قال ابنُ العَرَبيِّ: (اللهُ خَلقَ لَهم من تَيَسُّرِ التَّصَوُّرِ في الهَيئاتِ ما خَلقَ لَنا من تَيَسُّرِ التَّصَوُّرِ في الحَرَكاتِ؛ فنَحنُ إلى أيِّ جِهةٍ شِئنا ذَهَبْنا، وهم في أيِّ صورةٍ شاؤوا تَيسَّرَت لَهم، ووُجِدوا عليها، ولا نَراهم في هَيئاتِهم، إنَّما يَتَصَوَّرونَ في خَلقِ الحَيَواناتِ) 4305.

وقال ابنُ تَيميَّةَ: (الجِنُّ يَتَصَوَّرونَ في صوَرِ الإنسِ والبَهائِمِ، فيَتَصَوَّرونَ في صوَرِ الحَيَّاتِ والعَقارِبِ وغَيرِها، وفي صوَرِ الإبلِ، والبَقرِ، والغَنَمِ، والخَيلِ، والبِغالِ، والحَميرِ، وفي صوَرِ الطَّيرِ، وفي صُوَرِ بني آدَمَ) 4306.

وقال أيضًا: (هَذا واقِعٌ كثيرًا، حَتَّى إنَّه يَتَصَوَّرُ لمَن يُعظِّمُ شَخصًا في صورَتِهِ، فإذا استَغاثَ بهِ أتاه، فيَظُنُّ ذلك الشَّخصُ أنَّه شَيخُه المَيِّتُ، وقد يَقولُ لَه: إنَّه بَعضُ الأنبياءِ، أو بَعضُ الصَّحابةِ الأمواتِ، ويَكونُ هوَ الشَّيطانَ) 4307.

وقال مُحَمَّد رَشيد رِضا: (اختَلَفَت فِرَقُ المُسْلِمينَ في تَشَكُّلِهم بالصُّوَرِ، فالجُمهورُ يُثبِتونَهـ) 4308. وقال أيضًا: (الجُمهورُ على أنَّ الجِنَّ تَتَشَكَّلُ) 4309.

ومِنَ الأدِلَّةِ على قُدرَتِهم على التَّشَكُّلِ في صوَرٍ وهَيئاتٍ مُختَلِفةٍ:

1- عَن أبيِ الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: قامَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَمِعْناه يَقولُ: أعوذُ باللَّهِ مِنكَ، ثُمَّ قال ألعَنُكَ بلعَنةِ اللهِ ثَلاثًا، وبَسطَ يَدَه كأنَّه يَتَناوَلُ شَيئًا، فلَمَّا فرغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلنا: يا رَسولَ اللَّهِ، قد سَمِعناكَ تَقولُ في الصَّلاةِ شَيئًا لَم نَسمَعْكَ تَقولُه قَبلَ ذلك، ورَأيناكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، قال: إنَّ عَدوَّ اللَّهِ -إبليسَ- جاءَ بشِهابٍ من نارِ ليَجعَلَه في وجهي، فقُلتُ: أعوذُ باللهِ مِنكَ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلتُ: ألعَنُكَ بلعَنةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فلَم يَستَأخِرْ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أرَدتُ أخْذَه، واللهِ لَولا دَعوةُ أخينا سُلَيمانَ لأصبَحَ مُوثَقًا يَلعَبُ بهِ وِلْدانُ أهلِ المَدينةِ 4310.

قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (إنْ قيلَ: كيفَ يَتَأتَّى رَبطُه وأخذُه واللَّعِبُ بهِ، مَعَ كونِ الجِنِّ أجسامًا لَطيفةً روحانيَّةً؟ قُلنا: كما تَأتَّى ذلك لسُليمانَ عليهِ السَّلامُ؛ حَيثُ جَعل اللهُ لَه مِنهم كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ولا شَكَّ أنَّ اللهَ تعالى أوجَدَهم على صُوَرٍ تَخُصُّهم، ثُمَّ مَكَّنَهم مِنَ التَّشَكُّلِ في صوَرٍ مُختَلِفةٍ، فيَتَمَثَّلونَ في أيِّ صورةٍ شاؤوا، أو شاءَ اللهُ، وكَذلك فَعلَ اللَّهُ بالمَلائِكةِ، كما قال تعالى: فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وأحيانًا يَتَمَثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلًا فيُكلِّمُني ، فيَجوزُ أن يُمكِّنَ اللهُ نَبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من هَذا الجِنّي، مَعَ بَقاءِ الجِنِّيِّ على صورَتِهِ الَّتي خُلِقَ عليها، فيوثِقُه كما كانَ سُلَيمانُ عليهِ السَّلامُ يُوثِقُهم، ويَرفَع المَوانِعَ عَن أبصارِ النَّاسِ، فيَرَونَه مُوثَقًا حَتَّى يَلعَبَ بهِ الغِلْمانُ. ويَجوزُ أن يُشَكِّلَه اللهُ تعالى في صورةٍ جِسميَّةٍ مَحسوسةٍ، فيَربِطَه ويَلعَبَ بهِ، ثُمَّ يَمنَعَه مِنَ الزَّوالِ عَن تِلكَ الصُّورةِ الَّتي تَشَكَّلَ فيها، حَتَّى يَفعَلَ اللهُ ما همَّ بهِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وفي هَذا دَليلٌ على رُؤيةِ بني آدَمَ الجِنَّ. وقَولُه تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إخبارٌ عَن غالِبِ أحوالِ بني آدَم مَعَهم، واللهُ تعالى أعلَمُ) 4311.

