استَعمَل الصُّوفيَّةُ العَديدَ منَ المُصطَلحاتِ ليُعَبِّروا بها عنِ المَعاني والأفكارِ الصُّوفيَّةِ، فكانت لها مَعانيها الخاصَّةُ، ومن ذلك: مُصطَلَحُ الغَيبةِ، والسُّكْرِ، والمَحْوِ، والحُضورِ، والصَّحْوِ، والجَمعِ، والفَناءِ 70 .

أوَّلًا: مُصطلَحُ الغَيبةِ

وهي عِندَهم: (أن يَغيبَ عن حُظوظِ نَفسِه فلا يَراها) 71 .

قال القُشَيريُّ والكُمُشْخانَويُّ: (هي غَيبةُ القَلبِ عن عِلمِ ما يَجري من أحوالِ الخَلقِ بما يَرِدُ عليه، ثمَّ قد يَغيبُ عن غَيرِه فقط، وقد يَغيبُ عن غَيرِه وعن نَفسِه أيضًا إذا عَظُمَ الوارِدُ) 72 .

وقال الهُجْويريُّ: (المُرادُ منَ الغَيبةِ غَيبةُ القَلبِ عَمَّا دُونَ الحَقِّ إلى حَدِّ أن يَغيبَ عن نَفسِه، حتَّى أنَّه بغَيبَتِه عن نَفسِه لا يَرى نَفسَهـ) 73 . وبمِثلِ ذلك قال الطُّوسيُّ 74 .

ونَقَل عَبدُ الحَليم مَحمود عن أحمَدَ الدَّرديرِ أنَّه قال مُبَيِّنًا حالةَ غَيبَتِه عن نَفسِه: (حتَّى لو تَكَلَّمَ النَّاسُ وأنا مَعَهم بكَلامٍ وخاطَبوني به، لا أدري ما قالوا، وهم لا يَعلمونَ منِّي هذا الحالَ؛ لأنَّ صورَتي الظَّاهريَّةَ صورةُ العاقِلِ الصَّاحي، وهذا أمرٌ عَجيبٌ لا يَعرِفُه إلَّا مَن ذاقَهـ) 75 .

وهذا مَقامٌ عالٍ عِندَهم يَحوزُه كِبارُ أوليائِهم ومَشايِخهم، فيَحكونَ عن ذي النُّونِ المِصريِّ أنَّه: (بَعَثَ إنسانًا من أصحابِه إلى أبي يَزيدَ ليَنقُلَ إليه صِفةَ أبي يَزيدَ، فلمَّا جاءَ الرَّجُلُ إلى بسِطامٍ سَأل عن دارِ أبي يَزيدَ، فقال له أبو يَزيدَ: ماذا تُريدُ؟ فقال: أريدُ أبا يَزيدَ. فقال: مَن أبو يَزيدَ؟ وأينَ أبو يَزيدَ؟ أنا في طَلَبِ أبي يَزيدَ! فخَرَجَ الرَّجُلُ وقال: هذا مَجنونٌ. ورَجَعَ الرَّجُلُ إلى ذي النُّونِ فأخبَرَه بما شاهَدَ، فبَكى ذو النُّونِ وقال: أخي أبو يَزيدَ ذَهَبَ في الذَّاهبينَ إلى اللهِ) 76 .

ثانيًا: مُصطَلَحُ السُّكْرِ

قالوا: (السُّكْرُ هو أن يَغيبَ الإنسانُ عن تَمييزِ الأشياءِ) 77 .

وقال شِهابُ الدِّينِ السُّهرَوَرديُّ: (السُّكْرُ سانِحٌ قُدسيٌّ للنَّفسِ يُؤَدِّي إلى إبطالِ النِّظامِ عنِ الحَرَكاتِ) 78 .

وذَكَره المُنوفيُّ الحُسَينيُّ بقَولِه: (السُّكْرُ غَيبةٌ بوارِدِ شُهودِ الخَلقِ) 79 .

وقال الطُّوسيُّ: (السُّكْرُ مَعناه قَريبٌ من مَعنى الغَيبةِ، غَيرَ أنَّ السُّكْرَ أقوى منَ الغَيبةِ) 80 .

ثالثًا: مُصطَلَحُ المحْوِ

قال الكُمُشْخانويُّ: (إذا غَلبَ عليه أي الصُّوفيِّ المَحْوُ، فلا عِلمَ ولا عَقلَ ولا فَهمَ ولا حِسَّ) 81 .

