الإسلامُ لَم يَأتِ بتَقديسِ القُبورِ والأضرِحةِ.

والمُتَأمِّلُ في نُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ونُصوصِ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم وتابعيهم بإحسانٍ يَجِدُ أنَّ تَقديسَ القُبورِ والغُلُوَّ فيها دَخيلٌ على الإسلامِ؛ فأحاديثُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الثَّابتةُ جاءت بالنَّهيِ الصَّريحِ عَن كُلِّ ذَريعةٍ تُفضي إلى ذلك المَفهومِ، ومِن ذلك:

قَولُه: لا تَجعَلوا بُيوتَكُم قُبورًا، ولا تَجعَلوا قَبري عيدًا، وصَلُّوا علَيَّ؛ فإنَّ صَلاتَكُم تَبلُغُني حَيثُ كُنتُم 320 .

وقَولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: اللَّهمَّ لا تَجعَلْ قَبري وثَنًا يُعبَدُ، لَعَنَ اللهُ قَومًا اتَّخَذوا قُبورَ أنبيائِهم مَساجِدَ 321 .

وعَن عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه قال لأبي الهيَّاجِ: ألَّا أبعَثُك على ما بَعَثَني عليه رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؟ أن لا تَدَعَ تِمثالًا إلَّا طَمَستَه، ولا قَبرًا مُشرِفًا إلَّا سَوَّيتَهـ 322 .

ونَهى رَسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُجَصَّصَ القَبرُ، وأن يُقعَدَ عليه، وأن يُبنى عليهـ 323 .

وفي رِوايةٍ زيادةُ: أو أن يُكتَبَ عليهـ 324 .

وعلى ذلك سارَ السَّلَفُ الصَّالحُ مِن صَحابةِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ومَن تَبعَهم بإحسانٍ.

قال ابنُ تيميَّةَ: (لَم يَكُنْ على عَهدِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وتابعيهم مِن ذلك شَيءٌ في بلادِ الإسلامِ؛ لا في الحِجازِ ولا اليَمَنِ، ولا الشَّامِ ولا العِراقِ، ولا مِصرَ، ولا خُراسانَ ولا المَغرِبِ، ولَم يَكُنْ قد أُحدِث مَشهدٌ، لا على قَبرِ نَبيٍّ، ولا صاحِبٍ، ولا أحَدٍ مِن أهلِ البَيتِ، ولا صالحٍ أصلًا، بَل عامَّةُ هذه المَشاهدِ مُحدَثةٌ بَعدَ ذلك، وكان ظُهورُها وانتِشارُها حينَ ضَعُفت خِلافةُ بَني العَبَّاسِ، وتَفرَّقَتِ الأُمَّةُ، وكَثُرَ فيهمُ الزَّنادِقةُ المُلَبِّسونَ على المُسلمينَ، وفشَت فيهم كَلِمةُ أهلِ البدَعِ، وذلك مِن دَولةِ المُقتَدِرِ في أواخِرِ المِائةِ الثَّالثةِ؛ فإنَّه إذ ذاكَ ظَهَرَتِ القَرامِطةُ العُبَيديَّةُ القدَّاحيَّةُ في أرضِ المَغرِبِ، ثُمَّ جاؤوا بَعدَ ذلك إلى أرضِ مِصرَ) 325 .