2- عَن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: وكَّلني رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بحِفظِ زَكاةِ رَمضانَ، فأتاني آتٍ فجَعَلَ يَحثو مِنَ الطَّعامِ فأخذْتُه، وقُلتُ: واللهِ لأرفَعَنَّك إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: إنِّي مُحتاجٌ، وعليَّ عيالٌ، ولي حاجةٌ شَديدةٌ، قال: فخَلَّيتُ عَنه، فأصبَحْتُ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا أبا هُريرةَ، ما فعل أسيرُكَ البارِحةَ؟»، قال: قُلتُ: يا رَسولُ اللَّهِ شَكا حاجةً شَديدةً وعِيالًا فرَحمْتُه، فخَلَّيتُ سَبيلَه، قال: «أما إنَّه قد كذَبَكَ وسَيَعودُ»، فعَرَفْتُ أنَّه سَيَعودُ؛ لقَولِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّه سَيَعودُ، فرَصدْتُه، فجاءَ يَحثو مِنَ الطَّعامِ، فأخَذْتُه، فقُلتُ: لأرفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: دَعْني فإنِّي مُحتاجٌ وعليَّ عيالٌ، لا أعودُ، فرَحِمْتُه، فخَلَّيتُ سَبيلَه، فأصبَحْتُ، فقال لي رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا أبا هُريرةَ، ما فعل أسيرُكَ؟»، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ شَكا حاجةً شَديدةً وعيالًا، فرَحمْتُه، فخَلَّيتُ سَبيلَه، قال: «أمَا إنَّه قد كذَبَكَ وسَيَعودُ»، فرَصدَتُه الثَّالِثةَ، فجاءَ يَحثو مِنَ الطَّعامِ، فأخَذتُه، فقُلتُ: لأرفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ، وهَذا آخِرُ ثَلاثِ مَرَّاتٍ، أنَّكَ تَزعُمُ لا تَعودَ، ثُمَّ تَعودُ، قال: دَعْني أعلِّمْكَ كَلِماتٍ يَنفَعُكَ اللهُ بها، قُلتُ: ما هوَ؟ قال: إذا أوَيتَ إلى فراشِكَ، فاقرَأْ آيةَ الكُرسيِّ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255] ، حَتَّى تَختِمَ الآيةَ، فإنَّكَ لَن يَزالَ عليكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقْرَبَنَّكَ شَيطانٌ حَتَّى تُصبِحَ، فخَلَّيتُ سَبيلَه، فأصبَحْتُ، فقالَ لي رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما فعل أسيرُكَ البارِحةَ؟»، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، زَعَمَ أنَّه يُعَلِّمُني كَلِماتٍ يَنفَعُني اللَّهُ بها، فخَلَّيتُ سَبيلَه، قال: «ما هيَ؟»، قُلتُ: قال لي: إذا أويتَ إلى فراشِكَ فاقرَأْ آيةَ الكُرسيِّ مِن أوَّلِها حَتَّى تَختِمَ الآيةَ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255] ، وقال لي: لَن يَزالَ عليكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقرَبُكَ شَيطانٌ حَتَّى تُصبِحَ -وكانوا أحرَصَ شَيءٍ على الخَيرِ- فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أمَا إنَّه قد صَدَقَكَ وهوَ كَذُوبٌ، تَعلَمُ من تُخاطِبُ مُنذُ ثَلاثِ ليالٍ يا أبا هُريرةَ؟»، قال: لا، قال: ذاكَ شَيطانٌ 4312.

قال ابنُ حَجَرٍ: (في الحَديثِ مِنَ الفَوائِدِ أنَّ الشَّيطانَ قد يَعلَمُ ما يَنتَفِعُ بهِ المُؤْمِنُ... وأنَّه قد يَتَصَوَّرُ ببَعضِ الصُّوَرِ فتُمْكِنُ رُؤيَتُه، وأنَّ قَولَه تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ مَخصوصٌ بما إذا كانَ على صورَتِهِ الَّتي خُلِقَ عليها) 4313.

وقال العَينيُّ: (فيه: تَفسيرٌ لقَولِه تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: 72] . يَعني: الشَّياطينَ، إنَّ المُرادَ بذلك ما هم عليهِ من خِلَقِهمُ الرُّوحانيَّةِ، فإذا استُحضِروا في صورةِ الأجسامِ المُدرَكةِ بالعَينِ جازَت رُؤيَتُهم، كما شَخصَ الشَّيطانُ لأبي هُريرةَ في صورةِ سارِقٍ.

وفيه: أنَّ الجِنَّ يَأكُلونَ الطَّعامَ، وهوَ موافِقٌ لقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سَألوني الزَّادَ 4314... وفيه: ظُهورُ الجِنِّ وتَكَلُّمُهم بكِلامِ الإنسِ... وفيه: أنَّ الجِنَّ تَسْرِقُ وتَخدَعُ) 4315.