وقد ذَكَروا عن أبي عَبدِ اللَّهِ التُّروغنديُّ أنَّه (ما كان يُفيقُ إلَّا في أوقاتِ الصَّلاةِ، يُصَلِّي الفريضةَ ثمَّ يَعودُ إلى حالتِه، فلم يَزَلْ كَذلك إلى أن ماتَ) 82 .

رابعًا: مُصطَلَحُ الحُضورِ والصَّحْوِ

الحُضورُ والصَّحوُ هما: (رُجوعُ الصُّوفيِّ إلى الإحساسِ بَعدَ غَيبةِ عَقلِه وإحساسِهـ) 83 .

وذَكَرَ الهُجْويريُّ أنَّ داوُدَ عليه السَّلامُ رَأى امرَأةَ أوريا في حالةِ السُّكْرِ، فقال: (وقَعَ نَظَرُ داوُدَ عليه السَّلامُ على ما لم يَكُنْ يَنبَغي له أن يَنظُرَ إليه -أي على امرَأةِ أوريا- وكان ذلك في حالةِ السُّكْرِ، أمَّا نَظَرُ المُصطَفى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى امرَأةِ زَيدٍ فكانت تلك النَّظرةُ في مَحَلِّ الصَّحوةِ) 84 .

خامِسًا: مُصطَلَحُ الجَمعِ

قيل هو: (شُهودُ الحَقِّ بلا خَلقٍ، وجَمعُ الجَمعِ شُهودُ الخَلقِ قائِمًا بالحَقِّ، ويُسَمَّى الفرقَ بَعدَ الجَمعِ) 85 .

وذَكَر القُشَيريُّ أنَّ (جَمعَ الجَمعِ: الاستِهلاكُ بالكُلِّيَّةِ، وفناءُ الإحساسِ بما سِوى اللهِ عَزَّ وجَلَّ عِندَ غَلَباتِ الحَقيقةِ... فالعَبدُ يُطالِعُ نَفسَه في هذه الحالةِ في تَصريفِ الحَقِّ سُبحانَه، يَشهَدُ مَبدَأَ ذاتِه وعَينَه بقُدرَتِه، ومجرى أفعالِه وأحوالِه عليه بعِلمِه ومَشيئَتِهـ) 86 .

وقد جَمَعَ هذه المُصطَلَحاتِ ابنُ عَطاءِ اللهِ السَّكَندَريُّ، فقال: (وصاحِبُ حَقيقةٍ غابَ عنِ الخَلقِ بشُهودِ المَلكِ الحَقِّ، وفَنِيَ عنِ الأسبابِ بشُهودِ مُسَبِّبِ الأسبابِ، فهو عَبدٌ مواجَهٌ بالحَقيقةِ، ظاهِرٌ عليه سَناها، سالِكٌ للطَّريقةِ، قدِ استَولى على مَداها، غَيرَ أنَّه غَريقُ الأنوارِ، مَطموسُ الآثارِ، قد غابَ سُكرُه على صَحوِه، وجَمعُه على فَرقِه، وفَناؤُه على بَقائِه، وغَيبَتُه على حُضورِهـ) 87 .

وشَرَحَ النَّفزيُّ الرَّنديُّ هذه العِبارةَ بقَولِه: (هذا هو حالُ الخاصَّةِ من أربابِ الحَقائِقِ، وهمُ الذينَ غابوا عن شُهودِ الخَلقِ بشُهودِ المَلِكِ الحَقِّ، فلم يَقَعْ لهم شُعورٌ بهم ولا التِفاتٌ إليهم، وفَنُوا عنِ الأسبابِ برُؤيةِ مُسَبِّبِ الأسبابِ، فلم يَرَوا لها فِعلًا ولا جَعلًا، فهم مواجَهونَ بحَقيقةِ الحَقِّ، ظاهِرٌ عليهم سَناها، أي: نورُها وضياؤُها، سالِكونَ طَريقةَ الحَقِّ، قدِ استَولَوا على مَداها، أي: وصَلوا إلى غايَتِها ومُنتَهاها، إلَّا أنَّهم غَرِقوا في بِحارِ أنوارِ التَّوحيدِ، مَطموسٌ عليهم آثارُ الوسايطِ والعَبيدِ، أي: مُغلَقٌ عليهم رُؤيةُ ذلك والشُّعورُ به، قد غَلبَ سُكرَهم، وهو: عَدَمُ إحساسِهم بالأغيارِ، على صَحْوِهم، وهو: وُجودُ إحساسِهم بها، وجَمعُهم، وهو ثُبوتُ وُجودِ الحَقِّ فردًا، على فَرقِهم، وهو ثُبوتُ وُجودِ الخَلقِ، وفَناؤهم، وهو: استِهلاكُهم في شُهودِ الحَقِّ على بَقائِهم، وهو شُعورُهم بالخَلقِ، وغَيبَتُهم وهو ذَهابُ أحوالِ الخَلقِ عن نَظَرِهم على حُضورِهم مَعَ الخَلقِ. ومَعاني هذه الألفاظِ -كما تراها- مُتَقارِبةٌ، وهي ألفاظٌ تَداوَلها الصُّوفيَّةُ المُحَقِّقونَ بَينَهم وعَبَّروها بها في كُتُبِهم، ووضَعوها على مَعانٍ اختَصُّوا بفهمِها؛ ليَتَعَرَّفَ بَعضُهم من بَعضِ ما يَتَخاطَبونَ به، ولهم ألفاظٌ كَثيرةٌ غَيرُها) 88 .

