبِ) 1550 .

فهذه هي عقيدةُ القومِ في عِلمِ الغَيبِ الذي يُثبِتونه لغيرِ اللهِ تعالى، وقد قال اللهُ عزَّ وجَلَّ آمِرًا نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقولَ: قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 188] وقُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام: 50]

ونفى عنه الغيبَ في قَولِه: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة: 101] ، وقال جَلَّ وعلا: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة: 43] .

كما نَفى الغَيبَ عنِ الرُّسُلِ قاطِبةً؛ حَيثُ قال: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة: 109] .

كما نَفى الغَيبَ عن مَلائِكَتِه بقَولِه: قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: 32] .

والوقائِعُ والشَّواهدُ في هذا كَثيرةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، والسِّيرةُ النَّبَويَّةُ وأحوالُها مَليئةٌ بالأمورِ التي تَقطَعُ جَزمًا بأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَكُنْ يَعلمُ الغَيبَ وإلَّا لم تَحدُثْ تلك الحَوادِثُ التي وقَعَت، كقَتلِ القُرَّاءِ في بئرِ مَعونةَ 1551 ، وبيعةِ الرِّضوانِ 1552 ، ووَقعةِ الإفكِ 1553 ، وتأبيرِ النَّخلِ 1554 ، وحادثةِ العُرَنيِّينَ 1555 ، وغَيرِها منَ الوقائِعِ والحَوادِثِ الكَثيرةِ، ولكِنَّ القَومَ يُصِرُّونَ على أنَّ الأنبياءَ والأولياءَ يَعلمونَ الغَيب، وحتَّى البَريلَويُّ كَذلك يُعلمُه بزَعمِهم؛ حَيثُ قالوا: (إنَّ أحمَد رِضا البَريلَويَّ كان يَعرِفُ يَومَ مَوتِه ووقتَ مَوتِه بالتَّحديدِ) 1556 .

وهم بهذا يُؤَلِّهونَ البَشَرَ ويَرفعونَهم إلى حَدٍّ ليس لهم أن يَرفعوهم إليه؛ لأجلِ ذلك قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: ما أحِبُّ أن تَرفعوني فوقَ مَنزِلتي التي أنزَلني اللهُ 1557 .

وقال: لا تُطْروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ 1558 . ولمَّا قالت جاريةٌ: وفينا نَبيٌّ يَعلمُ ما في غَدٍ، أنكَرَ عليها وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: دَعي هذه، وقولي ما كُنتِ تَقولينَ 1559 .

صَدَقَ اللهُ جَلَّ وعَلا وصَدَقَ رَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكَذَبَ مَن قال خِلافَ ذلك، كما قالتِ الصِّدِّيقةُ بنتُ الصِّدِّيقِ زَوجةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأمُّ المُؤمنينَ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها: (مَن حَدَّثَك أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعلمُ الغَيبَ فقد كَذَبَ، وهو يَقولُ: لا يَعلمُ الغَيبَ إلَّا اللهُ ) 1560 .