3- عَن أبي السَّائِبِ أنَّه دَخَل على أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ في بَيتِهِ، قال: فوَجَدتُه يُصَلِّي، فجَلَسْتُ أنتَظِرُه حَتَّى يَقضيَ صَلاتَه، فسَمِعتُ تَحريكًا في عَراجِينَ في ناحيةِ البَيتِ، فالتفَتُّ فإذا حَيَّةٌ، فوَثَبْتُ لأقتُلَها، فأشارَ إليَّ: أن اجلِسْ، فجَلَسْتُ، فلَمَّا انصَرَفَ أشارَ إلى بَيتٍ في الدَّارِ فقال: أترى هَذا البَيتَ؟ فقُلت: نَعَم. فقال: كانَ فيه فتًى مِنَّا حَديثُ عَهْدٍ بعُرسٍ. فخَرَجْنا مَعَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى الخَندَقِ، فكانَ ذلك الفَتى يَستَأذِنُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنصافِ النَّهارِ فيَرجِعُ إلى أهلِهِ، فاستَأذَنَه يَومًا فقال لَه رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خُذْ عليكَ سِلاحَكَ، فإنِّي أخشى عليكَ قُرَيظةَ، فأخذَ الرَّجُلُ سِلاحَه، ثُمَّ رَجَعَ فإذا امرَأتُه بَينَ البابَين قائِمةً، فأهوى إليها الرُّمحَ ليَطعَنَها بهِ، وأصابَتْه غَيرةٌ، فقالت لَه: اكفُفْ عليكَ رُمحَكَ، وادخُلِ البَيتَ حَتَّى تَنظُرَ ما الَّذي أخرَجَني! فدَخلُ فإذا بحيَّةٍ عَظيمةٍ مُنْطَويةٍ على الفِراشِ، فأهوى إليها بالرُّمحِ فانتَظَمَها بهِ، ثُمَّ خَرجَ فرَكزَه في الدَّارِ، فاضطَرَبت عليهِ، فما يُدرى أيُّهُما كانَ أسرَعَ مَوتًا الحَيَّةُ أمِ الفَتى؟ قال: فجِئْنا إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذَكَرْنا لَه، وقُلنا: ادْعُ اللهَ يُحييهِ لَنا، فقال: استَغفِروا لصاحِبِكُم، ثُمَّ قال: إنَّ بالمَدينةِ جِنًّا قد أسلَموا، فإذا رَأيتُم مِنهم شَيئًا فآذِنوه ثَلاثةَ أيَّامٍ، فإنْ بَدا لَكُم بَعدَ ذلك فاقتُلوه، فإنَّما هوَ شَيطانٌ 4316.

قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (قَولُه: إنَّ بالمَدينةِ جِنًّا قد أسلَموا؟ قد بَيَّنَّا أنَّ بغَيرِ المَدينةِ أيضًا جِنًّا قد أسلَموا، فتَلزَمُ التَّسويةُ بَينَها وبَينَ غَيرِها في المَنعِ من قَتلِ الحَيَّاتِ إلَّا بَعدَ الإذْنِ. ولا يُفهَمُ من هَذا الحَديثِ: أنَّ هَذا الجانَّ الَّذي قَتلَه الفَتى كانَ مُسْلِمًا، وأنَّ الجِنَّ قَتلَتْه قِصاصًا؛ لأنَّه لَو سُلِّمَ أنَّ القِصاصَ مَشروعٌ بَينَنا وبَينَ الجِنِّ، لَكِن إنَّما يَكونُ في العَمْدِ الْمَحْضِ، وهَذا الفَتى لَم يَقصِدْ، ولَم يَتَعَمَّدْ قَتلَ نَفسٍ مُسْلِمةٍ؛ إذ لَم يَكُن عِندَه عِلمٌ من ذلك، وإنَّما قَصَدَ إلى قَتلِ ما سُوِّغَ لَه قَتلُ نَوعِهِ شَرعًا، فهَذا قَتلٌ خَطَأٌ، ولا قِصاصَ فيه. فالأَولى أن يُقال: إنَّ كُفَّارَ الجِنِّ أو فَسقَتَهم قَتلوا الفَتى بصاحِبِهم عُدوانًا وانتِقامًا، وإنَّما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ بالمَدينةِ جِنًّا قد أسلَموا ... إلى آخِرِ الحَديثِ؛ ليبَيِّنَ طَريقًا يَحصُلُ بهِ التَّحَرُّزُ من قَتلِ المُسْلِم مِنهم، ويَتَسَلَّطُ بهِ على قَتلِ الكافِرِ مِنهم؛ ولِذلك قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإذا رَأيتُم مِنها شَيئًا فآذِنوه ثَلاثةَ أيَّامٍ، فإنْ بَدا لَكُم بَعدَ ذلك فاقتُلوه، فإنَّما هوَ شَيطانٌ)؛ ولِذلك قال مالِكٌ: أَحَبُّ إليَّ أن يُنْذَروا ثَلاثةَ أيَّامٍ. قال عيسى بنُ دِينارٍ: يُنذَرُ ثَلاثةَ أيَّامٍ، وإنْ ظَهَرَ في اليَومِ مِرارًا، ولا يُقتَصَرُ على إنذارِهِ ثَلاثَ مِرارٍ في يَومٍ واحِدٍ حَتَّى يَكونَ في ثَلاثةِ أيَّامٍ 4317.

4- عَن عَبدِ اللَّهِ بن عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُما أنَّه كانَ يَقتُلُ الحَيَّاتِ ثُمَّ نَهى، قال: (إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هَدمَ حائِطًا لَه، فوَجَدَ فيه سِلْخَ حَيَّةٍ 4318 ، فقال: انظُروا أينَ هوَ؟ فنَظَروا، فقال: اقتُلوه. فكُنتُ أقتُلُها لذلك، فلَقِيتُ أبا لُبابةَ، فأخبَرَني أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا تَقتَلوا الجِنَّانَ إلَّا كُلَّ أبتَرَ ذي طُفْيَتَينِ؛ فإنَّه يُسقِطُ الوَلَدَ، ويُذهِبُ البَصَرَ، فاقتُلوه 4319 4320.