ولعَلَّ مَعنى اصطِلاحِ (الجَمعِ) يَتَّضِحُ أكثَرَ بنَصِّ الهُجْويريِّ؛ حَيثُ قال: (الجَمعُ هو أن يَصيرَ كُلُّ المُحِبِّ كُلَّ المَحبوبِ... وهو أن يَكونَ العَبدُ في الحُكمِ والِهًا ومَدهوشًا، ويَكونَ حُكمُه حُكمَ المَجانينِ... ويَقولُ واحِدٌ منَ المَشايِخِ: جاءَ دَرويشٌ إلى مَكَّةَ وأقامَ سَنةً في مُشاهَدةِ الكَعبةِ، فلم يَطعَمْ ولم يَشرَبْ ولم يَنَمْ ولم يَذهَبْ للطَّهارةِ؛ لاجتِماعِ همَّتِه برُؤيةِ البَيتِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد أضافه إلى نَفسِه فصارَ غِذاءَ جَسَدِه ومَشرَبَ رُوحِه... ومِثلُ جَمعِ همَّةِ المَجنونِ في ليلى؛ لأنَّه حينَما لم يَكُنْ يَراها كان كُلُّ العالمِ وكُلُّ المَوجوداتِ عِندَه صورةَ ليلى) 89 .

وكَثيرًا ما يَذكُرُ الصُّوفيَّةُ عِندَ بَيانِ مُصطَلحاتِهمُ العِشقَ الغَزَليَّ والحُبَّ الطَّبيعيَّ، ويُشَبِّهونَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ بمَعشوقٍ مَجازيٍّ، ويَحمِلونَ وصفَه سُبحانَه وتعالى على ليلى وغَيرِها، ثمَّ يُحاوِلونَ رَبطَ العَلاقةِ بَينَ الحُبَّينِ!

سادسًا: مُصطَلَحُ الفَناءِ

الفَناءُ عِندَ المُتَصَوِّفةِ: يَعني أن تَزولَ الصِّفاتُ البَشَريَّةُ في هذا المَقامِ، وتَبقى الصِّفاتُ الإلهيَّةُ، وتَفنى جِهةُ العَبدِ البَشَريَّةُ في الجِهةِ الرَّبَّانيَّةِ.

قال داوُدُ بنُ مَحمودٍ القَيصَريُّ: (المُرادُ منَ الفناءِ فناءُ جِهةِ العَبدِ البَشَريَّةِ في الجِهةِ الرَّبَّانيَّةِ؛ إذ لكُلِّ عَبدٍ جِهةٌ منَ الحَضرةِ الإلهيَّةِ... وهذا الفَناءُ موجِبٌ لأن يَتَعَيَّنَ العَبدُ بتعَيُّناتٍ حَقَّانيَّةٍ وصِفاتٍ رَبَّانيَّةٍ) 90 .

وقال النَّفزيُّ الرَّنديُّ: (فناءُ الذَّاتِ: أي: لا مَوجودَ على الإطلاقِ إلَّا اللَّهُ تعالى، وأنشَدوا في ذلك:

فيَفنى ثمَّ يَفنى ثمَّ يَفنى

فكان فَناؤُه عَينَ البَقاءِ) 91 .

