أخبر اللهُ تعالى أنَّ المَلائِكةَ تُصَلِّي على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: 56] .
وأخبر أنهم يُصَلُّون على المُؤمِنين أيضًا، فقال: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: 43] .
والصَّلاةُ من اللهِ تعالى على العَبدِ ثناؤه عليه عند مَلائِكته، كما جاء عن أبي العاليةِ 4056.
وأمَّا الصَّلاةُ من المَلائِكة على المُؤمِنين فهي بمعنى الدُّعاءِ لهم 4057.
وممَّا يَدُلُّ على أنَّ لصَلاةِ المَلائِكةِ آثارًا حَسَنةً على المُؤمِنين: قَولُ اللهِ تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الأحزاب: 43] .
قال البغوي: (يعني: أنَّه برحمتِه وهدايتِه ودُعاءِ المَلائِكةِ لكم أخرَجَكم من ظُلمةِ الكُفْرِ إلى النُّورِ) 4058.
وقال السَّعْديُّ: (من رحمتِه بالمُؤمِنين ولُطفِه بهم أن جَعَل من صلاتِه عليهم وثنائِه وصَلاةِ مَلائِكَتِه ودُعائِهم، ما يخرِجُهم من ظُلُماتِ الذُّنوبِ والجَهلِ، إلى نورِ الإيمانِ، والتوفيقِ، والعِلمِ، والعَمَلِ، فهذه أعظَمُ نِعمةٍ أنعم بها على العبادِ الطَّائعين، تستدعي منهم شُكْرَها، والإكثارَ مِن ذِكرِ اللهِ الذي لطَفَ بهم ورَحِمَهم) 4059.
نماذِجُ من الأعمالِ التي تصَلِّي المَلائِكةُ بسَبَبِها على صاحِبِها:
1- الذين ينتَظِرون صلاةَ الجَماعةِ:
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: المَلائِكَةُ تُصَلِّي علَى أحَدِكُمْ ما دامَ في مُصَلَّاهُ ما لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ
4060.
يُخبِرُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ المَلائِكةَ تَستغفِرُ للعبدِ المُؤمِنِ ما دامَ في مكانِه الذي صلَّى فيه، أو المكانِ المُعدِّ للصَّلاةِ، فيَدخُلُ في هذا المعنى المُصلُّون والمنتَظِرونَ للصلاةِ، ويَشمَلُ هذا الأجرُ المرأةَ لو صلَّت فِي مَسجدِ بيْتِها وجَلَسَتْ فِيهِ تَنتظِرُ الصلاةَ إذا كان يحبِسُها عَن قيامِها لأشغالِها انتظارُ الصلاةِ. وهذا الثَّوابُ مَشروطٌ بألَّا يُحدِثَ المُنتظِرُ حَدَثًا، قيل: يعني ما لم يَعصِ؛ بأنْ يؤذِيَ أحدًا بغِيبةٍ، أو سِبابٍ، أو نحوِه، فيَشمَلُ الحَدَثُ الحَدَثَ باللِّسانِ مِن الكلامِ الفاحِشِ ونَحْوِه، والحَدَثَ بالأفعالِ التي لا تَجوزُ. وقِيلَ: بألَّا يُحدِثَ حَدَثًا يَنقُضُ الوضوءَ. وقيل: إنَّه يَشمَلُ الحدَثَينِ 4061.
2- الذين يُصَلُّون في الصَّفِّ الأوَّلِ:
عن البَراءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَه يُصَلُّون على الصُّفوفِ الأُوَلِ
4062. وفي روايةٍ: على الصُّفوفِ المتقَدِّمةِ
4063. وفي روايةٍ أخرى: إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَه يُصَلُّون على الصَّفِّ الأوَّلِ
4064.
قال علي القاري: («إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَه يُصَلُّون»: بإنزالِ الرَّحمةِ مِنَ الله تعالى، وبالدُّعاءِ بالتوفيقِ وغيرِه مِنَ المَلائِكةِ) 4065.
3- الذين يَسُدُّون الفُرَجَ بين الصُّفوفِ:
عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَه يُصَلُّون على الذين يَصِلون الصُّفوفَ، ومن سَدَّ فُرجةً رَفَعه اللهُ بها دَرَجةً
4066.
قال المناوي: («إنَّ اللهَ تعالى ومَلائِكَتَه يُصَلُّون على الذين يَصِلُون» من الوَصْلِ: ضِدُّ القَطعِ. «الصُّفوفَ» بحيث لا يبقى فيها ما يَسَعُ واقِفًا، أي: يَغفِرُ لهم ويأمُرُ مَلائِكتَه بأن يَستغفِروا لهم) 4067.
4- الذين يتَسَحَّرونَ:
قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ تعالى ومَلائِكَتَه يُصَلُّون على المتسَحِّرين
4068.
قال الصَّنعانيُّ: (صَلاةُ اللهِ رَحمتُه لهم، وصلاةُ المَلائِكةِ دُعاؤهم لهم بالمغفرةِ، وهذا ترغيبٌ في السُّحورِ، وإعلامٌ بأنَّ فيه فائدتينِ مِنَ الإعانةِ على الصَّومِ ومحبَّةِ اللهِ لفاعِلِه ورحمتِه له، ودعاءِ المَلائِكةِ له بالمغفرةِ) 4069.
5- الذين يُصَلُّون على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
عن عامِرِ بنِ رَبيعةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: من صلَّى عَلَيَّ صَلاةً، لم تَزَلِ المَلائِكةُ تُصَلِّي عليه ما صَلَّى عَلَيَّ، فلْيُقِلَّ عَبدٌ مِن ذلك أو لِيُكثِرْ
4070.
قال الصَّنعانيُّ: ( ما من عبدٍ يُصَلِّي عليَّ إلَّا صَلَّت عليه المَلائِكةُ
استغفَرَتْ له. ما دام يُصَلِّي عليَّ، فلْيُقِلَّ العَبدُ من ذلك
من الصَّلاةِ عَلَيَّ، أو لِيُكثِرْ
؛ فإنَّه خيرٌ له، تخييرٌ بين طرَفَيِ القِلَّةِ والكثرةِ، وهو حَثٌّ له على الإكثارِ) 4071.