قال ابن حجر الهيتمي: (إنَّ استِثناءَ هَذَين يَعني: الأبتَرَ وذا الطُّفيَتَينِ يَقتَضي أنَّ الجِنِّيَّ لا يَتَصَوَّرُ بصورَتِهما، فيُسَنُّ قَتلُهُما مُطلَقًا، ثُمَّ رَأيتُ الزَّركَشيُّ نَقلَ ذلك عَنِ الماوَرديِّ فقال: إنَّما أمرَ بقَتلِهما لأنَّ الجِنَّ لا تَتَمَثَّلُ بهما، وإنَّما نَهى عَن ذَواتِ البُيوتِ؛ لأنَّ الجِنِّيَّ يَتَمَثَّلُ بهما... وما ورَدَ عَنِ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنه مِمَّا يَقتَضي عَدَمَ قَتلِهِ مُطلَقًا 4321 يُحمَلُ على ما إذا لَم يُنذِرْ، وأنَّ الإنذارَ يَتَأكَّدُ فيه؛ لأنَّه أقرَبُ إلى صورةِ الجِنِّ من غَيرِهِ، وكَذلك يُحمَلُ على هَذا حَديثُ مُسْلِمٍ: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَهى عَن قَتلِ الجانِّ إلَّا الأبتَرَ وذا الطُفْيَتَينِ) 4322.

5- عَن جابِرِ بن عَبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُما قال: أمَرنا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقَتلِ الكِلابِ، حَتَّى إنَّ المَرأةَ تَقدَمُ مِنَ الباديةِ بكَلبِها فنَقتُلُه، ثُمَّ نَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن قَتلِها وقال: ((عليكُم بالأسوَدِ البَهيمِ ذي النُّقطَتَينِ؛ فإنَّه شَيطانٌ 4323) 4324.

وعَن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: قال رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إذا قامَ أحَدُكُم يُصَلِّي، فإنَّه يَستُرُه إذا كانَ بَينَ يَدَيهِ مِثلُ آخِرةِ الرَّحلِ، فإذا لَم يَكُن بَينَ يَدَيهِ مِثلُ آخِرةِ الرَّحْلِ، فإنَّه يَقطَعُ صَلاتَهُ الحِمارُ والمَرأةُ والكَلبُ الأسوَدُ. قُلتُ: يا أبا ذَرٍّ، ما بالُ الكَلبِ الأسوَدِ مِنَ الكَلبِ الأحمَرِ مِنَ الكَلبِ الأصفَرِ؟ قال: يا ابنَ أخي، سَألتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كما سَألتَني فقال: الكَلبُ الأسوَدُ شَيطانٌ 4325.

قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (قَولُه: الكَلبُ الأسوَدُ شَيطانٌ حَملَه بَعضُ العُلَماءِ على ظاهِرِهِ، وقال: إنَّ الشَّيطانَ يَتَصَوَّرُ بصورةِ الكِلابِ السُّودِ، ولِأجلِ ذلك قال عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اقتُلوا مِنها كُلَّ أسوَدَ بهيمٍ. وقيلَ: لَمَّا كانَ الكَلبُ الأسوَدُ أشَدَّ ضَرَرًا من غَيرِهِ وأشَدَّ تَرويعًا، كانَ المُصلِّي إذا رَآهَ اشتَغَلَ عَن صَلاتِهِ؛ فانقَطَعَت عليهِ لذلك، وكَذا تَأوَّلَ الجُمهورُ قَولَه: يَقطَعُ الصَّلاةَ المَرأةُ والحِمارُ؛ فإنَّ ذلك مُبالَغةٌ في الخَوفِ على قَطعِها وإفسادِها بالشُّغلِ بهذه المَذكوراتِ؛ وذلك أنَّ المَرأةَ تَفتِنُ، والحِمارَ يَنهِقُ، والكَلبَ يُرَوِّعُ فيَتَشَوَّشُ المُتَفَكِّرُ في ذلك حَتَّى تَنقَطِعَ عليهِ الصَّلاةُ وتَفسُدَ، فلما كانَت هذه الأمورُ تُفيدُ آيِلةً إلى القَطعِ جَعلَها قاطِعةً؛ كما قال للمادِحِ: قَطَعْتَ عُنُقَ أخيكَ 4326 أي: فعَلْتَ بهِ فِعلًا يُخافُ هَلاكُه فيه، كمن قَطعَ عُنُقَه. وقد ذَهَبَ ابنُ عَبَّاسٍ وعَطاءٌ إلى أنَّ المَرأةَ الَّتي تَقطَعُ الصَّلاةَ إنَّما هيَ الحائِضُ؛ لِما تَستَصحِبُه مِنَ النَّجاسةِ) 4327.

وقال ابنُ تَيميَّةَ: (الجِنُّ تَتَصَوَّرُ بصورةِ الكَلبِ الأسوَدِ، وكَذلك بصورةِ القِطِّ الأسوَدِ؛ لأنَّ السَّوادَ أجمَعُ للقوى الشَّيطانيَّةِ من غَيرِهِ، وفيه قوَّةُ الحَرارةِ) 4328.

مَسألةٌ: مَدى إمكانيَّةِ رُؤيةِ الجِنِّ

أوَّلًا: رُؤيةُ البَشَرِ للجِنِّ

يُمكِنُ في الجُملةِ أن يَرى البَشَرُ الجِنَّ في صوَرٍ أخرى غَيرِ خِلْقَتِهمُ الحَقيقيَّةِ.