واعتَبَرَ فريدُ الدِّينِ العَطَّارُ فَناءَ السَّالكِ في اللهِ كفَناءِ القَطرةِ في البَحرِ 92 .

وقال ابنُ الدَّبَّاغِ: (اعلَمْ أنَّ المُحِبَّ ما لم يَصِلْ إلى مَقامِ الاتِّحادِ لا تَنقَطِعُ الحُجُبُ التي بَينَه وبَينَ مَحبوبِه، فإنَّها كَثيرةٌ، لكِنَّ بَعضَها ألطَفُ وأشَدُّ نورانيَّةً من بَعضٍ، وكُلَّما كُشِف له منها حِجابٌ تاقَتِ النَّفسُ إلى كَشفِ ما بَعدَه حتَّى تَزولَ جَميعُها عِندَ الاتِّحادِ) 93 .

وقالوا: إنَّ اللهَ يَتَجَلَّى على العَبدِ في هذا المَقامِ، كما ذَكَرَ ذلك السُّهْرَوَرديُّ، فقال: (أمَّا الفَناءُ الباطِنُ فهو مَحوُ آثارِ الوُجودِ عِندَ لمَعانِ نورِ الشُّهودِ، يَكونُ في تَجَلِّي الذَّاتِ، وهو أكمَلُ أقسامِ اليَقينِ في الدُّنيا) 94 .

وقال أيضًا: (قد يَكونُ التَّجَلِّي بطَريقِ الأفعالِ، وقد يَكونُ بطَريقِ الصِّفاتِ، وقد يَكونُ بطَريقِ الذَّاتِ) 95 .

وقال ظَهيرُ الدِّينِ القادِريُّ: (الفَناءُ هو أن يُطالعَ الحَقُّ سِرَّ وليِّه بأدنى تَجَلٍّ، فيَتَلاشى الكَونُ ويَفنى الوليُّ تَحتَ تلك الإشارةِ) 96 .

وبَيَّن القاشانيُّ مَعنى التَّجَلِّي الشُّهوديِّ بقَولِه: (هو ظُهورُ الوُجودِ المُسَمَّى باسمِ النُّورِ، وهو ظُهورُ الحَقِّ بصُوَرِ أسمائِه في الأكوانِ التي هي صُوَرُها، وذلك الظُّهورُ هو النَّفسُ الرَّحمانيُّ الذي يوجَدُ به الكُلُّ) 97 .

وقال عَبدُ الكَريمِ الجيليُّ: (إنَّ العَبدَ إذا أرادَ الحَقَّ سُبحانَه وتعالى أن يَتَجَلَّى عليه باسمٍ أو صِفةٍ، فإنَّه يُفني العَبدَ فناءً يُعدِمُه عن نَفسِه، ويَسلُبُه عن وُجودِه، فإذا طُمِسَ النُّورُ العَبديُّ وفَنِي الرُّوحُ الخَلقيُّ، أقامَ الحَقُّ سُبحانَه وتعالى في الهَيكَلِ العَبديِّ) 98 .

وقال نَجمُ الدِّينِ الكبريُّ: (تَتَجَلَّى سُبُحاتُ وَجهِه الكَريمِ، ويَجري على لسانِ السَّيَّارِ «الصُّوفيِّ» بحُكمِ الاضطِرارِ: سُبْحاني سُبْحاني! ما أعظَمَ شَأني!) 99 .

ونَقَلوا عنِ البِسطاميِّ أنَّه قال: (ما في الجُبَّةِ غَيرُ اللهِ!) 100 .

وذُكِرَ أنَّه قال أيضًا: (قال لي الحَقُّ: يا أبا يَزيدَ، كُلُّ هؤلاء خَلقي إلَّا أنتَ، أنتَ أنا، وأنا أنتَ!) 101 .

وأنَّه قال: (رَفَعَني مَرَّةً فأقامني بَينَ يَدَيه وقال لي: يا أبا يَزيدَ، إنَّ خَلقي يُحِبُّونَ أن يَرَوك. فقُلتُ: زَيِّنِّي بوحدانيَّتِك، وألبِسْني أنانيَّتَك، وارفَعْني إلى أحَدِيَّتِك، حتَّى إذا رَآني خَلْقُك قالوا: رَأيناك، فتَكونُ أنتَ ذاكَ، ولا أكونُ أنا هنا!) 102 .