قال مُحَمَّدٌ رَشيد رضا: (إذا تَمَثَّلَ المَلَكُ أوِ الجانُّ في صورةٍ كثيفةٍ كُصورةِ البَشَرِ أو غَيرِهم، أمكَنَ للبَشَرِ أن يَروه، ولَكِنَّهم لا يَرَونَه على صورَتِهِ وخِلقَتِه الأصليَّةِ بحَسَبِ العادةِ، وسُنَّةِ اللَّهِ في خَلقِ عالَمِه وعالَمِها) 4329.

وقال ابنُ باز: (قد يَظهَرُ الجِنُّ لبَعضِ النَّاسِ... قد يَتَّصِلُ بَعضُ النَّاسِ بهم، وقد يُكلِّمُهم ويُكلِّمونَه، قد يَراهم بَعضُ النَّاسِ، لَكِنَّ الأغلَبَ أنَّهم لا يُرَونَ، كما قال جَلَّ وعلا: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ.

يَعني يَرَونَنا من حَيثُ لا نَراهم، ولَيسَ مَعناه أنَّنا لا نَراهم، قد نَراهم، لَكِن من حَيثُ لا نَراهم قد يَرَونَنا، من جِهاتٍ يَرَونَنا فيها ولا نَراهم فيها، لَكِنَّ الجِنِّيَّ قد يَبدو لبَعضِ النَّاسِ في الصَّحراءِ، وفي البُيوتِ، وقد يُخاطِبُ، وقد حَدَّثنا جَماعةٌ مِنَ العُلَماءِ عَن وقائِعَ كثيرةٍ من هَذا، أنَّ بَعضَ الجِنِّ حَضَروا مَجالِسَ العِلمِ، وسَألوا عَن بَعضِ العِلمِ وإن كانوا لا يُرَونَ، وبَعضُ النَّاسِ قد يَراهم يَتَمَثَّلونَ في الصَّحراءِ وغَيرِ الصَّحراءِ) 4330.

ووَقَعَ الخِلافُ بَينَ أهلِ العِلمِ في إمكانيَّةِ رُؤيةِ البَشَرِ للجِنِّ على خِلقَتِهمُ الحَقيقيَّةِ؛ فبَعضُهم يَجعَلُ ذلك مُمكِنًا في حَقِّ الأنبياءِ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فقَط، وبَعضُهم يَقولُ إنَّها مُمكِنةٌ أيضًا لِمن شاءَ اللهُ تعالى من عِبادِه.

قال ابنُ العَرَبيِّ: (لَيسَ يَمتَنِعُ أن يَراهُم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صوَرِهم، كما يَرى المَلائِكةَ؛ وأكثَرُ ما يَتَصَوَّرونَ لَنا في صوَرِ الحَيَّاتِ) 4331.

والأحاديثُ الوِرادةُ في رُؤيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه للجِنِّ ألفاظُها عامَّةٌ، فهيَ تَحتَمِلُ رُؤيَتَهم على خِلقَتِهمُ الحَقيقيَّةِ، وتَحتَمِلُ رُؤيَتَهم في صوَرٍ أُخرى، فاللهُ أعلَمُ.

ومن ذلك:

1- عَن أبي هُريرةَ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ عِفْريتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البارِحةَ ليَقطَعَ عَليَّ صَلاتي، فأمكَنَني اللهُ مِنه فأخَذْتُه، فأرَدتُ أن أربِطَه على ساريةٍ من سَوارِي المَسجِدِ حَتَّى تَنظُروا إليهِ كُلُّكُم، فذَكَرتُ دَعوةَ أخي سُلَيمانَ: رَبِّ هَبْ لي مُلْكًا لا يَنبَغي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي؛ فرَدَدْتُه خاسِئًا 4332.

قال الخَطابيُّ: (فيه دَليلٌ على أنَّ رُؤيةَ البَشَرِ الجِنَّ غَيرُ مُستَحيلةٍ، والجِنُّ أجسامٌ لَطيفةٌ، والجِسمُ وإنْ لَطُفَ فإنَّ دَركَه غَيرُ مُمتَنِعٍ أصلًا... فأمَّا قَولُ اللَّهِ تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ فإنَّ ذلك حُكمُ الأعَمِّ الأغلَبِ من أحوالِ بني آدَمَ، امتَحَنَهم اللهُ بذلك، وابتَلاهُم ليَفْزَعوا إليهِ ويَستَعيذوا بهِ من شَرِّهم، ويَطلُبوا الأمانَ من غائِلَتِهم، ولا يُنكَرُ أن يَكونَ حُكمُ الخاصِّ والنَّادِرِ مِنَ المُصطَفَين من عِبادِه بخِلافِ ذلك) 4333.

وقال النَّوَويُّ: (فيه دَليلٌ على أنَّ الجِنَّ مَوجودونَ وأنَّهم قد يراهم بَعضُ الآدَميِّينَ، وأمَّا قَولُ اللَّهِ تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ فمَحمولٌ على الغالِبِ فلَو كانَت رُؤيَتُهم مُحالًا لَمَا قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قال من رُؤيَتِهِ إيَّاه، ومن أنَّه كانَ يَربِطُه ليَنظُروا كُلُّهم إليهِ، ويَلعَبُ بهِ وِلْدانُ أهلِ المَدينةِ، قال القاضي: وقيلَ: إنَّ رُؤيَتَهم على خَلْقِهم وصُوَرِهمُ الأصليَّةِ مُمتَنِعةٌ لظاهِرِ الآيةِ إلَّا للأنبياءِ -صَلَواتُ اللهِ وسَلامُه عليهم أجمَعينَ- ومن خُرِقَت لَه العادةُ، وإنَّما يَراهم بنو آدَمَ في صوَرٍ غَيرِ صُوَرِهم كما جاءَ في الآثارِ، قُلتُ: هذه دَعوى مُجَرَّدةٌ، فإنْ لَم يَصِحَّ لَها مُستَنَدٌ فهيَ مَردودةٌ) 4334.

وقال ابنُ رَجَبٍ: (في الحَديثِ: دَليلٌ على إمكانِ رَبطِ الشَّيطانِ وحَبسِهِ وإيثاقِهِ، وعلى جَوازِ رَبطِهِ في المَسجِدِ، كما يُربَطُ الأسيرُ فيه، وعلى جَوازِ رُؤيةِ غَيرِ الأنبياءِ للجِنِّ والشَّياطينِ، وتَلاعُبِ الصِّبيانِ بهم.

وأمَّا قَولُه تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الأعرافُ: 27] فإنَّه خَرجَ على الأعَمِّ الأغلَبِ، ولَيسَ المُرادُ بهِ نَفيَ إمكانِ رُؤيَتِهم.

وقد ظَنَّ بَعضُ النَّاسِ أنَّه دالٌّ على ذلك، فقال: مَنِ ادَّعى رُؤيَتَهم فَسَقَ.

وقد رَآهم أبو هُريرةَ وغَيرُه مِنَ الصَّحابةِ) 4335.

وقال ابنُ حَجَرٍ: (نَفيُ رُؤيةِ الإنسِ للجِنِّ على هَيئَتِهم لَيسَ بقاطِعٍ مِنَ الآيةِ 4336 بَل ظاهِرُها أنَّه مُمكِنٌ؛ فإنَّ نَفيَ رُؤيَتِنا إيَّاهم مُقَيَّدٌ بحالِ رُؤيَتِهم لَنا، ولا يَنفي إمكانُ رُؤيَتِنا لَهم في غَيرِ تِلكَ الحالةِ. ويُحتَمَلُ العُمومُ، وهَذا الَّذي فَهِمَه أكثَرُ العُلَماءِ، حَتَّى قال الشَّافِعيُّ: من زَعَمَ أنَّه يَرى الجِنَّ أبطَلْنا شَهادَتَه، واستَدَلَّ بهذه الآيةِ، واللهُ أعلَمُ) 4337.

وقال ابنُ الملكِ الرُّوميُّ الحَنفيُّ: (الحَديثُ يَدُلُّ على أنَّ رُؤيةَ الجِنِّ غَيرُ مُستَحيلةٍ، وقَولُه تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: 27] هوَ حُكمُ الأعَمِّ الأغلَبِ) 4338.

وقال الشَّوكانيُّ: (قدِ استَدَلَّ جَماعةٌ من أهلِ العِلمِ بهذه الآيةِ على أنَّ رُؤيةَ الشَّياطينِ غَيرُ مُمكِنةٍ، ولَيسَ في الآيةِ ما يَدُلُّ على ذلك، وغايةُ ما فيها أنَّه يَرانا من حَيثُ لا نَراه، ولَيسَ فيها أنَّا لا نَراه أبَدًا، فإنَّ انتِفاءَ الرُّؤيةِ مِنَّا لَه في وقتِ رُؤيَتِهِ لَنا لا يَستَلزِمُ انتِفاءَها مُطلَقًا) 4339.

وقال الشَّوكانيُّ أيضًا بَعدَ إيرادِهِ آياتٍ وأحاديثَ في ذِكرِ الجِنِّ: (وبَعدَ هَذا كُلِّهِ فكَثيرٌ من عِبادِ اللَّهِ قدِ اجتَمَعَ بالجِنِّ وجَمعَ كلامَهم، وسَألوه وسَألَهم، وهَذا مَوجودٌ في كُلِّ عَصرٍ مِنَ العُصورِ قد تَتَبَّعنا من وقَعَ لَه ذلك مِنَ الثِّقاتِ، فثبَت لَنا بذلك التَّواتُرُ المَعنَويُّ.

بَل راقِمُ هذه الأحرُفِ -غَفرَ اللهُ لَه- قد سَمَعَ كلامَهم غَيرَ مَرَّةٍ، وطالَ بَينَه وبَينَهُمُ الخِطابُ، وبَعضُهم أخذَ يَدِي وقَبَّلَها، وكانَت كفُّه كأكبَرِ ما يَكونُ من أيدي الإنسِ مَعَ قِصَرٍ في أصابِعِها!) 4340.

وقال الألوسيُّ: (قد تُرى بصُوَرٍ غَيرِ صُوَرِها الأصليَّةِ، بَل وبِصُوَرِها الأصليَّةِ الَّتي خُلِقَت عليها كالمَلائِكةِ عليهمُ السَّلامُ، وهَذا للأنبياءِ صَلَواتُ اللهِ تعالى وسَلامُه عليهم، ومن شاءَ اللهُ تعالى من خَواصِّ عِبادِه عَزَّ وجَلَّ) 4341.