سابعًا: مُصطَلَحُ العُلومِ الوَهبيَّةِ والعُلومِ الكَسْبيَّة

المرادُ بالعُلومِ الوَهبيَّةِ: العُلومُ التي يُحَصِّلُها الإنسانُ بلا جُهدٍ، وذلك بتَلقِّيها منَ اللهِ تعالى مُباشَرةً، وبَعضُهم يُسَمِّيها العُلومَ اللَّدُنِّيَّةَ مُستَدِلِّينَ بقَولِ اللهِ تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: 65] .

والمرادُ بالعُلومِ الكَسبيَّةِ: التي يُحَصِّلُها الإنسانُ عن طَريقِ التَّعَلُّمِ والقِراءةِ والكِتابةِ، وعن طَريقِ التَّلقِّي منَ المَشايِخِ والعُلماءِ.

قال أبو حامِدٍ الغَزاليُّ: (أمَّا العِلمُ فهو العِلمُ بالأمورِ الدُّنيَويَّةِ والأخرَويَّةِ والحَقائِقِ العَقليَّةِ، وهي تَتَحَصَّلُ له بالتَّجارِبِ والفِكرِ، والنَّاسُ في هذا مَراتِبُ لا تُحصى، يَتَفاوتُ الخَلقُ فيها بكَثرةِ المَعلوماتِ وقِلَّتِها، وبشَرَفِ المَعلوماتِ وخِسَّتِها، وبطَريقِ تَحصيلِها)، ثمَّ تَحَدَّثَ بَعدَ ذلك عنِ العُلومِ الوَهبيَّةِ، وهي التي (تَحصُلُ لبَعضِ القُلوبِ بإلهامٍ إلهيٍّ على سَبيلِ المُبادَأةِ والمُكاشَفةِ... وهي دَرَجاتٌ... وأقصى الرُّتَبِ رُتبةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الذي تَنكَشِفُ له كُلُّ الحَقائِقِ أو أكثَرُها من غَيرِ اكتِسابٍ وتَكَلُّفٍ، بكَشفٍ إلهيٍّ في أسرَعِ وقتٍ) 103 .

والنَّاظِرُ في كُتُبِ الصُّوفيَّةِ الأوائِلِ والكُتُبِ التي تَتَحَدَّثُ عنهم يَجِدُ كَثيرًا منَ الأقوالِ المَنسوبةِ لشُيوخِهم والتي تُبَيِّنُ أنَّ عُلومَهم من قَبيلِ الكَسبيَّةِ المُستَمَدَّةِ منَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. فقال القُشَيريُّ: (اعلَموا أنَّ شُيوخَ هذه الطَّائِفةِ بَنَوا قَواعِدَ أمرِهم على أصولٍ صَحيحةٍ في التَّوحيدِ، وصانوا بها عَقائِدَهم منَ البدَعِ، ودانوا بما وجَدوا عليه السَّلَفَ وأهلَ السُّنَّةِ) 104 .

قال سَهلُ بنُ عَبدِ اللَّهِ التُّسْتَريُّ: (كُلُّ وَجدٍ لا يَشهَدُ له الكِتابُ والسُّنَّةُ فهو باطِلٌ) 105 .

وقال الجُنَيدُ بنُ مُحَمَّدٍ: (مَن لم يَقرَأِ القُرآنَ ويَكتُبِ الحَديثَ لا يُقتَدى به في هذا الشَّأنِ؛ لأنَّ عِلمَنا مُقَيَّدٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ) 106 .

وقال أيضًا: (الطُّرُقُ كُلُّها مَسدودةٌ عنِ الخَلْقِ إلَّا مَنِ اقتَفى أثَرَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) 107 .

وقال أبو حَمزةَ الخُراسانيُّ: (لا دَليلَ على الطَّريقِ إلى اللهِ إلَّا بمُتابَعةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أحوالِه وأقوالِه وأفعالِهـ) 108 .

ومِثلُ ذلك وارِدٌ عن كِبارِ مَشايِخِ الطُّرُقِ الأوائِلِ، كَأحمَدَ الرِّفاعيِّ، وعَبدِ القادِرِ الجيلانيِّ، وغَيرِهما 109 .

هذه الأقوالُ تَدُلُّ على ما كان عليه أولئِكَ الشُّيوخُ ومُتَقدِّمو الصُّوفيَّةِ، ولكِنَّ الذينَ جاؤوا من بَعدِهم أدخَلوا أمورًا على التَّصَوُّفِ تُخالِفُ ما كان عليه أوائِلُهم.