2- عَن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: وكَّلني رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بحِفظِ زَكاةِ رَمضانَ، فأتاني آتٍ فجَعَلَ يَحثو مِنَ الطَّعامِ فأخذْتُه، وقُلتُ: واللهِ لأرفَعَنَّك إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: إنِّي مُحتاجٌ، وعليَّ عيالٌ، ولي حاجةٌ شَديدةٌ، قال: فخَلَّيتُ عَنه، فأصبَحْتُ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا أبا هُريرةَ، ما فعل أسيرُكَ البارِحةَ؟»، قال: قُلتُ: يا رَسولُ اللَّهِ شَكا حاجةً شَديدةً وعِيالًا فرَحمْتُه، فخَلَّيتُ سَبيلَه، قال: «أما إنَّه قد كذَبَكَ وسَيَعودُ»، فعَرَفْتُ أنَّه سَيَعودُ؛ لقَولِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّه سَيَعودُ، فرَصدْتُه، فجاءَ يَحثو مِنَ الطَّعامِ، فأخَذْتُه، فقُلتُ: لأرفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: دَعْني فإنِّي مُحتاجٌ وعليَّ عيالٌ، لا أعودُ، فرَحِمْتُه، فخَلَّيتُ سَبيلَه، فأصبَحْتُ، فقال لي رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا أبا هُريرةَ، ما فعل أسيرُكَ؟»، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ شَكا حاجةً شَديدةً وعيالًا، فرَحمْتُه، فخَلَّيتُ سَبيلَه، قال: «أمَا إنَّه قد كذَبَكَ وسَيَعودُ»، فرَصدَتُه الثَّالِثةَ، فجاءَ يَحثو مِنَ الطَّعامِ، فأخَذتُه، فقُلتُ: لأرفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ، وهَذا آخِرُ ثَلاثِ مَرَّاتٍ، أنَّكَ تَزعُمُ لا تَعودَ، ثُمَّ تَعودُ، قال: دَعْني أعلِّمْكَ كَلِماتٍ يَنفَعُكَ اللهُ بها، قُلتُ: ما هوَ؟ قال: إذا أوَيتَ إلى فراشِكَ، فاقرَأْ آيةَ الكُرسيِّ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255] ، حَتَّى تَختِمَ الآيةَ، فإنَّكَ لَن يَزالَ عليكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقْرَبَنَّكَ شَيطانٌ حَتَّى تُصبِحَ، فخَلَّيتُ سَبيلَه، فأصبَحْتُ، فقالَ لي رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما فعل أسيرُكَ البارِحةَ؟»، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، زَعَمَ أنَّه يُعَلِّمُني كَلِماتٍ يَنفَعُني اللَّهُ بها، فخَلَّيتُ سَبيلَه، قال: «ما هيَ؟»، قُلتُ: قال لي: إذا أويتَ إلى فراشِكَ فاقرَأْ آيةَ الكُرسيِّ مِن أوَّلِها حَتَّى تَختِمَ الآيةَ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255] ، وقال لي: لَن يَزالَ عليكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقرَبُكَ شَيطانٌ حَتَّى تُصبِحَ -وكانوا أحرَصَ شَيءٍ على الخَيرِ- فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أمَا إنَّه قد صَدَقَكَ وهوَ كَذُوبٌ، تَعلَمُ من تُخاطِبُ مُنذُ ثَلاثِ ليالٍ يا أبا هُريرةَ؟»، قال: لا، قال: ذاكَ شَيطانٌ 4342.

قال ابنُ حَجَرٍ: (في الحَديثِ مِنَ الفَوائِدِ أنَّ الشَّيطانَ... قد يَتَصَوَّرُ ببَعضِ الصُّوَرِ فتُمْكِنُ رُؤيَتُه، وأنَّ قَولَه تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ مَخصوصٌ بما إذا كانَ على صورَتِهِ الَّتي خُلِقَ عليها) 4343.

وقال علي القاري: (فيه دَلالةٌ على جَوازِ رُؤيةِ الجِنِّ، وأمَّا قَولُه تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الأعرافُ: 27] فالمَعنى: إنَّا لا نَراهمُ على صوَرِهمُ الأصليَّةِ الَّتي خُلِقوا عليها لبُعدِ التَّبايُنِ بَينَنا وبَينَهم في ذلك؛ لأنَّهم أجسامٌ ناريَّةٌ في غايةِ الخَفاءِ والِاشتِباهِ؛ ولِذا قال الشَّافِعيُّ: من زَعَمَ أنَّه رَأى الجِنَّ عُزِّرَ لمُخالَفَتِهِ القُرآنَ بخِلافِ ما إذا تَمَثَّلوا بصوَرٍ أخرى كثيفةٍ) 4344.

ومِمَّا ورَدَ عَن أهلِ العِلمِ في اختِصاصِ رُؤيةِ الجِنِّ على خِلقَتِهمُ الحَقيقيَّةِ بالأنبياءِ عليهمُ السَّلامُ فقَط:

عَن حَرمَلةَ قال: (سَمِعتُ الشَّافِعيَّ يَقولُ: من زَعَمَ أنَّه يَرى الجِنَّ أبطَلْنا شَهادَتَه، إلَّا أن يَكونَ نَبيًّا) 4345.

وقال ابنُ حَزْمٍ: (هم يَرَونَنا ولا نَراهم، قال اللهُ تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: 27] ... وإذ أخبَرَنا اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّنا لا نَراهم فمَنِ ادَّعى أنَّه يَراهم أو رَآهم فهوَ كاذِبٌ، إلَّا أن يَكونَ نَبيًّا مِنَ الأنبياءِ عليهمُ السَّلامُ، فذلك مُعَجِزةٌ لَهم، كما نَصَّ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّه تَفَلَّت عليهِ الشَّيطانُ ليَقطَعَ عليهِ صَلاتَه 4346... ولا سَبيلَ إلى وُجودِ خَبَرٍ يَصِحُّ برُؤيةِ جِنِّيٍّ بَعدَ مَوتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنَّما هيَ مُنقَطِعاتٌ أو عَمَّنْ لا خَيرَ فيهـ) 4347.

ثانيًا: رُؤيةُ بَعضِ الحَيَواناتِ للجِنِّ

عَن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: إذا سَمِعتُم صياحَ الدِّيَكةِ فاسألوا اللهَ مِنْ فَضْلِه؛ فإنَّها رَأت مَلَكًا، وإذا سَمِعتُم نَهيقَ الحِمارِ فتَعوَّذوا باللَّهِ مِنَ الشَّيطانِ؛ فإنَّه رَأى شَيطانًا 4348.

قال ابنُ هُبَيرةَ: (في هَذا الحَديثِ مِنَ الفِقهِ أنَّه لَمَّا كانَ صَوتُ الحِمارِ أنكَرَ الأصَواتِ كانَ الشَّيطانُ وَشيكًا بالتَّعَرُّضِ لَه ليُثيرَ مِنَ النِّهاقِ الَّذي يُزعِجُ المُسْلِمينَ فتُنكِرَه نَفوسُهم؛ فأمرَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالتَّعَوُّذِ مِنَ الشَّيطانِ، ولَمَّا كانَتِ الدِّيَكةُ يُؤَنَسُ إلى أصَواتِها من حَيثُ إنَّها في اللَّيلِ تُوقِظُ النَّائِمَ لأفضَلِ الأوقاتِ للذِّكْرِ، وهوَ وقتُ السَّحَرِ؛ كانَت عِندَ رُؤيةِ المَلائِكةِ يَثورُ صاحِبُها، فيَذكُرُ اللهَ سُبْحانَه حينَئِذٍ، ويَسألُ مِن فَضلِهـ) 4349.

وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (هَذا يَدُلُّ على أنَّ اللهَ تعالى خَلقَ للدِّيَكةِ إدراكًا تُدرِكُ بهِ المَلائِكةَ، كما خَلَقَ للحَميرِ إدراكًا تُدرِكُ بهِ الشَّياطينَ. ويُفيدُ: أنَّ كُلَّ نَوعٍ مِنَ المَلائِكةِ والشَّياطينِ مَوجودانِ، وهَذا مَعلومٌ مِنَ الشَّرعِ قَطعًا، والمُنكِرُ لشَيءٍ مِنهُما كافِرٌ، وكَأنَّه إنَّما أمرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالدُّعاءِ عِندَ صُراخِ الدِّيَكةِ لتُؤمِّنَ المَلائِكةُ على ذلك الدُّعاءِ، فتَتَوافَقَ الدَّعوَتانِ، فيُستَجابَ للدَّاعي. واللهُ أعلَمُ.

وإنَّما أمرَ بالتَّعَوُّذِ مِنَ الشَّيطانِ عِندَ نَهيقِ الحَميرِ؛ لأنَّ الشَّيطانَ لَما حَضَرَ يُخافُ من شَرِّهِ، فيَنبَغي أن يُتَعَوَّذَ مِنهـ) 4350.

قال ابنُ تَيميَّةَ: ( إذا سَمِعتُم صياحَ الدِّيَكةِ فاسألوا اللهَ مِن فَضْلِه، وإذا سَمِعتُم نَهيقَ الحَميرِ فتَعوَّذوا باللَّهِ مِنَ الشَّيطانِ؛ فإنَّها رَأت شَيطانًا فدَلَّ ذلك على أنَّ أصَواتَها مُقارِنةٌ للشَّياطينِ، وأنَّها مُنفِّرةٌ للمَلائِكةِ) 4351.

وعَن جابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: قال رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إذا سَمِعتُم نُباحَ الكِلابِ ونَهيقَ الحُمُرِ باللَّيلِ، فتَعوَّذوا باللَّهِ؛ فإنَّهُنَّ يَرينَ ما لا تَرَونَ 4352.

قال ابنُ رِسلانِ: ( إذا سَمِعتُم نُباحَ بضَمِّ النُّونِ الكِلابِ أي: صَياحَه باللَّيلِ ونَهيقَ الحُمُرِ باللَّيلِ فإنَّ فيه يَنتَشِرُ الشَّيطانُ مِنَ الإنسِ والجِنِّ ويَكثُرُ مَفاسِدُها فتَعوَّذوا باللَّهِ من كُلِّ سوءٍ... فإنَّهُنَّ يَرَينَ مِنَ الجِنِّ والشَّياطينِ ما لا تَرَونَ فإنَّ اللهَ خَصَّهُنَّ بذلك دونَ بني آدَمَ) 4353.

وقال علي القاري: ( إذا سَمِعتُم نُباحَ الكِلابِ: بضَمِّ النُّونِ، بَعدَها مُوَحَّدةٌ، أي: صياحَها. وتَمامُهُ على ما في المَصابيحِ: ونَهيقَ الحِمارِ باللَّيلِ فتَعوَّذوا باللَّهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ؛ فإنَّهُنَّ أي: الكِلابَ والحَميرَ يَرَينَ ما لا تَرَونَ أي: بالنِّسبةِ إلى الإنسِ لا بالنِّسبةِ إلى الجِنِّ والشَّياطينِ، فتَعوَّذوا باللَّهِ عِندَ ذلك لتُحْفَظوا من شُرورِها) 4354.

قال عُمرُ الأشقَرُ: (رُؤيةُ الحَيَوانِ لِما لا نَرى لَيسَ غَريبًا، فقد تَحَقَّقَ العُلَماءُ من قُدرةِ بَعضِ الأحياءِ على رُؤيةِ ما لا نَراه، فالنَّحلُ يَرى الأشِعَّةَ فوقَ البَنَفسَجيَّةِ؛ ولِذلك فإنَّه يَرى الشَّمسَ حالَ الغَيمِ، والبومةُ تَرى الفَأرَ في ظُلمةِ اللَّيلِ البَهيمِ) 4355.